د. اعلية علاني – الانتخابات الفرنسية تطرح تساؤلات عديدة نطرحها في ثمانية ملاحظات: – الملاحظة الأولى: هل هي بداية لمرحلة جديدة فرنسيا وأوروبيا؟وكنُتُ قلتُ سابقا أنّ تيار اليمين المتطرف سيكتسح أوروبا وهذا قبل الحرب الأكرانية الروسية. واليوم أصبحتْ أمرًا متأكدا. – الملاحظة الثانية: أنّ انتخابات فرنسا أظهرت نهاية الأحزاب الكلاسيكية (الحزب الاشتراكي، الحزب الجمهوري الخ). بدليل أنّ نسبة الغياب عن التصويت كانت مرتفعة. ونسبة التصويت لهذه الأحزاب الكبرى كانت متدنّية. – الملاحظة الثالثة: أن الناخبين الشبان بين 18 و 30 سنة ( والذين يمثلون جيل القيادة مستقبلا ) قد غاب 70 بالمائة منهم عن التصويت. ما يعني أنّ الحكومات غير قادرة على استشراف المستقبل أو على تقديم مقاربات اقتصاديةأكثر نجاعة في تقليص البطالة وفي توفير الخدمات. – الملاحظة الرابعة: أنّ التصويت لليمين المتطرف واليسار المتطرف هو تصويت عقوبة، وفي نفس الوقت تصويت مؤقت على مَنْ يكون الأقدر على تحسين مستوى عيش المواطنين ( لأنّ الأحزاب الفرنسية الكبرى كانت تعطي وعودا دون تدقيق في إنجازها فتمّتْ معاقبتها، واليوم نجد اليمين المتطرف واليسار المتطرف يضعون أصابعهم على الجرح أي على أسباب معاناة الطبقة الوسطى والفقيرة والتي بدأت تزداد متاعبُها. فهل أراد الناخب الفرنسي أنْ يُجَرّبهم هذه المرة مثلما جَرَّبَ في السابق تلك الأحزاب الكبرى أم أنه مجرد إنذار لتلك الأحزاب الكبرى لإعادة النظر في برامجها وطرق عملها. عِلْما وأنّ برامج أقصى اليمين وأقصى اليسار ليست بالضرورة قابلة للإنجاز واقعيا، وتُعْتَبَرُ لدى بعض الباحثين والمحللين متأثرة بموجة الشعبوية التي تكتسح العالم. وهنا نطرح تساؤلا هل أنّ الديمقراطية المُقامة على المواصفات الغَرْبية التقليدية ستشهد مستقبلا تغييرا هامّا في مقارباتها وأشكالها التنظيمية؟ أم أن الديمقراطية الغربيّة ستُصبح ديمقراطية خصوصية على مقاس كل بلد وهو ما بدأنا نراه في دولة المجر؟ وهناك تساؤل آخر هل ستُؤثر هذه التغييرات مستقبلا على وحدة الاتحاد الأوروبي والمعايير المطلوبة للانخراط فيه؟ – الملاحظة الخامسة: نتساءل هل أنّ المنظومة الديمقراطية التمثيلية قد دخلت في أوروبا مرحلة الأزمة الهيكلية أم الظرفية؟ – الملاحظة السادسة: هل أنّ النموذج الغَرْبي الكلاسيكي المُتَّبَع في الحملات الانتخابية القائم على تنظيم الاجتماعات الكبرى هو المحدد في الحصول على نتائج إيجابية أم لا؟ عِلْمًا وأنّ الثورة الرقمية أصبحت تتحكم في نتائج الانتخابات أكثر مما يُحْدثُهُ تنظيم الاجتماعات الكبرى (مثال ذلك، ما تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي من دعاية لهذا الطرف أو ذاك عَبْرَ صفحاتها، بالإضافة إلى الجدل الذي أُثيرَ حول تدخّل روسيا سِبْرَانِيّا في الانتخابات الأمريكية). – الملاحظة السادسة: أنّ فرنسا وأوروبا مُقْبلة على أزمة اقتصادية حادة نتيجة الحرب الروسية الأكرانية. وربما يصبح الاتحاد الأوروبي لاحقا مهددا بالتفكك تدريجيا أو بالرجوع إلى فكرة الدولة القومية Etat Nation مع الإبْقاء على هيكل رمزي للاتحاد الأوروبي. الملاحظة السابعة: نلاحظ أن الرئيس- الفرنسي ماكرون في خطابه البارحة 22 جوان 2022 قد رفض مقترح حكومة الوحدة الوطنية في فرنسا لأنها لا تخدم في رأيه، المرحلةَ الحالية وسَتُعطّل، بحكم الاختلاف الايديولوجي العميق لمثل هذا النوع من الحكومات، الاستقرارَ الحكومي وتضرّ بأدائها واكتفى بالمطالبة بحكومة أغلبية تكون متناغِمةًلتنفيذ برنامجها. وفي صورة تعذّر الوصول إليها فأمام الرئيس ماكرون خياران إمّا تشكيل حكومة من خارج الأحزاب تحصل على الأغلبية البسيطة باتفاق بين بعض الأحزاب أو يتمّ حلّ البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية سابقة لأوانها. وفي هذا السيناريو الأخير خطرٌ على بعض الأحزاب من عدم التمكن من الحصول على مثل نتائجها الحالية. ونقصد بذلك بالخصوص أقصى اليمين وأقصى اليسار. – الملاحظة الثامنة والأخيرة: أنّ عمليات الناتو سَتُصبح مُكْلفَة لأنّ إطالة أمد الحرب الروسية الأكرانية ستُعمّق أزمة الطاقة وأزمة الغذاء والأزمة الاقتصادية عموما وقد صرَّحَ مؤخرا نائب المستشار الألماني أنّ موقف الولايات المتحدة الأمريكية الحالي في الحرب الروسية الأكرانية، يتمثل في أنّ أمريكا وكأنها تشنّ حربا اقتصادية على أوروبا. ونشير أيضا أنّ وجود ملايين من اللاجئين الأكرانيين في أوروبا سيؤدي تدريجيا إلى التضييق على المهاجرين الآخرين من الأفارقة وغيرهم، مما سيتسبّبُ في أزمات وصراعات اجتماعية، إضافة لمخاطر عودة بعض العمليات الإرهابية. وإذا أضفنا لذلك سيناريو إمكانية إلحاق تايوان بالصين الشعبية التي يمكن أنْ تَحْدُث مستقبلا فإنّ أوروبا ستحسب ألف حساب لأيّ مواجهة في المستقبل مع الصين وروسيا. وأعتقد أنه إذا تَمّ إلحاق تايوان بالصين فإنّ ذلك يعني أنّ النظام العالمي الجديد بَدأ في التبلور فعليا. أما على المستوى العربي فإنّ الدول العربية وبالخصوص مصر ودول الخليج وخاصة السعودية والإمارات بدأت منذ فترة قصيرة في العمل على تنويع حلفائها وعقْلَنَة استراتيجياتها والاتجاه أكثر نحو الدول التي تحقق مصالحها. وربما نشهد قريبا تكتّلا عربيا قويا يقطع مع السياسات السابقة سنتحدث عنه لاحقا. أما أوروبا فستبقى كتلة فاعلة لكنها لن تكون مهيمنة كما كانت قبل وبعد الحرب العالمية الثانية. أما أمريكا فما زال لديها قوة اقتصادية هامة خاصة في المجال الرقمي والذكاء الاصطناعي وستسعى إلى التقليل من الحروب والتدخلات العسكرية التي استنزفتْ منها ترليونات كثيرة من الدولارات. وبالتالي سَتُصبح أمريكا رقما هاما في النظام العالمي الجديد بفضل تطوير اقتصادها الرقمي والتكنولوجيا الرقمية ولن تكون الرقم الأوحد. بل ستكون ضمن قطب جديد ثلاثي أو خُماسي الأضلاع. مع خالص التحية. . متخصص في القضايا الاستراتيجية. جامعة منوبة تونس*