نـُظُمُ الاستبداد ! يكاد أن يكون شعار «إسقاط الاستبداد» مشتركاً بين جميع الذين جاؤوا إلى سوريا من بلاد العرب، ومن بلاد المسلمين، ومن بلاد الفرنجة ..
أليس حرص الحكومة الفرنسية، الاشتراكية، على فرض احترام حقوق الإنسان في سوريا هو سبب تدخّلها في الأزمة السورية بحسب خطابها؟ تاريخ الولايات المتحدة الأميركية في دعم الديكتاتورية غني بأخبار الانقلابات والسجون والقتل .
ما هو الدافع الذي يجعل آل سعود يرعدون ويزبدون تحفّزاً للحرب على سوريا ؟
هل صار التسليم بمصداقية آل سعود في كفاح القمع وكمّ الأفواه من العبادات التي أفتى بوجوبها أئمّة الوهابية ؟
يصير الاستبداد نهجاً يسلكه الحاكم، عندما يكون هذا الأخير مكروهاً من الناس بسبب اتباعه سياسة فاسدة، فاشلة .
ويصير الاستبداد أيضاً ضرورة في مواجهة استبداد فئة قليلة من السكان «تثور» لحساب جهات خارجية، فتعتدي على الآخرين وتهدم منازلهم وتحرق زرعهم .
يلزم الاستبداد في جميع الأحوال التي يكون فيها الجهل والخيانة وسوء الأخلاق، في سدّة الحكم أو في عشوائيات المدينة أو في القرى النائية ! مهما يكن فإنّ الاستبداد مقامرة خاسرة دائماً، بما هو رهان على أوهام !
من المعروف أنّ النخبة أخلت في سبعينيات القرن الماضي الساحة الوطنية، لأنها أيقنت أنّ أساليب النضال ضدّ المستعمر وضدّ نُظُم الحكم التي تعتمد المراوغة وسيلة تبرّر غايتها في البقاء، هذه الأساليب ليست ناجعة . اغتنم الإسلاميون الفرصة ..
فزعموا أنّ الخالق سلّمهم مفاتيح الجنة، وارشدهم على الطريق إليها . السياسة تكون دينية أو لا تكون .
صار المفكّر والحاكم والقائد، رجل الدين، لا علم إلا به، لا قبله ولا بعده
! أنا لا أنكر طبعاً على رجل الدين حقه كمواطن، في إبداء رأيه في السياسة وفي المسائل الاجتماعية، كما أنكر هو حق المناضلين الوطنيين .
ولكنّي في حيرة من أمره عندما يدّعي لنفسه السلطة التي يدّعي لنفسه أحقية بسلطة مُستقاة من سلطة الخالق على عباده، وعلى غير عباده، فضلاً عن أنّ دهشتي تكاد أن تبلغ حدّ الذهول حيال رجل دين يدعو من إمارة قطر، حيث تجمّع علماء الدين و«مفكّري العرب» إلى «الثورة» في سوريا ضدّ الطغيان، وإلى تبرير القتل والتدمير بحجة أنّ السلطة في سوريا ليست بيد «المؤمنين»، وإنّما هي بيد سوريين «ليسوا مؤمنين» بحسب زعمه
! فأنا على يقين، بحكم التجربة، أنّ أسوأ أنواع السلطة هي سلطة رجال الدين، لا تضاهيها سلطة ظلماً وفساداً ومحسوبية وإجراماً .
ولا أعرف صراحة، حركة سياسية دينية لا ترجع في مواقفها وسياساتها إلى سلطة غاشمة، أو لم تنسّق سياساتها معها، أو لم تتعام عن أخطائها وجرائمها.
ما يهمّني في هذه المسألة، هو أنّ النخبة الوطنية العربية، بأكثرية مكوناتها، لاذت بالصمت بعد تجربتها الإصلاحية، والثورية أحياناً، الفاشلة .
استناداً إلى أنّ عوامل هذا الفشل لم تكن جميعها ذاتية، فلقد اتّحد ضدّ هذه النخبة الأعداء، والحلفاء أيضاً، الذين خافوا من أن يتحمّلوا مسؤولية تنامي وتصاعد النضال ضدّ الإمبريالية فيلقون العقاب
! .. عندما يـُفرض على الحركة الوطنية في آن واحد التصدي للعدو، والقتال ضدّ الحلفاء الطبيعيين، تتضاءل حظوظها في التقدّم وفي الوصول إلى الغاية المرجوة إلى درجة الصفر أو ما دونها . ظهرت هذه الخلاصة بوضوح في لبنان، في منتصف سبعينيات القرن الماضي .
اقتنع بها الجميع، إلا قلّة قليلة، يمّمت وجهها نحو الدول الخليجية، أغلب الظن، بقصد استرزاق وسائل الإعلام وورش النشاطات التحضيرية تمهيداً «للثورة» في سوريا .