تصالحات الدولة مع «النصرة»!!!


ثريا عاصي
تقتضي دِقّة التعبير، فضلاً عن الدلالات الضمنية لصفقة التبادل التي جرت بين الحكومة اللبنانية من جهة، وبين الجماعة الإرهابية، القاعدة بفرعها جبهة النصرة من جهةٍ ثانية، أن نستخدم بدلاً عن مصطلح «تحرير الرهائن»، مصطلح استعادة «الرهائن» بعد الرّضوخ لجميع مطالب الخاطفين، علماً أنّ ثلاثة عسكريين عادوا جثثاً، وكلّنا يعرف أنّهم قُتلوا ذبحاً ! ما يعني أنّ الحكومة اللبنانية أصدرت عفواً عن ذبّاحي «جبهة النصرة» .
مجمل القول إنّ العسكريين الرهائن لم يُحرَّروا، وإنّما جرت مقايضتهم بإرهابيين كانوا في السجون اللبنانية، وبوقف ملاحقة إرهابيين فارّين، وبتسهيل انتقال إرهابيين آخرين جرحى، عبر الأراضي اللبنانية وعبر مطار بيروت الدولي إلى تركيا لتلقّي العلاج في مستشفياتها، كون تركيا راعية الجماعات الإرهابية في سوريا عموماً، وراعية جبهة النصرة، أي تنظيم القاعدة تحديداً، على وجه الخصوص. لا أعتقد أنّ قراءة معمّقة في تفاصيل مقايضة العسكرين المختطفين بالإرهابيين هي ذات جدوى؛ إذ من المُرجّح أنّ هذه المقايضة تندرج في إطار تسوية، ربما تكون هي التسوية نفسها التي لمّح إليها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير، حيث قال بما معناه، إنّ التسوية صارت ضرورية وبالتالي سوف يتوجّب على كل طرف أن يقدّم تنازلات للطرف الآخر.
ومن المعروف في هذا المجال أنّ «على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم».
بمعنى أنّ القادة «الوطنيين والقوميين والعروبيين والمقاومين» كانوا في كلّ مرة يـُلدغون من الجحر، بل كانوا أحياناً يعاقبون الذين يحذّرونهم من السُّمّ والخداع والغدر أشدّ عقاب. بكلام صريح وواضح، يبدو أنّ تنظيم القاعدة، أي جبهة النصرة، حقّق جميع مطالبه، بل وأكثر من ذلك.
فلقد احتفظ بتسع رهائن، زعم أنّهم كانوا من نصيب تنظيم «داعش»! هل أنّ جميع الجرحى الذين سُمح بإجلائهم عبر الأراضي اللبنانية، ينتمون إلى جبهة النصرة وأين كانوا يتعالجون؟ هل جميع السّجناء الذين أُخلي سبيلهم هم من عناصر جبهة النصرة؟ ما هو مصير «أبو طاقية»، وابنه؟ لماذا لم يتوكّل الجيش اللبناني بمهمّة تحرير جنوده؟ من هو أحمد لقيس الذي قتل جندياً، وهل شَمَله العفو؟! أسئلة كثيرة، ولكن لن نجد إجابات عليها ولن نسمع أصداءها.
فمن المحتمل أنّ البعض يتوهّم أنّ وقت التسوية قد حان، وأنّ التنازلات سوف تُعطي هذه المرة ثماراً، أمناً وهناءً وازدهاراً.
إذا توافقت الطوائف والمذاهب عاش الوطن! وأُقفل باب النقاش .
ومهما يكن، يوجد في الحقيقة سؤال لا مفرّ منه، وهو أنّ أمراء قطر هم حلفاء تركيا.
يستتبع ذلك أنّهم أعداء سوريا، فهل يمكن أن تنجح تسوية في لبنان بين أعداء سوريا من جهة، وبين حلفائها من جهة ثانية؟ ما يبرّر هذا السؤال هو أنّ أمراء قطر كانوا في عرسال، وفي الوقت نفسه استقبلوا إلى جانب «اللجنة الأمنية الوزارية اللبنانية «ورئيس الحكومة، «العسكريين الرهائن» المُفرَج عنهم ! لا أظنّ أنّ بقاء تسعة عسكريين رهائن لدى «داعش» وجثث ثلاثة عسكريين، يُجيز لنا بأن ننعت مقايضة عدد من الرهائن بإطلاق سراح عدد أكبر من السجناء والعفو عن الإرهابيين واحترام نفوذ وسلطة تنظيم جبهة النصرة على مناطق في لبنان، بالتسوية، فهو أقلّ من تسوية، هو اعتراف بأنّ تنظيم القاعدة في سوريا، يمثّل «معارضة معتدلة»، وهو تعاون مع أعداء الحكومة السوريّة ممثّلين بأمراء قطر .
جميع الأطراف اللبنانية التي وافقت على إتمام هذه الصفقة الفضيحة، أو التي كان يجب أن تتصدّى لمنع ذلك ولم تفعل، تتحمّل مسؤولية كبيرة. فلقد ألغوا مفهوم الوطن وفرضوا نظام القبيلة !.
03/12/2015