تشوهات العقل العربي!
اضحوي جفال محمد*
المجرى الطبيعي للانسان أن تُلبى الحدود الدنيا من حاجاته البدنية والنفسية، وكل قصور في تلبيتها يخلّف أثراً سلبياً. لكن واقعنا الشاذ فرض علينا الاهتمام بالحاجات المادية فقط واهمال النفسية تماماً الى درجة انكارها مما جعلها أمراضاً مزمنة. انظر الى المستشفيات والعيادات وكم يراجعها من الناس يومياً.. فهل رأيت في المقابل مراجعين يزدحمون على باب طبيب نفسي!. للوهلة الاولى يعتبر انعدام هؤلاء المراجعين دليلاً على خلو مجتمعنا من الامراض النفسية، والحقيقة انه الدليل الدامغ على تفشي تلك الامراض، فإنكار المرض هو بحد ذاته مرض.
هذا من الناحية النظرية، والان نحاول تطبيقه على الواقع؛ لم تنتشر في مجتمع نظرية مغلوطة بقدر انتشار نظرية (المسرحية) في مجتمعنا. الانسان في حومة النقاش قد يتلاعب بالالفاظ ويغالط للتغلب على محاوريه، تلك مسألة طبيعية في النفس البشرية ينساها الشخص السوي بعد النقاش مباشرةً ويعود للاعتراف بالامور كما هي. أما أن يجد نفسه ملزماً بالدفاع عن تلك المغالطات عشرين او ثلاثين عاماً فمسألة تحيد به عن التركيبة النفسية المستقيمة. لو كانوا مقتنعين فعلاً بأنها مسرحية لكان الامر طبيعياً ولا يحمل اي عرض يستحق البحث، انما هم جميعاً، عدا البعض من مفرطي السذاجة، غير مقتنعين بما يقولون.
الان لا احد يقول ان الصراع الايراني الاسرائيلي مسرحية، فهل نعتبر ان تلك الحالة المرضية قد انطوت وشفي المصابون بها؟. لا أبداً.. ويكفيك ان تنقر على متن احدهم وهو شاخص على الشاشة يتابع بنهم مجريات الحرب القائمة وتسأله هل تخلى عن مقولة المسرحية! او بتعبير آخر هل يعترف بأنه كان على خطأ طوال ذلك الزمن!. عندما تطرح ذات السؤال على مريض في بدنه سيخبرك تفصيلياً بكل اوجاعه والتغييرات الحاصلة عليها. أما هذا الشاخص على الشاشة فسيقول لك أي شيء الا أنه كان على خطأ. المؤكد أنه لن يرد على سؤالك بعفوية وانما ياخذ صفنة ثم يبدأ بالدفاع عن السردية القديمة مع كل ما يحمله دفاعه من تناقضات وحرج. لن أتوسع في هذا الجانب لأن كل واحد منكم يستطيع خوض التجربة بسؤال احدهم ذات السؤال ثم الاستمتاع بالجواب. حتى المصاب بذات العلة يستطيع الان، ولو من باب التسلية، توجيه السؤال لمصاب مثله ليرى بعينيه حجم العاهة.
ولأن الوباء على درجة هائلة من السعة أنتقل الى جانبه الآخر لإستجلاء الصورة أكثر؛ قبل حصول التغيير الاخير في سوريا كان دعاة (المسرحية) يقولون ان الارهاب برهان اضافي على وجود المسرحية. فداعش صنيعة ايرانية أوجدت لاستهدافنا، والارهاب حسب زعمهم لا يحارب النظام السوري بل ينسق معه لتشويه (الثورة) التي تصبو الى الحرية والديمقراطية وترفض الفكر الارهابي كما ترفض النظام. وعندما يتحدثون عن الارهاب يرد ذكر داعش والنصرة كمترادفتين لا تنفصل احداهما عن الاخرى، باعتبارهما حالة واحدة. فماذا يقولون الآن؟ الآن يفصلون النصرة عن داعش ويحاولون جاهدين اعطاءها صفات لا تدّعيها هي نفسها. فالاعلان الدستوري الذي أصدرته يخلو تماماً من أي ذكر لديمقراطية او انتخابات. وهنا نتوقف عند مسألة كاشفة لا يعرفها القراء البعيدون عن واقعنا. ذلك أن بيننا كثيرين ممن لهم ارتباطات معينة بداعش.. ما هو موقفهم من الاوضاع الحالية؟ جميعهم وبلا استثناء مع النصرة وبحماس منقطع النظير! عاكفين على تشييد سردية جديدة فوق الاختلافات المزعومة بين النصرة وداعش. فانقر ايضاً على متن أحدهم وهو شاخص على الشاشة وقل له: هل يعتبر ماضيه مع داعش خطأً مطلقاً! ومثل سابقه لن يجيبك بعفوية وانما يحاول إدخالك في متاهة تبدأ من إنكار علاقته بداعش، ثم خذ تنظيرات. والذي اريد قوله بهذا الصدد ان المعلنين نصرتهم للنصرة بعد تأكيدهم اختلافها عن داعش لا تظهر عليهم أعراض التحول من خانة الى خانة، هم هم، مما يعني ان ذلك كله مغالطات وفي قرارة انفسهم يعتبرون داعش والنصرة مبنىً واحداً يتجولون في ارجائه برحابة.
هناك اشخاص كانوا يجاهرون بشتم المقاومة ونتيجة لتطور الاحداث غيّروا مواقفهم وانحازوا لها، وانت تلمس بسهولة ان هذا الانسان غيّر موقفه بعد صراع داخلي وتبنى قناعات جديدة.. ان حالة جديدة تتخلق. اما الداعشي الذي يبدل الثوب مدعياً وجود فوارق (تحت الحمراء) فلا يمكن رصد اختلافات في جوهره، ما زال معادياً للمقاومة الفلسطينية، وعند الاضطرار يتعامل مع ذكرها بقفازات، وما زال يأبى النيل من نظرية (المسرحية) ويلجأ الى الفلسفة كواقٍ عن لمس اشواكها، وما زال مصاباً بمرض إنكار المرض. ومن جانبنا لا نتمنى له الشفاء، فأفضل ما تحتاجه أمتنا ان تنفض عنها أدرانها لا أن تعيد تدويرها.
( اضحوي _ 2147 )
2025-06-17