الشتاء في ليننغراد طويل وقاسي والسحب تحجب ضياء الشمس لأشهر. أضف الى ذلك انعدام الفواكه والخضروات على وجه العموم. وكان الليننغراديون( ومازالوا) يتهيأون لقضاء العطلة الصيفية على البحر الأسود للراحة والاستجمام وليعرضوا اجسادهم للشمس.
لقد ذكرتُ لكم في احدى قصصي، اعزائي المتابعين، بأني مكثتُ عشرة أشهر بدون إقامة، وكنتُ اتحاشى الوقوع تحت نظر الشرطة.
ابلغتني زوجتي بأن ولدنا فارس، ٣ سنوات، كثر مرضه والاطباء ينصحون أخذه صوب الجنوب لكي يكتسب فيتأمين D. فقررنا السفر الى مدينة برديانسك على بحر آزوف. المسافة بين ليننغراد وبرديانسك يومين بالقطار. ورغم طول المسافة آلا اننا نستمتع بالمناظر والمدن والقرى على طول الطريق، خاصة عندما يتوقف القطار لنصف ساعة او اكثر، حيث ينزل بعض الركاب لشراء البطاطة المسلوقة مع الاشبنت والخيار المخلل او الفواكة.
عندما تصل الى مركز المدينة المقصودة ستجد الكثير من النساء يعرضون جزء من بيوتهن للإجار، وكلما يكون السكن قريباً من الشاطئ كلما يكون اغلى.
المصطافون يمكثون شهر او اكثر على الساحل، ويقضون اغلب اوقاتهم بين الماء واليابسة، كما انهم يقومون بسفرات للأماكن ذات الطبيعة السياحية.
جنوب مدينة برديانسك يطل على البحر وهناك لسان ترابي يكوّن نصف قوس داخل البحر(انظر الصورة). فقررنا ان نذهب عند الطرف البعيد لنظافة المياه هناك وبعيداً عن ضوضاء المدينة. فركبنا الباص الذي ينقل السواح الى تلك النقطة. طول اليوم ونحن نسبح ونلعب ونتشمس وقد أخذنا معنا ما نحتاجه من الأكل. كل شيئ يُنسيك همومك ومشاكلك. لقد صدق المتنبي بقوله: الماء والخضراء والوجه الحسن. ماذا يُريد الانسان اكثر من ذلك؟
لقد أنساني صوت البحر وضحكات طفلي وسعادة زوجتي ما انا فيه. فأنا بدون أقامة وبدون فيزة ولستُ طالباً بعد.
قبل ان تُغيب الشمس بساعة، قررنا العودة، ولكن ان نأخذ وسيلة نقل اخرى. كانت هناك باخرة متوسطة الحجم تقوم بعمل رحلات من المدينة الى نهاية اللسان الترابي وبالعكس. وقالوا لنا هذا اخر شوط او مشوار للباخرة لهذا اليوم.
فصعدنا الباخرة مع العشرات من السواح. أبحرت الباخرة وكانت هناك رياحٌ خفيفةٌ. ما اجمل البحر عندما يكون هادئ، وما أمتع الأنسان عندما يطرح وجهة نظره بهدوء.
الباخرة تَمخرُ على بُعدِ حوالي ١٠٠ متر عن النقطة الجنوبية من اللسان- الساحل عندما أعلن قائد الباخرة ان هناك عاصفةٌ تتحرك باتجاه المدينة. الرياحُ تشتدُ، الجميع على سطح الباخرة وانظارهم متجة نحو المدينة وصوت المحرك يغطي على تلاطم الامواج التي بدأت تصل الى سطح الباخرة. وفجأةً تغيرَ الموقف. صوت تلاطم الامواج بجسم الباخرة اصبح مسموعاً وبإقاعٍ سريع. الباخرة واقفة تماماً، والامواج تدفعها نحو اليابسة. القبطان يعلن عن عطل في المحرك. الرياح تشتد. الامواج ترتفع. الباخرة تميل حوالي٦٠ درجة نحو اليمين. وبأمر من القبطان، أخذَ البحارة يساعدون السواح للنزول للطابق السفلي ويقفون بالاتجاه المعاكس للميلان. المحرك صامت.
وهنا يبدأ عقل الانسان بالتخطيط للطوارئ.
زوجتي قالت: معنا حزامان أمان ، احدهم لفارس والاخر لك وانا سوف أدبر حالي سباحةً. ارتفعت اصوات النساء. القبطان يحاول تهدئة الوضع. تمر نصف ساعة ونحن قاب قوسين او ادنى. نسمع صوت المحرك لبرهةٍ ثم ينقطع. اسمع عويل. احتضن ولدي، وزوجتي تدمع عينيها. المحرك يدوي. المحرك يصمت. البعض يرغب ان يرمي نفسه في الماء قبل فوات الاوان. المحرك من جديد: تر..تر ..ترترتر. ارتفع صوت المحرك، تحركت الباخرة للامام، من بعيد نرى قارب أنقاذ يسرع نحونا.
القبطان يعلن بأن كل شيئ على مايرام ويعتذر عن مما حصل.
نزلنا الى اليابسة وأرجلنا تخذُلنا. تعانقنا ولم نذهب الى البحر في اليوم التالي.