جدلية الروح و التراب؛الجزء الثاني:جوهر التحالف و نبض الهوية!
زينب مهدي*
في هذه الغابة الدولية الموحشة، تقف الأمم شاحبةً تبحث عن “تحالفات”. إنها قصة صـ ـراع أزلي، يمتزج فيه جفاف المال و الأمن بحرارة الروح، و الهوية و تحركها ركيزتان: الركيزة الأمنية والركيزة الاقتصادية. هذا التلاحم الوجودي يصوغه السيد الشـ ـهيد محمد باقر الصدر: ” لا يمكن ممارسة الحرية الاقتصادية في ظل انعدام الشعور بالأمان والاستقرار”.
أولاً: الركيزة الأمنية:
طور عالم السياسة الأمريكي ستيفن وولت نظرية “توازن التهـ ـديد” التي تقول:”إن الدول لا تتحالف فقط لمواجهة القوة، بل تتحالف لمواجهة “التهـ ـديد الأقرب والأكثر مباشرة”. يفسر وولت تحالف الدول المتجاورة؛ بسبب القرب الجغرافي الذي يجعل المشتركات والتهـ ـديدات متطابقة. ولكن، ماذا يحدث حين يشتد الخناق؟ هنا تبرز فرضية”الاندفاع نحو المنتصر” و هي النقيض المباشر لنظرية “توازن التهـ ـديد” فيكشف عنها وولت : “يُعرَّف التوازن بأنه التحالف مع الآخرين ضد التهـ ـديد السائد؛ بينما يشير الاندفاع نحو المنتصر إلى الاصطفاف مع مصدر الخـ ـطر نفسه”….”ينطوي الاندفاع نحو المنتصر على تبادل غير متكافئ؛ حيث تقدم الدولة الهشة تنازلات غير متماثلة للقوة المهيمنة وتقبل بلعب دور التابع”.… “كلما كانت الدولة أضعف، زاد احتمال اندفاعها نحو المنتصر بدلاً من التوازن، لأن الدول الضعيفة تكون أكثر عرضة للضغط وتملك قدرة أقل على التأثير في ميزان القوى”.
فإذا كان “التوازن” يعكس غريزة مناهضة الخطر، فإن “الاندفاع نحو المنتصر” يُمثّل غريزة الاستسلام و الركوع الاختياري للقوة المهيمنة ، لترتص في صفوفها الدولة الهشة لتأمن بطشها و تقنع بفتات غنائمها. لكن عندما تلوح في الأفق طاغية عابرة للقارات تهـ ـدد باحتكار الضوء والهواء، تندفع الدول، مدفوعةً برعـ ـب الفناء، لتجمع أشـ ـلاء قوتها وتصنع توازناً يحمي بقاءها حتى وإن غابت المصالح الاقتصادية مؤقتاً، لأن الد م إذا سُفك، صمتت لغة الأرقام.
ومن هنا تتدفق الحكاية لتلتقي ركيزة الأمن بالركيزة الإقتصادية
حين تسكت المـ ـدافع قليلاً، يلتفت الشرق الأوسط إلى أوردته الجافة ليدرك أن القوة العسكرية بلا قاعدة اقتصادية هي انتـ ـحار بطيء. هذه الحتمية فطن اليها الشهيد الصدر في سفره الخالد اقتصادنا، حيث أسس نظرية التوزيع والإنتاج، مخاطباً الفكر العالمي ببراعة: “إنّ المشكلة الاقتصادية في حياة الإنسان ليست مشكلة ندرة الموارد الطبيعية في الكون، بل هي مشكلة الإنسان نفسه؛ حين يفقد التوازن في التوزيع ويستسلم للأنانية والاحتكار والابتـ ـزار الدولي”. هذا المنظور يصقله الشهيد مطهري، محذراً من أن التبعية المالية للأجنبي هي انتـ ـحار سياسيّ مغلف بالرفاه: “إنّ الأمة التي تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع، وتعتمد في مالها على ودائع الطغيان العالمي، هي أمة فاقدة لشرط وجودها الحقيقي، وتتحرك مجبرة نحو الفناء”. ويلتقي هذا الفكر الاقتصادي الثائر مع الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الذي صاغ نظرية الأمة والدولة ببعد عالميّ منفتح، مؤكداً: “إنّ الاستقلال المالي والتكامل التجاري بين الجيران ليس خياراً سياسياً قابلاً للمساومة، بل هو خط الدفاع الأول عن السيادة، ومن يرهن قُوت فقرائه لإملاءات القوى العابرة للبحار، فقد سلّم عنقه طوعاً لمن لا يرحم”.
إذن الأمن يمنع استباحة الأرض، والاقتصاد المستقل يمنع خنق السيادة.
لكن الأمن و الإقتصاد لغة صامتة لا يمكن فهمها دون الالتفات إلى العروق التي تغذيها و تُنحت ملامحها لتكون هوية الشعوب عبر عناصر خمسة، تترتب تنازلياً بحكم النظريات العلمية:
* الدين والمذهب (المرتبة الأولى):
يثبت المذهب أنه طاقة جبارة تنبض في عروق الشعوب لتميز بين الحق و الباطل و ترفض الذل. يدرك الأجنبي هذا، فيتحرك من تحت العباءة لإذكاء “الشرخ الطائـ ـفي”. يقول عالم السياسة الأمريكي صامويل هانتنغتون: “في العالم الجديد، لن تكون الصـ ـراعات الكبرى اقتصادية …بل الثقافة والدين هما اللذان يصنعان الهوية الأساسية للدول”.
* التاريخ المشترك (المرتبة الثانية): يرى الفيلسوف الإسلامي مرتضى مطهري أن “التاريخ المشترك ليس مجرد سرد للحوادث، بل هو معمل صهر الضمير الجماعي للأمة، حيث تصنع الآلام المشتركة وذاكرة الدفاع بوجه الطغيان وعياً واحداً لا يقبل الانفصام”. هذا التاريخ هو “الهوية السردية” التي يربطها المفكر الفرنسي بول ريكور بالقدرة على إفراز الصديق من العدو بيقين يستعصي على تقلبات النظم السياسية اليومية.
* الثقافة واللغة (المرتبة الثالثة): ينظّر لها قسطنطين زريق باعتبارها خط الدفاع الثقافي الأصيل النابع من نقاء الفطرة، والذي يخوض اليوم معـ ـركة شرسة في حرب الجيل الخامس ضد العولمة الغربية الوافدة التي تحاول فرض مفاهيم الاستسلام الفكري.
* الجغرافيا المشتركة (المرتبة الرابعة): الجغرافيا هي القدر المشترك و الركن الذي يجعل الدول تبحث عن “عمق استراتيجي” يحمي خاصرتها الرخوة. يرى نيكولاس سبايكمان أن الجغرافيا صلبة ومحددة للقوة؛ لكن بمفردها كائن أخرس لا يصنع هوية دافئة ما لم يملأه الدين والتاريخ؛ فكوريا الشمالية والجنوبية تتقاسمان ذات الجغرافيا، لكن هويتهما الاستراتيجية في حالة تصادم صفري كامل.
* هوية الأحوال المدنية (المرتبة الخامسة): هي الورقة الإدارية الأكثر صورية وضعفاً؛ لأن الجنسية والجوازات عاجزة عن صناعة ولاء وطني إن نُزعت من الامتداد الروحي والثقافي العقائدي للأمة.
كل بلدٍ في هذا الوجود لا بد له من تحالفات و علاقات تحميه من عاديات الزمن. إنها حقيقة أزلية، كل علاقة مستدامة مبنية بالضرورة على مشتركات تضمن مصالح جميع الأطراف، فيلتفت كل طرفٍ بعينٍ فاحصة ليفتش عمن يتقاسم معه المشتركات الأكبر والمصالح الأكثر ليشدّ عضده به ويتحالف معه.
يتبع
2026-10-08