تصدّع في “الناتو”:
جنوب أوروبا لا يدعم العدوان على إيران
دخلت العلاقات الأطلسية منعطفاً حرجاً إثر قرار إسبانيا وإيطاليا إغلاق الأجواء والقواعد العسكرية أمام العمليات الأمريكية ضد إيران، ما أثار غضب واشنطن وكرس انقساماً أوروبياً يهدد وحدة “الناتو” ومستقبله
سعيد محمد*
دخلت العلاقات الأطلسية في نفق مظلم بعدما اتخذت كل من إسبانيا وإيطاليا قرارات سيادية غير مسبوقة بهدف النأي بنفسيهما عن العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. هذه القرارات، التي شملت إغلاق الأجواء ومنع استخدام القواعد العسكرية المشتركة، أطلقت موجة غضب عارمة في واشنطن، وتهدد بانقسامات عميقة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لم تشهدها القارة منذ غزو العراق في عام 2003.
وكانت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبلز، قد أعلنت في تصريح رسمي لها أن إسبانيا اتخذت قراراً نهائياً بإغلاق أجوائها أمام كافة الطائرات الأمريكية المنخرطة في الهجمات على إيران. وأكدت روبلز أن “موقف إسبانيا كان واضحاً للحكومة الأمريكية منذ البداية”، مشيرة إلى أن مدريد لن تسمح باستخدام قاعدتي “مورون” و”روتا” لأي أعمال تتعلق بهذا النزاع.
من جانبه، قدم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز شرحاً مفصلاً أمام برلمان بلاده حول أبعاد هذا القرار. وأوضح سانشيز أن الحكومة رفضت جميع خطط الطيران التي قدمتها الولايات المتحدة والتي تتضمن مهام قتالية أو لوجستية مرتبطة بـالعملية العسكريّة ضد إيران. ويشمل هذا الحظر منع طائرات التزويد بالوقود (KC-135) من الإقلاع من القواعد الإسبانية لدعم القاذفات في الجو، وإغلاق المجال الجوي أمام عبور الطائرات الأمريكية المنطلقة من قواعد دول أخرى، مثل بريطانيا. كما ورُفض طلب واشنطن بنشر القاذفات الاستراتيجية الثقيلة (B-52) و(B-1B) في قاعدة مورون الجوية.
وشدد سانشيز على أن إسبانيا “دولة سيادية ترفض المشاركة في حروب غير قانونية”، واصفاً الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بأنها “تهور” يهدد الأمن العالمي. وأكد أن الاستثناء الوحيد لهذا الحظر سيكون حالات الطوارئ القصوى التي تستدعي هبوطاً اضطرارياً لإنقاذ الأرواح.
وقال وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن الهدف من هذه القرارات هو منع أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة. وترى مدريد أن التحرك العسكري الأمريكي الحالي يفتقر إلى غطاء من مجلس الأمن الدولي أو المنظمات متعددة الأطراف، وهو ما يجعل المساهمة فيه مخالفة للمبادئ الدستورية الإسبانية والقانون الدولي.
في روما، سلكت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني مساراً مشابهاً، وإن كان بدوافع قانونية وبروتوكولية أكثر تحديداً. فقد رفضت الحكومة الإيطالية طلباً أمريكياً لاستخدام محطة “سيغونيلا” الجوية في صقلية كمنصة انطلاق للعمليات العسكرية ضد إيران.
وأفادت تقارير صحفية، من بينها ما نشرته يومية “كوريري ديلا سيرا”، أن الغضب الإيطالي نبع من قيام الولايات المتحدة بإرسال قاذفات باتجاه المنطقة دون السعي للحصول على تفويض مسبق أو التشاور مع القيادة العسكرية الإيطالية. ويعد هذا التصرف مخالفاً للمعاهدات التي تحكم الوجود العسكري الأمريكي في إيطاليا منذ عام 1950.
وتمنح المعاهدة الثنائية الولايات المتحدة حق استخدام القواعد لأغراض تدريبية ولوجستية، لكنها تشترط موافقة البرلمان الإيطالي الصريحة في حال استخدام الأراضي الإيطالية كمركز لإطلاق عمليات حربية أو نقل أسلحة لنزاع مسلح.
وكانت ميلوني قد وجدت نفسها تحت ضغط هائل من أحزاب المعارضة ومن الرأي العام الإيطالي الرافض بشدة للتورط في نزاع جديد في الشرق الأوسط، خاصة مع اقرارها بأن بعض الضربات الأمريكية أصابت منشآت مدنية مثل المدارس، وهو ما وصفته بـ “المجزرة”.
وتراقب مدريد وروما بقلق احتمال تصعيد الحرب لتشمل أهدافاً مدنية مثل محطات تحلية المياه أو منشآت الطاقة، وهو سيناريو قد يدفع هذه الحكومات لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة، ربما تصل إلى تعليق بعض بنود التعاون الدفاعي ضمن حلف الناتو.
وقد أثارت هذه القرارات الأوروبية غضب إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي وصف الحكومة الإسبانية بأنها “غير صديقة” و”سيئة للغاية”، مهدداً بفرض حصار تجاري شامل على إسبانيا، وهي رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
وتابعه على ذلك وزير خارجيته ماركو روبيو الذي قال في مقابلة تلفزيونية بأن موقف الحلفاء مثل إسبانيا “مخيب للآمال للغاية” ملوحاً بأن واشنطن ستعيد تقييم جدوى وقيمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد انتهاء العمليات العسكرية. وشدد الوزير على أن الدول التي لا تدعم الولايات المتحدة في “أوقات الشدة” قد لا تجد الدعم الأمريكي مستقبلاً.
على المستوى العسكري، حاول المسؤولون في واشنطن التقليل من أثر هذه الانسحابات. وصرح مسؤول في البيت الأبيض بأن الجيش الأمريكي يحقق أهدافه في الحرب على إيران بكفاءة تامة، وأنه “لا يحتاج لمساعدة من إسبانيا أو غيرها”، ذلك رغم أن التحركات على الأرض تقول إن واشنطن اضطرت لنقل 15 طائرة تزويد بالوقود من طراز (KC-135) من إسبانيا إلى قواعد في فرنسا وألمانيا لتأمين استمرارية العمليات.
وعلى خلاف المواقف في مدريد وروما، فإن لندن مستمرة في أداء دورها كأهم حليف ميداني للولايات المتحدة في أوروبا. فقد وافق رئيس الوزراء سير كير ستارمر على استخدام قاعدة “راف فيرفورد” في غلوسترشير كمنصة لاستقبال القاذفات الأمريكية من طراز (B-52) و(B-1B)، وكذلك لاستعمال القواعد البريطانية في قبرص ودييغو غارسيا.
ويؤدي إغلاق الأجواء الإسبانية إلى فرض تحديات تقنية كبيرة على سلاح الجو الأمريكي، إذ تُجبر الطائرات المنطلقة من بريطانيا على الالتفاف حول شبه الجزيرة الأيبيرية عبر المحيط الأطلسي للدخول إلى المتوسط من فوق مضيق جبل طارق، ما يزيد من ساعات الطيران واستهلاك الوقود بشكل حاد، فيما تحتاج القاذفات الآتية من الولايات المتحدة إلى التزود بالوقود في الجو فوق فرنسا (التي سمحت بالمرور لأغراض “دفاعية” محدودة)، أو قاعدة “لاجس” في جزر الأزور البرتغالية التي أصبحت نقطة ارتكاز حيوية لتعويض النقص الناتج عن إغلاق القواعد الإسبانية.
ورغم هذه التسهيلات البريطانية، إلا أن هناك توتراً خفياً مستمراً بين ترامب وستارمر، حيث سخر الرئيس الأمريكي من رئيس الوزراء البريطاني ووصفه بأنه “يحاول الانضمام للحروب بعد حسمها”، مما خلق حالة من التوجس داخل الأجهزة الأمنية واللوجستية البريطانية التي بدأت تلاحظ تقلصاً في قنوات التواصل التقليدية مع الجانب الأمريكي.
وتتزامن هذه التوترات العسكرية مع تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية نتيجة إغلاق مضيق هرمز فعلياً بسبب التهديدات الإيرانية. ويمر عبر هذا المضيق نحو ربع إمدادات العالم نفطاً وغازاً وكيماويات، ما أدى لقفزة هائلة في أسعار الطاقة أثقلت كاهل المواطنين في أوروبا وغير بلد حول العالم.
وفي خطوة دبلوماسية لافتة، أعربت السفارة الإيرانية في مدريد عن تقديرها لموقف إسبانيا “الملتزم بالقانون الدولي”، وألمحت طهران إلى أنها قد تكون منفتحة على طلبات مدريد بشأن تسهيل مرور بعض الشحنات عبر المضيق.
صراع الأجواء والقواعد هذا يكرس انقساماً متزايداً في القارة الأوروبية تجاه السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب بين جبهة رفض تقودها إسبانيا وإيطاليا، وتدعمها فرنسا وهولندا جزئياً، حيث يرى هؤلاء أن الحروب الاستباقية دون تفويض دولي هي “خطر على السلام العالمي”، وجبهة دعم صامت تقودها بريطانيا وألمانيا التي ترى أن الحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية يتطلب تقديم تنازلات ميدانية، حتى لو كانت الحرب “حرب اختيار”.
ومهما يكن من أمر، فإن هذه الأزمة قد تشكل انعطافاً تاريخياً في مسار الحلف الأطلسي، حيث وضعت المصالح الوطنية والقيم القانونية المزعومة لأوروبا في كفة، والتبعية التقليدية لواشنطن في كفة أخرى. وبينما تستمر القاذفات الأمريكية في تحليقها بمسارات ملتوية تفادياً للأجواء الإسبانية والإيطالية، فإن المؤكد أن ارتدادات العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران لم تعد مقتصرة على الجبهة العسكرية الواسعة عبر الشرق الأوسط كله فحسب، بل وفتحت جبهات اقتصادية ودبلوماسية موازية قد تعيد رسم خريطة القوى العالمية والتحالفات لسنوات طويلة قادمة.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-04-02