تعريف القطيع ومعنى اللكوشة!
اضحوي جفال محمد*
يلومني بعض الأصدقاء على استعمالي لفظة (القطيع) باعتبارها إساءة غير جائزة في أدب الحوار. ومنهم من يظن اني اقصد بها كل مَن يخالفني الرأي. والحقيقة انها وصف محدد لفئة غريبة من نوعها لا تملك عنواناََ يجمعها ويميزها عن غيرها.. فإما أن أشرحها كلما ورد ذكرها أو ان اختصرها بمصطلح واحد وتلك هي وظيفة المصطلحات، تختصر الكلام الكثير بكلمة.
وقبل أن احدد الناس المشمولين بهذه اللفظة نحتاج ان نعرّف اللفظة ذاتها ثم نسقطها على الاشخاص المطابقين لمعناها. فالقطيع هو مجموعة البهائم التي تتبع كائناً محدداً سواءً سار إلى اليمين أو إلى الشمال او عاد إلى الوراء، فلا دور لعقلها في الموضوع.
وحسب هذا التعريف لا يدخل في الوصف أصحاب المبادىء والمواقف الثابتة حتى لو اختلفنا معهم او حاربناهم. فالارهابي على سبيل المثال ليس جزءاً من القطيع ما دام ثابتاََ على رأيه، لكنه يدخل الحظيرة إذا غيّر رأيه تبعاً لتغيّر رأي قائده. فالذي أُعجب بالجولاني يوم كان الجولاني يُكفّر حكام الخليج ويعلن الجهاد على الأمريكان ويأخذ على الاسد عدم تطبيقه الشريعة، مثل هذا الشخص ليس من القطيع في شيء، فهو حر في اتخاذ الموقف الذي يريد.. غير انه يقترب من باب القطيع عندما يضع الجولاني يده بأيدي حكام الخليج ويحتفل برضا الامريكان عنه ويقيم علاقة أمنية مع الصهاينة، فإذا رأيت ذلك الشخص يبدي ذات الاعجاب بالجولاني ويطبل له كما كان يفعل من قبل إعلم أنه عضو مؤسس في هيأة القطيع.
أن يكره ايران او يميل اليها لا يكفي سبباً لنعته بالقطيع، وليس ملزماً بتفسير موقفه، إلا ان الناس بالفطرة تواقون لإعلان مواقفهم والدفاع عنها. فإذا قال انه كاره لايران لأنها أساءت للعرب وتدخلت في شؤونهم وتسببت بدمار بلدانهم، عند هذا الحد لا يكون ملوماً، شريطة ان يعبر بذلك عن مبدأ واضح.. فإذا قلنا له ان امريكا ايضاً غزت بلادنا واحتلتها وتركتها مشاعاََ يعبث به الإيرانيون وغيرهم، واذا قلنا له ان الجزء الأكبر من دماء العراقيين سفكه الأرهاب المدعوم من الخليج.. نقول ذلك لا لنؤكد حقائق التاريخ المؤكدة وانما لنجري فحص انتمائه للقطيع. فاذا لم يحاول التعامل مع الاحداث بانتقائية يكون قد برىء من تهمة القطيع براءة الذئب من دم يوسف، أما إذا قال ان الارهاب من صنع ايران فاعلم انه يتهيأ لاكتساب الصفة القطيعية، فاترك النقاش قليلاً لغرض الاستغفال ثم اكتب مقالاً ضد الارهاب وانتظر تعليقه عليه، إذا تقبّل النقد على الارهاب يكون بريئاً من صفة القطيع لعدم كفاية الادلة، واذا دخل الحلبة دفاعاً عن الارهاب، ولو بالطريقة الملتوية إياها، فتأكد بأنه قطيعي من الدرجة الممتازة. فهم ينسون انفسهم بسرعة ويقعون في سلة التناقضات، والا كيف يدافع عن الارهاب بعدما ذكر انه من صنع ايران.
خذ شخصاً لا يخفي اعجابه بملوك السعودية، وحين تسأله عن سر الاعجاب يقول لأنهم يحفظون الدين ويجلّون العلماء ويتشددون فيما يتعلق باحتشام المرأة. حتى الان هو خارج دائرة القطيع ويحق له ولغيره تبجيل تلك السياسة. لكن دعنا نفترض ان ملوك السعودية ذاتهم القوا كبار رجال الدين في السجون دون سبب او تهمة محددة، ودون محاكمة، وحلوا هيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأقاموا مكانها هيأة الترفيه لتتولى اقامة حفلات رقص مختلطة وماجنة، فبحثت عن ذلك الشخص المعجب لتواسيه على هذا المصاب واذا به نشواناََ يثني على الملوك كما كان يثني عليهم من قبل او اكثر! طبعاً يأخذك العجب وتتأكد بأنك أمام انسان لا يتبنى موقفاً بل يعبد صنماً.
المثير للاستغراب ليس وجود فئة شاذة بهذا الشكل، ففي كل مجتمع يوجد شاذون عن جادة الصواب، المثير للاستغراب كثرة العدد حتى ليخيل اليك ان اغلب الناس هكذا!. أما الأغرب من فرد القطيع فهو اللكوشة. اللكوشة وجمعها (لكايش) تعني لغةً الطلي الذي ماتت امه وصار الراعي يرضعه على رغوث اخرى. أما اصطلاحاً فتعني الناس الذين سأحدثكم عنهم الان:
اثناء معركة تحرير الموصل لجأنا إلى قرية عربية في سهل نينوى بانتظار ان تتحرر قرانا.. كانت القرية شبه مقفرة من اهلها، وعلمنا من الذين لبثوا فيها أن اغلب السكان انخرطوا في داعش وهربوا عندما اقتربت القوات المحررة. قيل لنا ان عدد الإرهابيين من اهل القرية 150. ربما الرقم طبيعي في بعض المناطق، لكنه بالنسبة لنا نحن البدو كان صادماََ، لأن قبيلتنا بأكملها من ربيعة على الحدود السورية إلى البيجي في صلاح الدين لم ترفد داعش بمثل هذا العدد الذي تبرعت به قرية واحدة من قبائل اخرى. كان الأمر مدعاة لأن يخالج الشمامرة شعور الناجي من موت محقق. فأن يستبيح الارهاب ديارك بكل سطوته وجبروته ثم تخرج طاهراً من دنسه لهي حالة إعجازية لا بد ان يبني عليها الانسان مساراََ سليماََ. والحقيقة انهم شعروا بالاغتباط ردحاً من الزمن وخالجهم احساس بالتفوق والزهو، لكن بعضهم (أؤكد على كلمة بعضهم، فلا يرميني أحد بأني أعمم) ولأسباب لا يتسع لها المقال بدأوا شيئاً فشيئاً يتعرضون للكآبة لأنهم ليسوا كالآخرين. وانقلب شعورهم بالتفوق إلى شعور بالنقص. وما عادوا ينظرون إلى ماضيهم القريب بافتخار وانما بقدر من الهوان. فراحوا يكفّرون عن سيئاتهم بالدفاع عن الارهاب عبر النقاشات وفي المجالس.
أحد أقاربي كان يحلم ملء جوانحه بأن يقتني حاصدة ويصحبها مرتدياً البرجسون الملطخ بالزيوت، تلك جنته المرتجاة. كان ايام الحصاد ينظر بحسرة الى مصلحي الحاصدات في الحقول بملابسهم الملطخة بالزيوت والعرق. وشاءت الأقدار أن يشتري حاصدة، واشترى على الفور تلك البدلة الخاصة بطاقمها (البرجسون). فارتداها وسار مع الحاصدة، لكنه لم يشعر بالرضى، لأن البدلة وهي جديدة لا تعطي انطباعاً بمهنة صاحبها. ولم يكن مستعداً للانتظار حتى تتسخ البدلة تلقائياً من جراء العمل، فلطّخها عامداََ بالگاز اويل وزيت محركات تالف وأتربة ثم تبسم من فوقها بحبور. وهذا ما فعله كثيرون من أصحابنا الذين فاتهم قطار داعش وهم غافلون فلم يترك عليهم اثراً من قذاراته، ولم يكونوا مستعدين لانتظار عودته بعد عشرين او ثلاثين عاماً لأنها عودة غير مضمونة وربما يموتون قبلها فلا يدركون هذا الشرف. وهكذا غزوا وسائل التواصل مدافعين عن الارهاب بقدر ما تسمح الظروف. وتعلموا بالمراس أن يفرقوا فصائل الارهاب عن بعضها ليبردوا قلوبهم بتمجيد بعضها إلى ان يصبح ممكناً تمجيد البعض الآخر. وهم بذلك مثل ذلك الرجل الذي هاجت غريزته الجنسية ولم يكن عنده في الهور سوى خنزيرة، فقرر أن يفرغ فيها شحناته المحتقنة. وخلال العملية كان يزيح ذيلها عن طريقه بالعصا كي لا ينجس يده بملمسها. كذلك ربعنا الذين يعزلون لحم القاعدة عن ظفرها في تعسف ممجوج كي يستطيعوا القول: هذا ارهابي وذاك غير ارهابي. ولأنهم حمقى تسرعوا وبالغوا في مدح النصرة ومحاولة تنقيتها من وصمة الارهاب، واذا بمفتي الجولاني يباغتهم بالقول ان النصرة تكفيرية وان الشرع خرج منها. فأصبحوا في دوامة اللكوشة الذي يدور خلف الراعي، وكلما أمسك الراعي بنعجة هرع هو إلى ضرعها، حتى لو امسك الراعي كبشاََ ليخرج شوكة من ظلفه تجد اللكوشة تحته يرضع خصيتيه.
اما المصطلح الثالث الذي اود الاشارة اليه فهو (اللقافة) ولم أضعه ضمن مفردات العنوان لأن دوره إجرائي ولا يتعلق بصلب الموضوع. نشير اليه الان بقصد التحذير من (اللقافة). فالملقوف هو الذي يتعرض لكل شاردة وواردة، والنتيجة انه يورط نفسه واحياناً يورط غيره في مشاكل. فأنصح اصدقاء الصفحة ممن توجد تحت أباطهم معزى نائمة ان لا يوقظوها، فيكونوا ملقوفين ويدخلوا بالخطأ مع القطيع او اللكايش. فاحمد الله ان مواصفاتها أعلاه لا تنطبق عليك وهلهل على السلامة.
( اضحوي _ 2448 )
2026-09-24