جفت الأقلام ورفعت الصحف!
زهير عبدالرحمن الجلبي
لا يعني كلامي أن نقف مكتوفي الأيدي، بل على العكس، العمل والأخذ بالأسباب واجب، ولا يجوز أن نقنط من رحمة الله أو نيأس.
لكنها قناعتي الشخصية، بعد سنوات طويلة من التجربة والمعرفة: هذا النظام الإداري الذي تُدار به السياسة والاقتصاد أصبح، في رأيي، ميؤوساً من إصلاحه جملةً وتفصيلاً.
النظام البرلماني الذي يفترض أن يكون وسيلة لبناء الدولة وخدمة الشعب، تحوّل في كثير من مفاصله إلى وسيلة للسلطة وتقاسم النفوذ واستنزاف المال العام.
قبل نحو أحد عشر عاماً، التقيت المرحوم الدكتور أحمد الجلبي، رحمه الله، وكان حينها رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب. كنت يومها مستشاراً في أعلى جهاز استخباراتي، ورئيساً للجنة مساندة عمليات أم الربيعين.
كان اللقاء منفرداً في مزرعته بساحة عدن، في بداية تولي الدكتور حيدر العبادي رئاسة الوزراء، والموصل يومها تحت احتلال داعش.
حدثني المرحوم الجلبي عن مشروعه «النفط مقابل الإعمار والبناء»، وكان مستعداً للتفرغ له وإدارته، وقد عرضه على الحكومة، لكن المشروع لم يجد الاهتمام المطلوب ولم يُعرض على مجلس الوزراء.
وتحدثنا يومها عن الأزمة المالية التي أعلن عنها العبادي، وشرحت له إمكانية توفير النقد وإعادة رواتب موظفي الدولة إلى الخزينة خلال عشرة أيام، كما تحدثنا عن الإصلاح المصرفي وإعادة الثقة بالمصارف، وتسديد الديون المتبقية للشركات الخاصة.
وكان الحديث طويلاً عن الاقتصاد، ومزاد العملة، والفواتير المزورة، وأمور أخرى كثيرة لا يزال الحديث عنها يدمي القلب.
وفي نهاية اللقاء، نصحني المرحوم الجلبي بجملة لم أنسها، وأرجو ألا يُساء فهمها:
«أنت يا زهير لست الرجل الذي يريدونه، ومكانك ليس في هذا البلد، ونصيحتي أن تحيل نفسك إلى التقاعد».
وأخذت بنصيحته، وكان قصده ـ كما فهمت ـ الحفاظ على حياتي.
ثم، بعد تولي الأستاذ عادل عبد المهدي رئاسة الوزراء، عدت مستشاراً ،وشاء القدر أن تستقيل الحكومة بعد نحو عام، في ظل أحداث تشرين وتوجيهات المرجعية.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، لا أقول إننا نتوقف عن العمل، ولا إننا نتخلى عن الأمل.
لكن أقول: علينا أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن المشكلة لم تعد في الأشخاص وحدهم، بل في منظومة إدارية وسياسية واقتصادية تحتاج إلى مراجعة عميقة.
قد نختلف في الحلول، وقد تتعدد الآراء، لكن التجربة تقول لنا إن تكرار الأساليب نفسها وانتظار نتائج مختلفة ليس إصلاحاً.
وفي النهاية، ليس أمامنا إلا الحكمة، والكلمة الصادقة، والأخذ بالأسباب، وترك ما لا نستطيع تغييره إلى الله.
جفت الأقلام، ورفعت الصحف.
2026-10-09