تونس: في ذكرى الإنتفاضة
الطاهر المعز
في بداية الإنتفاضة (ولاية سيدي بوزيد 17/12/2010) كانت محلات الإتحاد العام التونسي للشغل ملاذًا لِلِقَاء الشباب والنقابيين ولتبادل الأخبار ومناقشة الوضع، بدعم من بعض الكوادر النقابية الدّنيا والوسيطة، لكن قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل في تونس لم تُحَرِّكْ ساكنًا قبل يوم 27/12/2010، حيث اكتفت بتكليف أحد أعضاء المكتب التنفيذي بالكلام من شرفة مقر القيادة بساحة “محمد علي” (مُؤَسِّس أول نقابة للعمال التونسيين سنة 1924 في ظل الإستعمار الفرنسي)… مَثَّلَتْ قيادة الإتحاد في معظم مراحل وجوده قُوّة حليفة للنظام، مع بعض الإستثناءات، وتحت ضغط القواعد النقابية العريضة والقيادات الوسطى (في القطاعات وفي الجِهات)، وتَتَشَكِّلُ القيادة الحالية، في أغلبيتها، من انتهازيين لا هم لهم سوى الإستفادة من المزايا المادّية العديدة التي يُوَفِّرُها “المنصب”، وكانت القيادة السابقة المحسوبة في أغلبيتها على “اليسار” (قبل الإنتخابات) قد ساهمت (إلى جانب نقابة أرباب العمل ومنظمة حقوق الإنسان) في تقاسم الإخوان المسلمين والدّساترة مراكز النّفُوذ وتنصيبهم على رأس الدولة ومختلف دواليب الحكم، تحت يافطة “الوفاق الوطني”، التي تتعارض مع مصالح الشغالين، وحازت أذراف “الحوار الوطني” وفي طليعتها الإتحاد العام التونسي للشغل، بجائزة “نوبل” المشبوهة، ما زاد من التباعد بين قيادات النقابة وقواعدها وقيادات الجهات (المُحافظات) والقطاعات، وعادت قيادة الإتحاد إلى ممارسة سياسات القمع الدّاخلي المُكَمِّلَة للقمع الخارجي، ونورد مثال تنديد قيادة الإتحاد بإضراب النقابات الأساسية (القاعدية) بوزارة المالية احتجاجًا على عدم تطبيق الوزارة (أي الدّولة) اتفاقات سابقة، ونفذ قطاع المالية إضرابا عن العمل بيومين في شباط/فبراير وإضرابًا آخر بثلاثة أيام في نيسان/أبريل 2017، من أجل إصدار القانون الأساسي الخاص بموظفي الضرائب والاستخلاص، ودَعت النقابات إلى إضراب ثالث لفترة خمسة أيام، فأصدر المكتب التنفيذي للإتحاد العام التونسي للشغل بينًا يُنَدِّدُ بالإضراب (شبيه ببيانات الدّعاية الحكومية) يوم الإثنين 11/12/2017 مع قرار بتجميد عضوِيّة 12 مسؤولا نقابيا “بسبب تنفيذ إضراب عن العمل” عارضته القيادة، ما أعاد للأذهان حملات الفصل من العمل النقابي وتجريد المسؤولين المُنْتَخَبِين من مسؤولياتهم النقابية بقرار “إداري” (بدل إعادة إجراء انتخابات إن ثبتت المخالفات) وأصدرت قيادة الإتحاد بيانات تتطابق عباراتها مع بيانات الحكومة، من تعديد “المكاسب” الوهْمِيّة “والتعاون بين قيادة النقابة ولجنة المالية بمجلس النواب ووزارة المالية” (لتحقيق الوفاق الطبقي؟)، وادّعت قيادة الإتحاد “عدم وجود مشكلات تعترض موظفي قطاع المالية”، ولكن، ورغم هذه التهديدات من الحكومة والقيادة والنقابية، نفذ الموظفون الإضراب وتعطل العمل بدوائر وزارة المالية بعدد من جهات البلاد، ومنها المكاتب المركزية والمحلية لِجَمْع ومراقبة الضرائب، إضافة إلى المحاسبة العمومية، من أجل “تطبيق اتفاقيات موقعة بين النقابة والحكومة في وقت سابق”… تكمن خطورة مثل هذا القرارات التي تتخذها البيروقراطية النقابية (المُتَبَرْجِزَة) في الظرف الذي يتميز بارتفاع الأسعار وانخفاض القيمة الحقيقية للرواتب وارتفاع نِسَبِ البطالة والفَقْر، ما أعاد “الإحتقان الإجتماعي” إلى صدارة الأَحْداث والظُّهور بعدة أشكال، منها موجات الإحتجاج التي لم تنقطع في عدة مناطق تونسية، ويَخْشى الإئتلاف الحاكم (وقيادة النقابة جُزْءٌ منه) اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل مناطق أخرى من البلاد، ما قد يُؤَدِّي إلى انفجار، في الذّكرى السنوية لانتفاضة 2010-2011، بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية، واندلعت مساء الأربعاء 13/12/2017 احتجاجات في منطقة الكرم الغربي الفقيرة، بالضاحية الشمالية للعاصمة، وأدّت إلى مواجهات مع قوات الأمن التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع لتفريق المحتجين، وخلال نفس الأسبوع شهدت مدينة “المكناسي” من محافظة سيدي بوزيد مواجهات بين قوات الأمن ومتظاهرين احتجوا على تردي أوضاعهم المعيشية وطالبوا بالتنمية وإنهاء التهميش لمنطقتهم، وتزامنت مع احتجاجات أخرى في مدينة “بوعرادة” من محافظة سليانة، بعد انتحار شاب أصيل المنطقة داخل مقر الحرس الوطني (الدرك) ببلدة مجاورة، وفي “سجنان” من محافظة “بنزرت” توفيت امرأة إثر تعمدها إحراق نفسها بعد قطع المساعدة الإجتماعية التي كانت مخصصة لزوجها المريض، ما أدى إلى تنظيم مظاهرات (عفوية) ومواجهات مع الشرطة، للمطالبة بالتنمية والتشغيل، وشهدت المدينة إضرابين عامين دعا إلى تنفيذهما الإتحاد المحلي التابع للإتحاد العام التونسي للشغل، وتحاول قيادة الإتحاد العام التونسي للشغل -باسم المصلحة العامة أو العُلْيا- والحكومة تنفيذ عمليا “قَمْع وِقائِي” خوفًا ارتفاع وتيرة الاحتجاجات نتيجة تردي الأوضاع المعيشية وغياب برامج التنمية تحت حكم الإخوان والدساترة الذي زاد من تبعية البلاد تجاه القوى الإمبريالية (أوروبا عبر علاقات الشراكة وأمريكا عبر القواعد العسكرية) وتجاه صندوق النقد الدولي الذي يُمْلِي على الحكومة أبواب الميزانية والقرارات الواجب اتخاذها، وهي السياسة التي انتهجها النظام السابق والتي أدت إلى استبعاد بعض رُموزِهِ، مع بقاء النظام نفسه، ويُعَوِّلُ الإئتلاف الطبقي الحاكم على كَلَلِ الشعب من المواجهات وعدم قدرة الفُقَراء على الدخول في صراعات أو مواجهات واسعة مع السلطة، خصوصًا في غياب تنظيمات ثورية وقيادات قادرة على تنسيق الإحتجاجات المحلية (شمال ووسط البلاد) لكي تصبح احتجاجات وطنية، وعلى توجيه بَوْصَلَة النضالات ضد النظام وطبقة البرجوازية الكمبرادورية التي تُمَثِّلُ مصالح الإمبريالية والشركات متعددة الجنسية، وعلى اقتراح بديل قادر على مجابهة الحصار الداخلي والخارجي، على مستوى الإعلام والإقتصاد والتجارة وغيرها… نُشِرَت المعلومات الواردة في بعض الصحف الصادرة خلال الأسبوع من 11 إلى 15/12/2017 .
عن نشرة كنعان