جورج حبش …… شمس المرحلة!
الراحل أحمد حسين*
لم أشا الكتابة عن جورج حبش بعد وفاته بسبب الإحباط الذي أثاره في موته على خلفية مرحلة مستقوية قضى عمره في محاربتها ، وما زالت تزداد استقواء . ومن عادة الإحباط أن يؤجل كل الأحداث الجليلة لصالح الحزن . لذلك فضلت الخشوع والإعتزاز الباكي على الكلام . ولكن ما قرأته في نشرة كنعان الألكترونية حول مقالة طلعت صفدي استفزني وصدمني فقررت كتابة هذه السطور .
بالمنطق البراغماتي يحق لكل من أراد أن يحاول الإقتراب من جورج حبش بعد وفاته . فالرجل كان الشعلة القيادية الوحيدة التي أضاءت ساحة المقاومة ، ليس فلسطينيا فقط ، بل وعربيا أيضا . كان الرجل فيه إنسانا إلى درجة أنه ظل يؤمن بشرف الوعي والإلتزام حتى اللحظة الأخيرة . لم يكن مثل غيره يربي الدجاج على ساحة النضال للحصول على البيض فقط ، كما فعل غيره من قادة الفصائل الفلسطينية ابتداء أو انحرافا لاحقا . لذلك فمن حق الفئويات كلها أن تحاول تبني موت الرجل لتظهر وكأنها تتبنى سيرته ، فتختلس بالإستغفال من رصيده ما يخفف من ديونها المستحقة على الشرف .
أما بالمنطق الأخلاقي للوعي والإلتزام فلا يحق لأحد من هؤلاء أو لأكثرهم أن يحاول الإقتراب من هذا الشريف الإستثنائي قياسا عليهم . وبنفس المدى لا يحق لأولئك الذين أحبوه بفلسطينيتهم وعروبتهم ورفاقيتهم , أن يجاملوا على حسابه وحسابهم في بيوت العزاء ، فيتبادلوا القبلات مع رفاق الغيبية والتكسب والإنحراف المعلن ، الذين كان جورج حبش يرعب دخائلهم المديثة لمجرد وجود مثله على الساحة . فقط رفاقه الحقيقيون الذين شاركوه التزامه ، هم الذين كان يحق لهم ، بل يجب عليهم , بالمنطق البراغماتي والأخلاقي الملتزم أن يستغلوا صدمة غيابه التي لا بد منها ، ليرفعوا من أسهم الشرف الوطني والقومي والتحرري في هذا العصر الدنيء . كان يجب أن يستغلوا المناسبة الحزينة لدمغ المرحلة والمنحرفين ورافضي الرفض وجواري الأممية الجنسية من تلاميذ إميل حبيبي ، لا أن يستقبلوهم بالترحاب في بيوت العزاء ويفردوا لهم صدارة المأتم . إن من يكون رفيقا لتلاميذ مدرسة الإستشراق الأممي لا يصلح أن يكون رفيقا لجورج حبش . يمكنه أن يكون أخا لعرفات أو رفيقا لحواتمه أما لجورج حبش فلا .
ما الذي تريده فئة صهيونية معتدلة مثل حزب الشعب من جورج حبش سوى الإساءة إليه ولشيوعيته , أو التكسب على حساب صموده الإستشهادي ؟ ما الذي يريده مؤبن يفارق لغة الواقع إلى البوح الرومانسي في الحديث عن جورج حبش ، فيلجأ إلى المصطلحات النظرية والبلاغية العامة واللون الأحمر ، سوى القول -خاب سعيه – أن جورج حبش كان ( منا آل البيت ) ؟ ماذا سيقول عن جورج حبش في واقع الممارسة دون أن يدين نفسه ومدرسته وحزبه ؟ ماذا سيفعل سوى أن يغالط الناس عن واقعه الرديء باستغلال ( اللباس الشرعي ) للشيوعية ؟ فحينما قال ماركس أن الإنسان ابن مجتمعه لم يقصد أنه ابن مجتمعه بتبني رداءة المرحلة ، قصد أنه ابن مجتمعه بوعي الواقع وتغييره ، أي وعيه بالرفض وليس بالتبعية والتسليم كما فسرته الأحزاب الشيوعية العربية لاستدخال إسرائيل بعد أن استدخلها الإتحاد السوفياتي ، وكأن حيفا هي قطعة من روسيا . لقد فهم جورج حبش بفكره وحسه النزيه الفرق بين الواقع والممارسة في السياسة ، وبينهما في الإلتزام الثوري , لذلك كان رافضا , لا ( مزينا لنجوم السينما ) مثل غيره .
عرف جورج حبش بفروسية الإلتزام الثوري الفرق في العلاقة الرفاقية بين الحب والجنس الثوري ، فناصر المرأة وأحبها لا كمنحرف جنسيا كما فعل سفهاء الأممية الكاذبة , ولكن كرفيقة درب ومناضلة ملتزمة ، وليس للترفيه عن القيادات الرفاقية ؟ فلماذا محاولة الخلط الخبيثة للأوراق بين شيوعية جورج حبش وشيوعية المنعظين بشأن المرأة ؟
لا أدري إذا كانت الشيوعية قد تطرقت إلى عنصر السذاجة لدى بعض الثوريين بشكل مباشر ، ولكن إذا كانت قد فعلت فمن المؤكد أنها حرمته وأحلت مكانه عنصر الطيبة الواعية . هذه الطيبة الواعية أي الثورية لا يمكن أن تسمح ، مثل السذاجة ، لممثلي مدرسة إميل حبيبي حاملة لواء لاأخلاقية الإلتزام , بالوقوف على قبر جورج حبش أو تاريخه الوطني والقومي والرفاقي . وإذا كانت طقوس تقبل العزاء واجبة , فيجب أن يلزم المعزي وصاحب العزاء حدودهما تجاه المتوفى . وهذا ما لم يفعله المعزي طلعت الصفدي من جانب ، أو الدكتور عادل سمارة ونشرة كنعان الألكتونية من جانب آخر ، فتبادلا المجاملات مع فارق النوايا على حساب جورج حبش ثالث أقطاب الشهادة الفلسطينية والعربية بعد عبد الناصر وصدام . لقد استغل المعزي الموقف لتسويق شعاراته الكاذبة والتشدق بأسماء شهدائه الحزبيين من حلفاء الصهيونية في حضرة وتحت مظلة عظيم من عظماء الإلتزام مثل جورج حبش . لقد وصل به الأمر حد التبجح بجريمة مخابراتية منحطة حينما ذكر بدون أي خجل أو تحفظ , المتخلف المسكين عبد الكريم قاسم ليعيد إلى الأذهان مذبحة القوميين في العراق على يد التحالف بين الشيوعيين والمخابرات البريطانية ونظام المهداوي . ولا أظن أن المضيفين في نشرة كنعان الألكترونية , يعتقدون أن جورج حبش كان يتبنى جرائم حلفاء المخابرات ضد القوميين العرب ، حتى يسكتوا عن هذا الكلام الفاجر . ولكنهم بدل أن يردوا على طلعت صفدي ويرذلوه بل ويصفعوا موقفه ، وقفوا يدافعون عن أطروحته الشعارية التي يستحي بمستواها طالب مدرسة ابتدائية ، أمام ( فريق التواصل الألكتروني في وزارة الخارجية الأمريكية ) ، وكأنهم يدافعون عن كتاب “الأيديولوجية الألمانية ” . وحتى لو كان المصدر صحيحا فالرد موجه إلى جورج حبش ورفاقه وليس بالقطع إلى طلعت صفدي . ما قصده المصدر هو ترذيل موقف الرفض والمقاومة الذي كان جورج حبش ممثله الوحيد . ومن ناحيتي فأنا أميل إلى الإعتقاد أن للمعزي أو أحد رفاقه في الحزب ضلع في الأمر . فالكلام يشبه كلام ليبرالي من أصل شيوعي . ولكن هذا ليس مهما , ألمهم لماذا لم يتركوا المعزي يدافع عن نفسه إذا شاء ، ولماذا إذا أصروا على الرد لم يردوا من موقع الدفاع عن فكر جورج حبش وليس من موقف الدفاع عن شخص لا يجوز الربط بينه وبين جورج حبش على أي مستوى ؟ لعلهم كانوا ضحية للسذاجة أو حتى الخداع .
وإلى الراحل العظيم أقول :
سيدي !
لقد اعتدنا الإساءة إلى أنفسنا وإلى شهدائنا بقصد وبدون قصد . طحنت وعينا الهزائم المتلاحقة ، كما رأيت ، إلى درجة الذهول . ولكنني اعتقدت دائما أن أحدا لا يستطيع الإساءة إليك أنت بالذات ، لأنك شمس المرحلة وأكثر نصاعة ووضوحا من أن يجرؤ أحد على المشاغبة عليك . لم يكن عليك خلاف في نبل الإلتزام والسلوك والوعي ، يتيح لفرسان المرحلة المدججين بزينة السلاح وحدها أن يخاطروا بالإساءة إليك . كان يرونك أمامهم دائما في زي المحارب مدججا بمهام الفروسية وليس بزينتها . لم يمسكوا عليك زلة تسيء إلى شرف المحارب أو إخلاصه أو نزاهته ليجلدوك بها أمام الناس . عرفوا أنك كنت أيضا شمس الوجدان لدى عامة الشرفاء من شعبك في كل المواقع ، حتى ولو كانوا يحملون وعيا مختلفا ، فكيف يواجهونك وهم الملوثون أمام شعبهم بالشكوك والشبهات والمناصب المجانية والثراء الفاحش ؟ كيف يواجهونك وأنت الذي حينما أقالك شرف الفعل جلست في محراب الإلتزام . لو استطاعوا أن يمسوك بسوء لفعلوا ولو من أجل تبرير خستهم وضياع شرفهم .
لم أكن أخاف عليك من الإساءة لشخصك فقد كنت أعز من الشبهات . ولكني أراهم بعد موتك يتجرأون على نصاعتك بالتطفل وعلى نموذجك بالإنتساب ليجدوا لهم مكانا ولو عند قدميك . يريدون برثائهم الكاذب لك أن يسوّقوا أنفسهم بك . وليس هناك إساءة أعظم لديك ولدينا من هذه الإساءة التي تمجد شخصك وتسيء إلى التزامك . بمناسبة غيابك ، كان الإلتزام يفرض علينا مبادرتهم بالشجب تذكيرا للناس بنموذجك الرائع في الإلتزام , ونموذجهم المريع في الخيانة والإنتهازية ، وقطعا للطريق عليهم في استغلال موتك . كانت فرصة للتفاخر من جانبنا بشرف موقف الرفض وفضح مواقف الوله المربحة بالتطبيع . ولكننا فوتنا الفرصة ، في حين لم تفوتها عقولهم المريضة , وورطونا في الإساءة إليك بشكل غير مباشر .
ألف هزيمة في ميدان المعركة , ولا هزيمة واحدة في ميدان الإلتزام . ربما لم تقل هذا بلسانك ، ولكنك لم تكن بحاجة إلى ذلك ، فقد قلته بالفعل والممارسة .
لا حاجة يا سيدي لأي حزن من جانبك سوى أحزان الإلتزام في هذه المرحلة الهجينة من التاريخ . لا تحزن لأي سبب يخص مهمتك النضالية . نشهد أن كل صمود على الساحة أنت شريك أساسي فيه ، وكل سقوط عليها هم شركاء فيه من ياسر عرفات ونزولا حتى ياسر عبد ربه .
2008
2024-02-04