ثقافة الإصغاء !
د.صلاح حزام.
قبل ايام كنت اجلس برفقة زوجتي في احد المقاهي، وكان يجلس على الطاولة المجاورة خمسة رجال .
قالت لي زوجتي : اعتقد انهم عراقيون،
لانها كانت تسمعهم وهم يتكلمون واعتقدَت ان لهجتهم عراقية..
قلت لها فوراً: كلا انهم ليسوا عراقيين .
سألتني لماذا وكيف عرفت ذلك؟
قلت لها : ببساطة لانهم يصغون بأهتمام عندما يتحدث أحدهم وينتظرون انتهاءه من الكلام حتى يبدأ احدهم بالحديث،ويصغون له، وهكذا..
ثم ان المتحدث يتحدث بهدوء وبصوت منخفض لانه لايوجد من يقاطعه ويشوش عليه.
حصل بعدها بيننا حوار قصير فكاهي عن طبيعة مناقشات العراقيين بشكل عام.
العراقيون يتحدثون كلهم سويةً حتى لو كانوا خمسة او ستة.
احيانا تنقسم المجموعة الى فرق صغيرة تتكون كل منها من شخصين يتحدثان عن موضوع معين، فاذا كان العدد الاجمالي ستة اشخاص ستكون لدينا ثلاثة مجاميع تتحدث كلها سويةً وعن مواضيع مختلفة..
ذلك الأمر يدفع المتحدثين الى الحديث بصوت عالٍ لكي يُسمِعوا اصواتهم ويتغلبون على الخصوم المنافسين، فيتحول الحديث الى ضجةٍ لاتطاق!!
او انهم يستمرون بالحديث عن نفس الموضوع ولكن بأسلوب لامركزي ، حيث يتحدث الجميع مع الجميع !
اعتقد ان الحرمان من حق التحدّث والإفضاء والتعبير عن الرأي ، يدفع الشخص لاشعورياً الى كثرة الحديث ومحاولة الاستحواذ على مشهد النقاش!
انه نوع من الحرمان يشبه نهم الفقير الجائع عندما يتاح له الجلوس في مأدبة فرح او حزن ..
واعتقد ان العراقيين هم اكثر الشعوب العربية حرماناً من حق التعبير..
البعض لايُطيق الانتظار حتى يُكمِل الآخر كلامه ويعرض فكرته، لذلك فأنه يقاطعه بطريقة تقول: كفاك حديثاً لقد أطلتَ اكثر مما يجب !!
علماً ان الجلسة مفتوحة وهي جلسة اصدقاء ويمكن للكل الحديث.
في اللقاءات العائلية ، تتجمع النساء في زاوية والرجال في زاوية اخرى، ويبدأ الضجيج والصراخ وتتعددالمواضيع التي تتحدث بها كل مجموعة !!حتى ضمن كل مجموعة تتشتت المواضيع.
كيف يمكن للشخص ان يتعلم جيداً ويتكلّم جيداً ، مالم يكن مُصغياً جيداً؟
كيف يستطيع الشخص ان يوصل افكاره الى جمهور يقاطعه ولايُصغي له؟
هذه ظاهرة لاتقتصر على معظم العراقيين فقط، بل انها موجودة بدرجات أقل لدى بعض الشعوب العربية .
سايكولوجياً، اعتقد انها تعكس شعوراً لا ارادياً بعدم الايمان بجدوى النقاش والحوار وتبادل الافكار !!
النقاش الهاديء والاصغاء للآخر واحترام وجهة نظره ، هو نوع من التربية في البيت والمدرسة والنظام العام .
فاذا لم يتعود عليها الشخص في كل حياته ، لايمكن له الالتزام بها.
بعض المجتمعات، ونحن منها، تعودت على الإملاء والتلقين والكلام ذو الممر الواحد، فهي لاتُجيد فن النقاش الحضاري متعدد القنوات والممرات.
2021-08-27