تقلبات الذهب والدولار وانعكاساتها على الاقتصاد العراقي في ظل الاضطراب العالمي!
بقلم: البرفيسور وليد الحيالي
شهد الاقتصاد العراقي خلال الفترة الزمنية المنصرمة تأثرًا واضحًا بالتقلبات الحادة في أسعار الذهب والدولار الأمريكي، وهي تقلبات لم تكن بمعزل عن السياق الدولي العام، لكنها اكتسبت في الحالة العراقية أبعادًا أكثر حساسية، نظرًا لطبيعة الاقتصاد الريعي، واعتماده شبه الكلي على الدولار في التجارة الخارجية، والإنفاق العام، والاحتياطيات النقدية.
يحتل الدولار الأمريكي موقعًا محوريًا في الاقتصاد العراقي، ليس فقط بوصفه عملة تسعير للنفط، بل كأداة رئيسة في تمويل الاستيرادات وتغطية احتياجات السوق المحلية. لذلك فإن أي ارتفاع أو انخفاض في قيمة الدولار عالميًا، أو أي تشدد في السياسة النقدية الأمريكية، ينعكس بصورة مباشرة على السوق العراقية. وقد أدى تذبذب سعر الدولار إلى اضطراب في أسعار السلع المستوردة، وأسهم في زيادة معدلات التضخم، ما أضعف القوة الشرائية للمواطن، ولا سيما أصحاب الدخول المحدودة.
وتتضاعف حساسية العراق تجاه هذه التقلبات بسبب آلية إدارة النقد الأجنبي، وطبيعة ارتباط الدينار العراقي بالدولار. فكل تغيير في تدفقات الدولار، سواء عبر عائدات النفط أو عبر القيود المفروضة على التحويلات الخارجية، يؤدي إلى اختلالات في السوق المحلية، ويفتح المجال للمضاربات وازدهار السوق الموازية، وهو ما شهدته البلاد خلال الفترات الأخيرة بوضوح.
أما الذهب، فقد اتجه إليه المواطن العراقي بوصفه ملاذًا آمنًا في ظل تراجع الثقة بالعملة المحلية، وعدم استقرار سعر الصرف. وقد شهدت أسواق الذهب في العراق ارتفاعات متتالية في الأسعار، لم تكن دائمًا انعكاسًا لزيادة الطلب المحلي فقط، بل نتيجة مباشرة لارتفاع أسعاره عالميًا، ولتقلبات سعر الدولار محليًا. وهكذا أصبح الذهب أداة ادخار شعبية، لا سيما في أوساط الطبقة الوسطى، تحوّطًا من تآكل القيمة الحقيقية للمدخرات النقدية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل العامل النفسي عن السلوك الاقتصادي في العراق. فحالات عدم اليقين السياسي، وتأخر الإصلاحات الاقتصادية، وضعف الثقة بالسياسات النقدية والمالية، تدفع الأفراد والتجار إلى ردود فعل سريعة، غالبًا ما تكون غير عقلانية اقتصاديًا، لكنها مفهومة اجتماعيًا. هذه السلوكيات تسهم في تضخيم التقلبات، سواء في سوق الصرف أو في سوق الذهب.
وتبرز هنا إشكالية بنيوية تتمثل في ضعف التنويع الاقتصادي، وغياب أدوات التحوط المالية المتطورة، ما يجعل الاقتصاد العراقي مكشوفًا أمام الصدمات الخارجية. فالعراق، بوصفه اقتصادًا يعتمد على مورد واحد، يجد نفسه متأثرًا مباشرة بأي اضطراب في الأسواق العالمية، من دون امتلاك هوامش كافية للمناورة.
وخلاصة القول، إن تقلبات الذهب والدولار تمثل بالنسبة للعراق أكثر من مجرد ظاهرة مالية عابرة؛ إنها مؤشر على هشاشة البنية الاقتصادية، وعلى الحاجة الملحّة إلى إصلاحات هيكلية تشمل تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الثقة بالسياسة النقدية، وتطوير النظام المصرفي، بما يقلل من ارتهان الاقتصاد الوطني لتقلبات الخارج. وفي غياب مثل هذه الإصلاحات، سيبقى المواطن العراقي هو الطرف الأكثر تأثرًا بأي اهتزاز في أسعار الذهب والدولار، مهما كان مصدره عالميًا.
2026-02-05