جولة في سجن منسي!
ابو زيزوم.
على أعتاب عام جديد أرسلت خيالي الى سجن معزول فيه عينات من البشر تقبع خارج عالم البشر . أناس تألقت مداركهم بقدر ضمور قواهم البدنية . ما عادت أمانيهم هواجساً مرحة في الصدور وانما تضخمت وتعقدت حتى اوشكت ان تصبح كائنات منفصلة لأنها الجزء الوحيد الحائز على حرية الحركة والنمو . فالاغلال والجدران والأبواب والأقفال ومهما تشددت لا تستطيع ان توقف العقل الإنساني عن اختراقها والتحليق عالياً في ارجاء الفضاء .
رأيت شخصاً يبكي ندماً على الجريمة التي ارتكبها دون اضطرار فألقت به في هذه الظلمة يكابد مرارة الضياع الأبدي . وشخصاً متوثباً كأنه ما زال ينفذ الجريمة بحزم وإصرار ، لا يخالجه أدنى شعور بالتردد والخور لإحساسه الجارف انه محق فيما فعل . اقتناعه بأنه على حق يمنحه طاقة متجددة على الصمود امام القدر القاهر . وشخصاً جيء به ظلماً فبات التساؤل المتحرق عن سبب وقوعه في الظلم دون غيره قضية وحيدة يتمحور حولها تفكيره دون ان يبلغ هدفاً . وشخصاً يعكف طوال الوقت على تعداد ذرات الزمن المتبقي له في هذا الليل الحالك . يعرف في اي يوم من اي سنة سيفتح له باب النهار ويخطو خارجاً مثل جنين يولد . سيودعه هؤلاء التعساء من حوله بالدموع وقلوب تفيض بأحر العواطف وأصدقها ، ثم يحول الباب الحديدي بينهم فينساهم ولا ينسونه . لكن متى هذا الوعد ؟ لم يزل دونه سلاحف من السنين. وشخصاً أوقعته مبادئه السامية في هذا الكهف الموصد . كان جاهزاً للموت في سبيل العقيدة التي يعتقد انها طريق خير للبشر ، فنجا من الموت ووقع فيما هو شر منه . يبدو قانعاً بقدره مستسلماً لمصيره حتى ليبهر ألباب السجناء باستقامته وجلده وقوة شكيمته ، يحسدونه على هذا التميز الرفيع ، غير انه وفي لحظات الانكفاء على الذات يحسد أتفه الناس الذين بقوا أحراراً خارج الأسوار ينالون من الدنيا وتنال منهم وعندما يخطر لهم القيام بشيء تافه يقومون به لا يحول بينهم وبينه حائل ؛ آه كم يحن لسخافات الحياة التي لا تغني عنها المبادىء شيئا ، بل ربما زعم حملة المبادىء انهم يناضلون من اجلها ، ولكنها متوفرة بدرجات دون الحاجة الى نضال وسجون .
رأيت شخصاً لا تفتأ عيون أطفاله عن التحديق به فتخرق فؤاده كالسهام وتقطّع نياطه الحسرات. وشخصاً تقطن قلبه الحبيبة وترفض الخروج فيداهمه احساس عارم بالخجل لأنه خذلها في منتصف الطريق ولم يحقق ما كانا يحلمان . وشخصاً لا يدري متى تنقضي ليلته الدهرية ، فهو محروم من الحكم والمحاكمات ، قد يأتيه الفرج بغتة وقد يقضي حياته ويموت هنا ، يتناوب عليه اليأس والرجاء مثل أضلاع أرجوحة .
ورأيت علامة تستقر على كل الجباه لا يخلو منها أحد ، انها الأمل الذي يزيّن الوجوه مثل فيروزة يتزين بها قرط ذهبي . لا تحتاج ان تسألهم عن وجودها لأنك تراها رأي العين وتتفرسها بافتتان . ينكر البعض وجودها لديه فلا يغرك قوله وانت تبصر توهجها على جبينه . لقد سقطت من احدهم قبل ايّام ، استيقظ صباحاً فلم يجدها في مكانها ! بحث عنها يميناً ويساراً كان يتنقل في المكان كالمخبول وعيناه زائغتين بفظاعة . وحين لم يعثر عليها انتحر فبكوه بدموع سجام .
اما اغرب ما رأيت في ذلك الربع الكئيب فرجل لم يرَ في السجن الا امتداداً للحياة !! كأنها محطة عادية من محطات عمره مثل الطفولة والمدرسة والعسكرية والوظيفة . تراه منهمكاً بالعمل ، يتعلم ويعلِّم ويخشي ان تنقضي ايّام السجن قبل ان يتزود منها بكل ما يريد . لخطواته جلبة مريحة للنفوس الظمأى ، وصدى ضحكاته المجلجلة يتردد في الردهات . لم انتبه لوجوده الا وانا اتهيأ للمغادرة فتمنيت لو اني كرست كل هذه الجولة معه .
( ابو زيزوم _ 960 )
2021-01-02