اتخمتنا عجائب هذا الزمان التي تتوالى منذ الهزيمة الكبرى في حزيران 1967 كأن هذه الأخيرة فتحت قمقماً كان يحتوي نفاقنا وخداعنا وخياناتنا ورذائلنا. تكاد لا تمضي أشهر قليلة دون أن يفاجئنا حدث يثير حيرتنا ودهشتنا.
ولكني لست بصدد بسط لائحة طويلة من الشكاوى تشعرني شخصياً وأتمنى صدقةً، أن أكون على خطأ، أن مجتمعاتنا في هذا المشرق، وفي البلدان المغاربية أيضاً، تتلاشى.
لا أدري صراحة ما إذا كانت هذه المجتمعات في الأصل حقيقية، أم أنها كانت وهماً وقعنا فيه.
لا شك في رأيي أن مشروع بناء جدار يحيط بمخيم اللاجئين الفلسطينيين في عين الحلوة («السور») هو آخر العجائب الصادمة والمفزعة إلى حد الهلع. فنحن لا نعرف إلى الآن من هي الجهة التي اتخذت قرار بنائه، وأية حكومة وأي مجلس بلدي أعطى الرخصة ببدء التنفيذ، ومن أين جاؤوا بالأموال التي يتطلبها هذا المشروع في لبنان، حيث أن الكلفة المعلنة لأي مشروع، تساوي عادة أضعاف الكلفة الحقيقية ! من حقنا في هذه المسألة وحتى إثبات العكس أن نأحذ بجميع الفرضيات، بما في ذلك أنه من المحتمل أن يكون تلزيم بناء هذا الحائط تم بطلب من جهة غير معروفة، إفتراضية!
كتب ميشال شيحا في 18 أيار 1948 «الدولة اليهودية كما أعلنتها الصهيونية… سيكون ذلك بمثابة بداية بالكاد مكتومة لتهجير جماعي أو لعبودية حقيقية تصيبان الدول العربية .. وفي هذه الحال ليست المقاومة العربية ضرورية، فهي حقاً وشرعاً، على المدى الطويل وبالنسبة للشرق الأسيوي وصولاً إلى مصر، مسألة حياة أو موت».
استنجدت بهذا الرجل المعروف أنه من أبرز مؤسسي الدولة اللبنانية، لأقول أن القضية الفلسطينية لا تهم الفلسطينيين وحدهم، وبالتالي هي ليست قميصاً يعلقه هذا الزعيم الفلسطيني أو ذاك، تارة في بلاط آل سعود وتارة أخرى في قصر السلطان أردوغان.
ينبني عليه أن القول ان جدار فصل مخيم اللاجئيين الفلسطينيين ـ عين الحلوة هو «مرخص» من سلطة في رام الله أو من سلطة قطاع غزة، لا قيمة له في الصراع بيننا وبين المستعمرين الإسرائيليين، طالما أنهم مستعـِمرون واننا مستعمَرون فإن العيش معاً على هذه الأرض مستحيل!
ينبني عليه أن هذا الجدار يعبر ضمنياً عن إرادة تسعى إلى تحويل مخيم اللاجئيين الفلسطينيين من حبس إسرائيلي الهوية إلى حبس لبناني الهوية، وبالتالي هو من وجهة نظري فضيحة وطنية، تتطلب الملاحقة قضائياً من أجل كشف الفاعلين ومحاسبتهم.
إن مخيم اللاجئيين الفلسطينيين هو الشاهد على طبيعة إسرائيل بما هي دولة استعمارية استيطانية عنصرية. فمن البديهي أن هذه الدولة تعمل على محو أثر جريمتها أو على إخفائها وطمرها تحت التراب. هل بعد كل ما جرى منذ سنوات 1970 شك في هذا؟ ماذا يقي من مخيمات اللاجئيين في لبنان وفي سورية؟ أتذكرون أنه كان حتى 1974 في مدينة النبطية هناك مخيم للاجئيين؟ أما سمعتم بمعسكر التجميع في انصار ؟ أما سمعتم بمعتقل الخيام ؟ لم يترك الإسرائيليون أثراً من آثار جرائمهم! انا لا أقول انهم لم يجدوا متعاونين معهم في سورية ولبنان وفي داخل المخيمات نفسها. أنا لا أقول أيضاً أنه ليس في المخيمات جماعات من الجهلاء والمضللين الذين يستخدمون قضية فلسطين مثلما أنهم يستخدمون الدين في أمور لا يعلمون مآلها.
وبالمقابل كيف نعلّل وجود حائط – جدار ـ سور حول مخيم اللاجئيين في عين الحلوة يشبه قليلاً أو كثيراً الجدار الذي بناه المستعمرون الإسرائيليون في الضفة الغربية؟ من البديهي أن صورة جدار عين الحلوة وصلت إلى المستعمرين ومعها الرسالة! التي تحتوي على اعتراف بأنهم كانوا على حق عندما بنوا هذا الحائط. المستعمرون الإستيطانيون الإسرائيليون على حق؟ المستعمَر يقلد المستعمِر!!
وبما اننا لم نسمع إي تبرير لبناء هذا الحائط من مرجع حكومي لبناني، يحق لنا أن نفترض أيضاً أن لا علاقة للحكومة اللبنانية بهذه المسألة، التي تثبت مرة أخرى أنها لا تقوم بواجباتها! وبالتالي لا جدوى من البحث والتحليل. إن المطلوب ببساطة هو إزالة ما بني من هذا الجدار لأنه بمثابة حجة سوف يستخدمها المستعمرون الإسرائيليون لمواصلة سياستهم القمعية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.
هذا من ناحية أما من ناحية ثانية، لا يستطيع عاقل أن يتصور أنه غاب عن ممثلي السلطة في رام الله وفي قطاع غزة، الضرر الكبير من بناء جدار في عين الحلوة في لبنان مشابه لجدار الفصل العنصري في الضفة.
أما على الصعيد اللبناني فأن بناء جدار حول مخيم للاجئيين الفلسطينيين في صيدا هو مؤشر على ضعف الحركة الوطنية اللبنانية، فمن البديهي أن مثل هذا الإجراء كان في سنوات 1970 مستحيلاً! سلام عليك يا معروف سعد!
لا منأى في الختام عن القول من أن الغاية من هذا الجدار ليست على الأرجح أمنية بمعنى أن الغرض منه ليس الحؤول دون دخول وخروح عناصر «الإرهاب الإسلامي» من المخيم، إذ لا يشكل جدار ارتفاعه أربعة أمتار عائقا كافياً لذلك.
ينبني عليه أنه ليس مستبعداً أن يكون الغرض من هذا الجدار استفزازياً أو دعائياً، تمهيداً لأعمال عسكرية لا تدخل في نطاق العمل الأمني. أعتقد أن الجدار بالإضافة إلى وجود مائة ألف لاجيء فلسطيني يسكنون في المخيم يجعلان من هذا الأخير موقعاً عسكرياً حصيناً!