ثلاثة مشاهد للتأمل…!
وليد عبد الحي
من اسوأ مشكلات التحليل السياسي هي مشكلة “ان الظواهر السياسية مراوغة ولعوب “، حيث يذوب الوعي واللاوعي وشوائب البيانات والمعطيات من تفكير رغائبي وآيديولوجيا في دورق واحد ناهيك عن تسلل المفاجأة بين الحين والآخر، فإذا كان ذلك هو الواقع في الدول المستقرة او الاقاليم المتمتعة بقدر من الاستقرار ، فكيف يكون الواقع في اقليمنا العربي الذي هو الأعلى عالميا في مقياس عدم الاستقرار والاعلى في الاستبداد السياسي والاعلى في درجة الاختراق الاجنبي ، كل ذلك يجعل الباحث السياسي اما هذاالواقع ” كحاطب ليل” كما قال العرب القدماء.
ضمن السياق المشار له اعلاه، اتوقف امام مشاهد ثلاثة محيرة ومربكة في المشهد الشرق اوسطي :
المشهد الاول: التلكؤ في حل العقدة التركية السورية:
رغم خطر النزعة الانفصالية لدى الاكراد في كل من تركيا وسوريا، ورغم الفوضى على حدود البلدين بفعل الموازييك السياسي للتنظيمات الحاضرة في منطقة الحدود بين البلدين، ورغم التاييد الامريكي والاسرائيلي لكل هذا وبشكل صريح ومعلن، ورغم قدر من العلاقة الودية بين البلدين مع كل من ايران وروسيا(رغم ان المسافة السياسية مع سوريا اقصر)، ورغم اعلان الطرفين عن التأييد التام لمواقف المقاومة الفلسطينية بخاصة في معركة الطوفان (رغم حرص تركيا على شعرة معاوية مع اسرائيل والناتو والاتحاد الاوروبي)..رغم كل ذلك فان ايقاع تطور مسار تسوية الامور بين البلدين لا يجاري ايقاع “الفوضى المنظمة” في كل من الشمال السوري والجنوب التركي، بل إن ايقاع حركة الدبلوماسية الروسية في هذا الاتجاه بدأ يعتريه بعض التثاؤب..لماذا؟
الاجابات عديدة، لكني اعتقد ان الرئيس أردوغان قادر –لا سيما مع قناعتي التامة بان استقلاليته في اتخاذ القرار عالية ومؤهلة للتقدم- على غذ الخطى في اتجاه هذا الكابوس الجاثم على الصدر السوري بكل تداعياته السياسية والاقتصادية والعسكرية، فما يجمع الطرفين كبير دون استهانة بما يفرقهما..فلماذا التثاقل والابطاء؟
المشهد الثاني: الوجود الأمريكي في جغرافيا محور المقاومة
لعل اي استعراض للوجود الامريكي في كل آسيا العربية يشير الى ان نقاط التماس بين قوات الولايات المتحدة من ناحية وترابط هذا الوجود مع شبكة الالتزامات المعلنة والمتوارية مع الناتو بخاصة بعد نقل اسرائيل الى تبعية القيادة الامريكية ذات التخصص في المشرق العربي من ناحية ثانية تُشكل كلها ظواهر تنطوي على مخاطر استراتيجية وبعيدة المدى على محور المقاومة، فهذا الوجود الامريكي الناتوي الاسرائيلي يطوق سوريا والعراق وحزب الله وايران وانصار الله ، ودون التخلص من هذا الوجود ،فان المنطقة لا تستطيع الخروج من مآزقها، واصبح هذا الوجود نقطة ذخر استراتيجي لاسرائيل توظفه في التفاوض حول طموحاتها في غزة، واعتقد ان اللبس الاكبر هو موقف الحكومة العراقية التي ما تزال اسيرة في بعض توجهاتها بالقواعد الناظمة للسياسة العراقية التي صاغها بريمر”المندوب السامي الامريكي في العراق بعد الغزو الامريكي )..ان حجة الاستعانة بالامريكي للتخلص من شظايا داعش حجة لم تعد صالحة لاقناع رضيع.
بُعد آخر ، لفت انتباهي ولا أراه مقنعا في السلوك العراقي، ان الرئيس الايراني مسعود بزشكيان قام بزيارة اقليم كردستان، وليس المثير في الامر الزيارة بحد ذاتها بل ما تم اعلانه عن مداولاته مع رئيس الاقليم نيجيرفان بارازاني، حيث كان التركيز حول ” تعزيز العلاقات بين الجانبين في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية” وهو ما يعطي الاقليم نكهة “الدولة المستقلة” التي لا يتسق مدلولها والنظم الفيدرالية، رغم ان فيدرالية العراق ليست الا تطبيقا لقانون الادارة “المؤقتة ” لعام 2003..فما هي الحكمة الايرانية وراء هذا التعزيز للمركز الدولي لكوردستان (بغض النظر عن الموقف الاخلاقي تجاه هذا الشعب)، فهل هذا نموذج تشجعه ايران رغم مخاطره عليها وعلى الجوار الكردي في غرب آسيا ، او انها تريد توسيع دائرة النفوذ داخل العراق؟أمر يحتاج لمزيد من التفكير والتأمل.
المشهد الثالث : رسالة السنوار للرئيس الجزائري
ليس امرا مستهجنا ارسال الرسائل للتهنئة لمن يفوز بالانتخابات الرئاسية في اي بلد من البلاد، لكن التوقف عند سلسلة رسائل السنوار الاخيرة بعد توليه رئاسة الحركة التي يقودها وتقود المقاومة في غزة، امر أثار انتباهي ، فالشكر لحزب الله او انصار الله او اي من فريق محور المقاومة أمر مفهوم، لكن أن يخص السنوار الرئيس الجزائري برسالة في وقت يعيش فيه ضمن ظروف تنوء بثقلها الرواسي يجعلني اتساءل دون ان أمتلك اية اجابة : هل الجزائر تقوم بدور استراتيجي ” من وراء حجاب”؟ فالموقف الحكومي الجزائري ومواقف كافة الاحزاب الجزائرية والتعاطف الشعبي الجزائري مع فلسطين لا يحتاج لشرح ، فهو معروف للجميع ، ولا يبدو لي ان الشكر مرتبط بالدور الجزائري في الامم المتحدة او في الاتحاد الافريقي او مع دول الاتحاد الاوروبي..نحن نعلم الموقف الجزائري القاطع بتاييد المقاومة ، لكن رسالة السنوار خلقت لدي فضولا سياسيا ومعرفيا ..ماذا وراء الرسالة ؟ هل وراء الاكمة ما وراءها؟ …ان موقف جنوب افريقيا او فنزويلا أو حتى اسبانيا مؤيد لفلسطين، لكن لم يتم ارسال رسائل شكر لها…فلماذا الجزائر خصها السنوار بذلك؟ اعرف ان تقاليد السرية في الدبلوماسية الجزائرية تمتد بجذورها الى مرحلة الثورة ومقتضيات السرية في عملها..هل الامر كذلك ؟ لا ادري لكن السنوار وتبون يدريان بالتأكيد ..فأنا لا أزكي بل اتساءل..فالايام حبلى..
2024-09-18