جوهر الخلاف التركي السعودي .3!
ابو زيزوم.
بلغ الانسجام التركي السعودي ذروته مع بزوغ داعش في كل من العراق وسوريا . تركيا الاردوغانية لأنها ترى في الاسلام السياسي امتدادا لها ومشروعا لتوسعها داخل البلدان العربية المجاورة . اما السعودية فكانت قبل ذلك تتخبط في مأزق الدعم الامريكي لثورات الربيع العربي خصوصاً في مصر ثم في سوريا تحديدا . السعودية لا يسعها ان تكون داعمة لحركات تطالب بالحرية والديمقراطية ، ولا يسعها في نفس الوقت ان تقف بالضد من الموقف الامريكي المؤيد علنا وبقوة لتلك الثورات . وللتغلب على هذا المأزق وجدت السعودية الحل ، وهو ان تدعم الثورة السورية لا بصفتها حركة تحرر وانما بصفتها حرب طائفة على طائفة اخرى . فيكون الامريكان راضين بتماهي الموقف السعودي معهم وتكون الثورة قد انحرفت صوب الاتجاه المعاكس تماما لأي قدر من الحرية . وهكذا كان ، ووجدت السعودية نفسها منسجمة تماما مع الموقف التركي من سوريا والعراق ، وفعلتا كل ما تستطيعانه لتدمير وتمزيق البلدين .
في جانب آخر ولأسباب خاصة شرعت السعودية بالتخلي عن البعد الديني في سياستها وخطت أولى خطواتها نحو العلمنة . وهذا التوجه بحد ذاته لا يُغضب تركيا والاخوان كما قد يتوهم البعض . الاخوان لا يهتمون كثيراً بالجوانب الشكلية والاعتبارية في الأحوال التي تخدم استراتيجيتهم بعيدة المدى . وكثيراً ما يتبرعون بالموقع الاول لشخص من خارج صفوفهم ليحمّلوه مسؤولية الأخطاء عندما يختارون تغيير الاتجاه . لذلك كانوا سعداء عندما رافقتهم السعودية في العراق وسوريا وتحملت الأعباء المالية في مشروع يكلف مليارات الدولارات . ولم ينافسوها على المركز الاول في تلك المهمة . ولما قررت السعودية بعد تولي سلمان وابنه الارتداد عن الخط الديني كان الاخوان سعداء أيضا بإنزياح هذا المنافس القوي عن طريقهم ، وشعروا انهم باتوا القوة السنية الوحيدة على امتداد العالم الاسلامي .
في المقابل كانت سلطة السعودية تشعر بالقلق والضيق من سعة نفوذ الاخوان في دول كثيرة بينما لم يكن لها هي سوى ( سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ) التي فقدت بريقها بصعود هيئة الترفيه وحل هيئة الامر بالمعروف . وإبقاء التوافق الظاهري مع الاتراك يخدم الاخوان على حساب السعودية . لذلك جاء قرار الانفصام سعودياً لا تركياً . بدأ بوضع الاخوان على قوائم الارهاب في مراسيم ملكية معلنة ، ثم دعم الحوثيين للتضييق على حزب الإصلاح اليمني ومنعه من القبض على السلطة ، ومحاصرة قطر باعتبارها القاعدة المتقدمة للإخوان في جزيرة العرب ، والتحالف مع السيسي استراتيجيا بعد مرحلة قلقة من الشد والجذب . وإمعاناً في احراج الاخوان وللمزايدة عليهم دُفعت العلاقة مع ايران الى القطيعة واعتبرت معاداتها قضية ذات اولوية .
وتبعاً لذلك خرجت السعودية من الحلف التركي وانضمت للتحالف الدولي ضد الارهاب وبدأت بالتقرب من العراق وارسال الوفود اليه . وفي سوريا توجهت نحو دعم الأكراد لتستفز تركيا في الصميم متخليةً عن دعم الفصائل الاسلامية هناك . وفي ليبيا ألقت بكل ثقلها لدعم خليفة حفتر في حربه مع الاخوان المسلمين .
لتركيا خلافات عديدة مع الولايات المتحدة تخص الأكراد وحماس وإسرائيل وحتى ما يتعلق بإيران . وكانت السعودية تنظر الى تلك الخلافات بأمل فياض . فجعلت جميع خلافات امريكا مع تركيا نقاط خلاف لها مع تركيا . اي انها تبنت الموقف الامريكي في كل ملف وبشكل حرفي . آملةً بذلك ان تستغني امريكا بها عن الاتراك وحركة الاخوان المسلمين . لكن السياسة الامريكية ليست من الضيق الى هذه الدرجة ، وهو ما كان يخلف خيبة ممضة لدى ابن سلمان على الدوام . كان يقدم من التنازلات للامريكان ما يفوق حدود التصور فإذا بهم يسخرون من أبيه بطريقة تهريجية مهينة ويشيدون بأردوغان ويقدمون له التنازلات رغم ان اردوغان لا يتذلل لهم وانما يتعامل معهم بندية وغلظة . فحقيقة ان الناس لا يحترمون الا من كان محترما يصعب ادخالها في عقل الذي يدعو رئيس وزراء دولة وعند وصوله يعتقله ويرغمه على تلاوة بيان استقالة. _____ يتبع
( ابو زيزوم _ 855 )
2020-05-10