جيل غربى جديد!
مهدى مصطفى*
كثيرا ما كتبت عن مسئولية أوروبا عن الأوضاع العالمية الراهنة، قارة عصر النهضة، والتنوير، والحداثة، والعصور الصناعية، وسيدة الحروب العالمية، والاندفاع الاستعمارى بلا منازع.
إرث أوروبا ثقيل بالطبع، ويحفر بصماته على وجه العالم، فهل لا تزال قادرة على كسر سلاسل هذا الميراث الصعب؟
من المحتمل، فهى ترفض حصارها بسياسات أمريكا الجديدة التى ترفع شعار «أمريكا أولا وأخيرا»، وترفض إضعاف حلف الناتو، وعزل بروكسل عن فضائه الجغرافى المحيط، ومن ثم، فإن العقل الأوروبى لا يزال قادرا على الخروج من الدائرة المحكمة، شرط أن يتخلى عن الفكرة الاستعمارية والاندفاع نحو الحروب.
عانت أوروبا الحالية من حصار ترامب، ومن تهشيمها تجاريا واقتصاديا وعسكريا، لكنها استطاعت، من خلال الاعتراف بدولة فلسطينية محتملة، ثم رفضها الذهاب إلى حرب ترامب وإسرائيل فى إيران، أن تستعيد بعضا من قوتها الذاتية.
وكان خطاب الملك البريطانى، تشارلز الثالث، أمام الكونجرس الأمريكي، وما حمله من تلميحات ثقافية وتاريخية، تأكيداً على أن إرث أوروبا لا يزال قويا.
إذن، أوروبا قادرة الآن على استعادة أخلاقية السياسة العالمية، إن أرادت، فمن خلال إسهامها القانونى بعد الحرب العالمية الثانية فى تكوين المنظمات الدولية، وتأكيدها على أنه ينبغى ألا تقع حروب عالمية أخرى، استطاعت أن تحدث قدرا من التوازن العالمى، وإن تحالفت مع واشنطن عبر المحيط فى الحروب الفردية المتتالية على المسرح الدولى، وهو خطأ إستراتيجى فادح، تجنى أوروبا ثماره الآن.
فهل استفاقت بعد حرب «الغضب الملحمى»، الأمريكية فى الشرق الأوسط، وتدمير مسارات الطاقة، والاستحواذ العلنى على الممرات والمضايق بالقوة الغاشمة، ومحاولة واشنطن لاقتطاع جزيرة جرينلاند، وكندا وفنزويلا وغيرها، وضمها إلى الولايات المتحدة؟
فى اعتقادى أن العقل الأوروبى استفاق على محنة لم يتخيلها، وهو العقل المخيال على مدى خمسة قرون.
وهل يمكن لأوروبا أن تصغى لنبض الجيل الجديد، الذى يرفض منطق الإبادة فى فلسطين، وحروب الممرات والبحار والسيطرة على الموارد؟ وهل يمكن أن تعترف بالمسألة الأخلاقية لوجود إسرائيل كثكنة عسكرية، تريد السيطرة على الشرق الأوسط، وتهدد مصالح أوروبا نفسها؟
لا تزال أمام أوروبا فرصة نادرة، عبر التحالف الحضارى مع شرق المتوسط، من خلال مصر، نواته الصلبة، وكذلك الإقليم العربى، وفضائه الأرحب، وإفريقيا المغبونة التى يجب أن تسطع تحت الشمس، فقد تحظى أوروبا برئة قوية للحركة، وقد تفهم أن سياسة «سلام القوة»، والإذعان، وفرض أنماط ثقافية واجتماعية على دول شرق المتوسط وإفريقيا، سيكون جنينا جاهزا لحروب مزمنة.
بعد ثمانين عاما لم يعد الغرب واحدا، فالولايات المتحدة تفتش عن قوتها «أولا وأخيرا»، وأوروبا تشعر بالمسئولية التاريخية والأخلاقية عما جرى فى «الحربين العالميتين»، وتداعيات ذلك على الشرق الأوسط دون أقاليم العالم، ففى سياق معقد انتهى الأمر إلى قيام «إسرائيل»، عبر مسارات تاريخية شملت: «وعد بلفور» و«الانتداب البريطانى على فلسطين» ثم تقديمها كفريسة لجماعات «المهاجرين من اليهود»، واقتلاع أصحاب الأرض الأصليين.
وبرغم تكيف شعوب الشرق الأوسط مع وجود «إسرائيل»، وتوقيع اتفاقيات سلام وتعايش معها، فإن مفهوم الاندفاع العسكرى الذى شكله قادة الصهاينة التصحيحيون: جابوتنسكى وبن جوريون وجولدا مائير، وصولا إلى نتنياهو، يظل حاضرا فى ظلال المفهوم الغربى.
وبين إعلان نيات تغيير الشرق الأوسط من قبل نتنياهو، والحديث المتكرر عن إعادة تشكيل موازين القوى عالميا من خلال إسرائيل، يتسع الانشقاق داخل العقل السياسى الأوروبى، فى ظل أزمات كبرى مثل الحرب الروسية – الأوكرانية، كأول حرب على الأراضى الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، وهو وضع صعب، لم يتخيل الأوروبيون أن يحدث على أراضى قارتهم العجوز.
من هنا ظهر الجيل الغربى الجديد، وقد بدأ يرفض منطق الحروب المفتوحة، ويراجع فلسفة القوة، فى عالم حاول، بعد الحرب العالمية الثانية، أن يؤسس لمنظومة دولية وقوانين واتفاقيات تقلل من احتمالات الصراع، فجاءت منظومة هشة، مزدوجة المعايير، ولم تنجح فى منع تكرار مبدأ «سلام القوة» الخطير.
لقد صحا هذا الجيل على عالم مضطرب، لكنه لا يزال يبحث عن صيغة يفهم بها ما يجرى، بين ما قرأه فى التاريخ، وما يراه من إبادة وجرائم حرب.
https://arabi.ahram.org.eg/News/149778.aspx
2026-05-07