جدليات الالهاء!
سلام علي جبارة
حين تلمس شاشة هاتفك الخلوي وتتأمل منصات التواصل الاجتماعي التي غدت بديلاً عن شاشات التلفاز التي طالما سُمّرت عيوننا عليها لتتبع الأخبار، تطالعك برامج ومنصات مشغولة بجدلية فارغة تسللت حديثاً إلى المشهد العام؛ وهي المفاضلة المفتعلة بين العقيدة والوطن. إنها أطروحة عابثة يعود صداها ليحيي جدليات تاريخية استنزفت طاقات الأمة في عصور التراجع، وكأنما يراد للوعي الجمعي أن يظل رهيناً لمعارك وهمية لا طائل من ورائها، في محاولة جديدة للإلهاء الفكري، وبلبلة العقول، وصرف الأنظار عن الاستحقاقات الحقيقية لبناء الدولة وتماسك المجتمع.
إن الواقع التاريخي والوطني للشعب العراقي يبدد هذه المزاعم من أساسها، فلا الحقيقة الوطنية تحتمل التجزئة، ولا الوجدان الشعبي يقبل المفاضلة بين الواجبات المقدسة. لقد أثبت أبناء هذا الشعب عبر مختلف المحطات أن الدفاع عن الوطن عقيدة راسخة وسلوك يومي لا يقبل القسمة؛ فقد التحق الملايين سابقاً بالخدمة العسكرية تلبية لنداء الواجب وحماية لتراب الوطن وسيادته، وتدافع عشرات الآلاف تلبية لفتوى الجهاد الكفائي ذوداً عن حياض المقدسات والوجود في وجه قوى الإرهاب والظلام. وحين تتشابك خيوط الذاكرة الوطنية بهذه الصور المشرّفة، يصبح طرح التساؤلات حول أولوية أحدهما على الآخر ضرباً من العبث الفكري الذي لا ينمّ إلا عن جهل بطبيعة الشخصية العراقية أو سوء طوية يرمي إلى تمزيق الصف وتشتيت الجهود.
إن العقل الجمعي اليوم ليس في موضع ترف لاختيار من يمثله أو المفاضلة بين قيم البذل والعطاء، فالدفاع عن الوطن لا يمكن تأطيره في قوالب ضيقة أو وضعه في كفة ميزان مقابل تضحيات صاغت ملحمة البقاء والكرامة. ولعل استحضار الشواهد التاريخية، من قبيل تلك الفتن الكلامية التي أثيرت في زمن الدولة العباسية حول خلق القرآن وغيرها من المعارك التي شغلت الناس عن عمران الأرض وبناء الحضارة، يضعنا وجهاً لوجه أمام النمط المتكرر لذات الأدوات التي تستخدمها القوى الخفية والجهات المستفيدة من تشرذم المجتمع، فتسعى دوماً لاختلاق أزمات وهمية وشغف إعلامي يستهلك الطاقات في غير محلها، بغية إضعاف المناعة المجتمعية وإبقاء المواطن في حالة دائمة من القلق المصطنع.
وحين تتكشف خيوط هذه الألاعيب، يتأكد لكل ذي لبّ أن الرهان الأكبر يكمن في وعي المواطن وحرصه على وحدة نسيجه الاجتماعي، فالوطن لا يُبنى بالجدليات الفارغة، ولا تُصان كرامته بتفريغ التضحيات من مضامينها الإنسانية والوطنية. وإن تجاوز هذه الحالة يتطلب رصّ الصفوف والالتفات إلى ما يجمع الكلمة ويوحد الهدف، وإسقاط كل محاولة رخيصة تستهدف الروابط الوثيقة التي عقدتها دماء الشهداء وتضحيات المخلصين على امتداد تاريخ هذا الشعب الأبي
2026-11-08