تونس: مافيا ، مخابرات و أشياء أخرى !
بقلم أحمد الحباسى *
في تونس اليوم الجميع بمن فيهم من صعدوا للحكم على أكتاف ما يسمى نفاقا بالثورة يلعنون اليوم الذي فكروا فيه في إسقاط نظام الرئيس الراحل زين العابدين بن على . لا أحد اليوم يؤمن بأن ما حصل في جانفى 2011 هي علامات من علامات الثورات التي تجعل الشعوب تتوق للأفضل و تؤمن بأن القادم سيكون أحسن و الجميع هنا إلا قلة قليلة يؤمن شديد الإيمان بأن ما حصل هي لعبة مخابرات عربية غربية صهيونية و أن هناك من أراد التخلص من نظام الرئيس زين العابدين بن على في نطاق مشروع تفتيت الدول العربية الذي انطلق تنفيذه منذ سقوط نظام الرئيس العراقي صدام حسين . منذ بداية حركة التدافع الشعبي تحدث الكثيرون سواء من المتابعين أو من رجال الرأي و القلم على تواجد عناصر مندسة مشبوهة كشف الإعلام أن بعضها ينتمي إلى مجموعة ” فاحت ريحتكم ” المهتمة في الظاهر بالشؤون البيئية في لبنان و لكنها عناصر دربتها المخابرات الأمريكية للمساهمة في إشعال الثورات العربية و تحريك نارها و إذكاء جذوتها حتى تنتهي بإسقاط الحكام في الدول المعنية بالانتفاضات الموتورة و المدبرة .
لقد أثبتت صحيفة الثورة نيوز التونسية صلب مقالات عديدة ضلوع المخابرات القطرية و تمويلها للمتظاهرين و لبعض المجموعات السلفية العنيفة التي كانت تعتدي على مراكز الأمن و تغتال بعض رموز السلطة و تنشر الدعايات و الإشاعات المغرضة بهدف دفع المواطنين إلى ممارسة العنف لإسقاط النظام و قد تحدثت بعض وسائل الإعلام حينها عند وجود بعض القناصة الذين يستهدفون المتظاهرين و الذين جاء ذكرهم في تقرير لجنة تقصى الحقائق التي اشرف عليها المحامى توفيق بودربالة لكن تشاء الصدف أن يخرج رئيس الحكومة في تلك الفترة و الرئيس المنتخب سنة 2014 الراحل الباجى قائد السبسى لينفى وجود القناصة من أصله بكثير من عبارات السخرية و هو نفس الموقف السلبي الذي اتخذه في ملف اغتيال الشهيدين شكري بلعيد و محمد البراهمى حين ركن الملف في رفوف مكاتب القصر بعد أن وعد الناخبين بأنه سيكون من أولى اهتماماته الرئاسية . الظاهر أن قلم التحقيق العسكري قد سلطت عليه ضغوط كبيرة و مزعجة حتى لا يكشف المستور في علاقة بدور أجهزة المخابرات القطرية المتعاونة مع الموساد و وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية و كان أن ماتت كل الحقائق و الأسرار و التساؤلات في المهد .
منذ أيام فقط عاد الحديث بقوة عن دور الاستخبارات التونسية في علاقة بإيقاف قيادات مهمة من المافيا الايطالية على رأسها زعيمها المسمى سلفا تورى انجيلو بالتراب التونسي و الواقع ترحيله للتراب الايطالي منذ سنتين تقريبا . تتحدث التسريبات عن تسميم عنصرين كبيرين من المخابرات الايطالية في مدينة الحمامات التونسية اثر تناولهما لإحدى الوجبات لكن المثير هو أن العونان هما أحد العناصر التي تقوم بتتبع تواجد عناصر المافيا في تونس و ربما يكونان قد قدما للمخابرات التونسية معلومات مهمة قادت إلى إيقاف عراب المافيا سلفاتورى انجيلو الذي هو محل حكم بالسجن لمدة 25 سنة من أجل تهم بالفساد و الرشوة . في الحقيقة لا يشك أحد في أن تواجد عناصر من قيادات المافيا على التراب التونسي ليس معزولا عن سياق انتشار المخدرات بشكل لافت للنظر مثلما تؤكده أعداد القضايا المنشورة أمام المحاكم كما لا يشك أحد في أن المخابرات التونسية تتعاون في هذا السياق مع نظيرتها الايطالية لإيقاف بارونات المافيا الفارين إلى تونس لكن السؤال الملح يقول لماذا لا تتم إيقافات كبرى تشمل كبار تجار المخدرات التونسيين و هل أن البوليس التونسي قد وصلته تهديدات كبرى من المافيا الايطالية تجعله حذرا في معالجة هذا الملف الشائك ؟ .
لعل ما يثير الانتباه أن المافيا الايطالية قد باتت تركز على تونس و تسعى للتواجد بقوة و هو دليل على أن تصاعد وتيرة ضخ كميات كبيرة من المخدرات قد بات أمرا واقعا يدفع إلى التساؤل عن عدم وجود إرادة سياسية واضحة المعالم تخص معالجة هذا الملف من الجذور ، إرادة سياسية رئاسية مفقودة حتى في بعض الخطب العصماء للرئيس التونسي قيس سعيد خلال و قبل حملته الرئاسية في حين تكتفي حكوماته الشبح بتسجيل الحضور دون أي تدخل فاعل . من الواضح أن هناك علاقة وثيقة بين حركة الإخوان التي تمثلها حركة النهضة بقيادة الشيخ راشد الغنوشى المودع بالسجن و بين كبار تجار السلاح و المخدرات و الرقيق الأبيض و بيع الأعضاء كما أنه لم يعد هناك سر فيما أنتجته الأبحاث في مسألة اتهام الشيخ راشد الغنوشى بالتخابر مع أجهزة استخبارات غربية من بينها الاستخبارات الايطالية و بطبيعة الحال لن نذيع سرا حين نتحدث عن وجود حالة تشابك مصالح بين المافيا و أجهزة المخابرات الايطالية و عصابات الإخوان و كبار تجار المخدرات و التهريب و هي علاقات تفرضها الأحداث و يذكرها التاريخ في كثير من المراحل .
أين توجد المافيا توجد الأسرار المخفية و الكثيرون في تونس يتذكرون ملف النفايات ” الايطالية ” الخطيرة التي تم اكتشافها حين تفطن البعض إلى ورود أعداد كبرى من الحاويات حاملة أطنانا من النفايات الخطيرة لكن و رغم ما حدث من هرج و مرج إعلامي و صدور قرار بإرجاع هذه النفايات إلى مصدرها فقد تم التعتيم بقوة على خفايا الملف في علاقة بما ثبت من تواطأ كثير من المسئولين الكبار و على مختلف الرتب و الإدارات و إمكانية وجود كميات أخرى من النفايات الأخرى لم يتم الكشف عنها بفعل فاعل لحد الآن مثلما أشار إليه النائب السابق مجدي الكرباعى في احد تدويناته المثيرة التي ترتب عنها جدل إعلامي كبير في تونس . لا يخفى البعض انزعاجهم الشديد من بعض التسريبات التي تتحدث عن تسرب بعض قيادات المافيا داخل الجالية الايطالية المقيمة بتونس و إذا سلمنا بإمكانية وجود علاقة مصالح مريبة بين المافيا و المخابرات أايطالية و بعض السياسيين في تونس المحسوبين على حركة النهضة فانه من الوجيه أن نتساءل عن دور المخابرات التونسية في كشف الحقائق للتونسيين اللهم إلا إذا كان لرئيسة الحكومة الايطالية جورجيا ميلونى صديقة الرئيس قيس سعيد وسائل ضغط و إقناع تمنع كشف الحقيقة .
كاتب و ناشط سياسي
2024-10-08