تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (2)!
د. عمر ظاهر.
قبل أن نقوم بالتوثيق المفصل لافتراءات داروين واعتداءاته على منهج البحث العلمي، هناك بضعة أسئلة من الضروري الإجابة عنها. إننا نتعامل مع شخصية أضفى عليه صانعوه في بريطانيا، وعلى إثرهم أنصاره العرب أيضا، صفة القدسية باعتباره “العالِم” الذي أحدث انقلابا في الفكر الإنساني، وفي فهم الطبيعة، والإنسان، والوجود كله. إنهم يرون أنه فض القدسية التي أضفاها الإنسان على نفسه لعصور كاملة باعتباره كائنا كرمه الله وفضله على كثير من خلقه، فكشف أن الإنسان نشأ نتيجة التطور من حيوان أدنى نشأ بدوره من كائن أدنى بكثير. لكنهم أنتهوا إلى رفع القدسية التي حاول داروين أن يزيلها من حول الإنسان، ومن حول الإله والأنبياء والكتب المقدسة، ووضعها حوله هو، فصار تكذيب داروين لا يقل في نظرهم كفرا عن تكذيب الأنبياء في نظر المؤمنين.
إننا سنرى بعد قليل أن تلك مبالغة لا معنى لها في تقدير داروين، فالرجل لم يكن عالما قط، ولم يأتِ بجديد، بل ألبس ما سبق أن قاله غيره ثوبا من الديماغوغية المليئة بعبارات جوفاء لا محتوى حقيقي لها. إنه لم يفعل إلا شيئا واحدا، ألا وهو أنه أعطى الملحدين الكتاب الذي كان ينقصهم ليضعوا أنفسهم به مقابل الديانات التي لها كتب مقدسة، فيفعلوا نفس ما يفعلون. إن داروين كان شاهد زور وحسب، أقيمت به كهنوتية جديدة تمارس نفس الكهنوتية التي ثار عليها العلماء، وكانت تقتص منهم لخروجهم عن إطار أفكارها. اليوم تكلكل الكهنوتية الداروينية على صدور مؤسسات كثيرة في الغرب، وتضطهد كل من ينقض أفكار داروين تماما مثلما اضطهدت الكنيسة غاليليو وكوبرنيكوس. اليوم أصبح قانونا غير مكتوب في الأوساط العلمية في الغرب أن المساس بهيبة داروين، ومكانته هو بمثابة تخل طوعي عن صفة العلمية التي يسعى إلى تحقيقها الباحثون في مجال الطبيعة. وصار الاعتراف بداروين وتوكيد ادعاءاته وسيلة سهلة لكل من يريد الحصول على تمويل لبحث قائم على ما قاله داروين مهما كان سخيفا، حتى على مستوى الادعاء بأن الطيور تطورت عن صنف من الديناصورات – وهو ادعاء ينسف الداروينية من أساسها، كما سنرى، دون أن يشعر أنصارها، إذ لا يفسر داروين كيف أن ما يسمى “الانتقاء الطبيعي” لم يُنتج في الطبيعة التي وجدت قبل الديناصورات بمئات الملايين من السنين كائنات حية تطير، بينما كانت المياه واليابسة تعج بملايين الأنواع من الكائنات الحية. إن ذلك يمثل ببساطة سيرا في الاتجاه التجاري السياسي الذي خطه شاهد الزور داروين للعلم ليسير فيه نحو المزيد من الأوهام بإلقاء مثل هذا الكلام على عواهنه.
لعل المعاملة التي لقيها العالم الأمريكي الروسي الأصل عمانوئيل فليكوفسكي خير دليل على سلطة الكهنوتية الداروينية في الغرب، فقد أضطُهد الرجل في الأوساط الأكاديمية بسبب أفكاره التي دحضت الداروينية واقتلعتها من جذورها. اضطهدوه بحجة أنه يفسر تاريخ الطبيعة انطلاقا من قصص العهد القديم، مع أن من يقرأ كتب فليكوفسكي العديدة، ومنها: Earth In Upheaval و Worlds In Collision ويقارنها بما كتب داروين لن يجد صعوبة في رؤية علم موثق بالأدلة والشواهد، ففليكوفسكي عالم باحث بحق له منهج علمي رصين، بينما يبقى لقب “عالم” عند إطلاقه على داروين ينم عن نفاق شديد.
لعل أهم الأسئلة التي تطرح في هذا الصدد هي: من هو تشارلز داروين؟ ماذا كان اختصاصه العلمي؟ وفي أي مجال بحث؟ وكيف بحث؟ وهل نال درجة علمية من جامعة ما قبل أن يشتهر بكتابه “أصل الأنواع”؟ ولماذا ينفرد داروين بين العلماء بهذا الصيت الذي جعل منه شخصية شعبوية يمكن لأي إنسان أن يخوض في مستودع أفكاره، سواء كان رجل دين، أو عالم فيزياء، أو لغويا، أو مؤرخا، أو أستاذ علم الجغرافيا؟ أو سياسيا؟ لماذا له أنصار ومعارضون، بينما ليس هناك أنصار للعالم آينشتاين ومعارضون له؟ ؟ لماذا ليست هناك مواقع على الشبكة العنكبوتية تدافع عن إسحاق نيوتن مثلما تفعل مع داروين؟ لماذا لا تعطى الأهمية التي تعطى لداروين لعلماء مثل أرنست رذرفورد، وتوماس أديسون، وغيرهما ممن بحثوا واكتشفوا واخترعوا، وغيروا حياة البشرية؟ لماذا أصبح داروين أمل “المستعبدين” العرب في الوصول إلى الحرية، في الوقت الذي يعتبر داروين العرب وغيرهم شعوبا همجية يجب أن تفنى لتفسح في المجال للانجليز المتمدينين (على حد قوله) كي يبقوا على قيد الحياة لأنهم الأصلح للبقاء؟ لماذا هذا بينما يجري خنق أي صوت ماركسي يهدف بالفعل إلى تحقيق مجتمع فيه بعض العدالة، مع أن منطلقات الماركسية والداروينية هي نفسها؟ نحن سنجيب، قدر الإمكان، عن هذه الأسئلة انطلاقا من كتاب داروين “أصل الأنواع”، أي دون الاستعانة بأي مصدر قد يكون مناوئا لداروين ورافضا لأفكاره.
من هو تشارلز داروين؟
إنه مواطن انجليزي متعصب للعرق الانجلوساكسوني، ويحتقر كل الشعوب الأخرى، بمن فيهم الأيرلنديين الذين يصفهم في “أبحاثه” العلمية بأفظع الصفات. إنه كاتب لا يتميز بالحيادية التي تسم رجل العلم، فهو لا يستطيع الفصل بين ميوله العنصرية وبين البحث العلمي، فبينما هو يتحدث عن تطور نوع في الطبيعة من نوع آخر ينقلب إلى الحديث عن السكان الأصليين في أستراليا، ويبرر اجتثاثهم بأنهم لم يستطيعوا التكيف مع المدنية التي أدخلها الانجليز إلى قارتهم! كان والده يريد له أن يدرس الطب، لكنه خذله، فلم يقاوم في دراسة الطب أكثر من سنة واحدة انقلب بعدها إلى دراسة اللاهوت، ولم يفلح فيها، فقرر وهو في الثانية والعشرين من العمر الالتحاق كشخص هاوٍ، أي بلا مرتب، برحلة على ظهر سفينة اسمها بيغل كانت متجهة إلى جزر غالاباغوس في مهمة استكشافية في أواخر عام 1831. أما صفة الهاوي فجاءت من ولع تشارلز منذ الصغر باصطياد الخنافس والصراصير، ومع هذا أطلق الفتى على نفسه يوم الالتحاق بالرحلة لقب “اختصاصي في العلوم الطبيعية”. لا يسمع أحد عما حققته تلك الرحلة من انجازات علمية غير شيء واحد، وهو أن المشارك الهاوي فيها عاد وأطلق بعد أكثر من عشرين سنة نظرية عن التطور.
من يقرأ ما يكتبه أنصار داروين عنه اليوم يفهم أن تلك الرحلة التي استغرقت ست أو سبع سنوات منها سنتان ذهابا وسنتان إيابا، تشكل الخلفية العلمية الميدانية لكتاب داروين “أصل الأنواع”، فكل شيء بدأ هناك، وأن الرجل كان في غزوة علمية، وكأن الطبيعة لا توجد إلا في جزر غالاباغوس، ولا يمكن دراستها إلا هناك. أما الحقيقة فهي أن من الإسفاف إطلاق لقب باحث أو اختصاصي على داروين يومها، فالشاب لم تكن عنده خلفية نظرية في العلوم الطبيعية، ولم يكن عنده مشروع بحث، ولا خطة بحث، ولا حتى سؤال علمي محدد يريد الإجابة عنه خلال الرحلة البحرية، وإلا لكانوا ضموه إلى الرحلة كفرد محترف من أفراد البعثة الاستكشافية، وليس هاويا. كان الفتى يرغب في السفر ربما هربا من طغيان والده، وتقريعه المتواصل له على فشله في الدراسة الأكاديمية.
كتاب داروين ظهر بعد اثنتين وعشرين سنة من عودة السفينة بيغل إلى بريطانيا عام 1837. إن داروين نفسه، ورغم أنه يتحدث عن حقائق كثيرة جمعها في تلك الرحلة، لا يُدخل تلك الحقائق في كتابه، ويقول في مقدمة الكتاب أنه سيتناول تلك الحقائق في آخر الكتاب. وبالفعل فإن الأبواب الأحد عشر الأولى من الكتاب لا تشير ولا مرة واحدة إلى أية معلومة من رحلة السفينة بيغل. فقط في الباب الثاني عشر نبدأ بسماع بعض المعلومات من رحلة بيغل، ويتبين أنها لا علاقة لها البتة بنظريته عن أصل الأنواع، فتلك المعلومات تتناول الجغرافيا وهجرة الحيوانات، وفكرة تزحزح القارات التي كان داروين يرفضها. من المعلومات المتناثرة من تلك الرحلة نسجل أن داروين وجد في أمريكا الجنوبية أسماكا في المياه العذبة موجود مثيلها في المياه العذبة في بريطانيا. واحتار الرجل في تفسير تلك الظاهرة، واختلق من التفسيرات ما لم ينزل بها الله من سلطان وكأنه كان يجهل أن الأوروبيين وصلوا إلى تلك الأنحاء قبله بأربعمئة سنة، ولا يستبعد أنهم أخذوا الأسماك معهم من بريطانيا! وتسمع أيضا أن داروين رأى في جزر غالاباغوس سلاحف ضخمة، ومعلومات تافهة من هذا القبيل. أي إنه حتى الأبواب الأخيرة من الكتاب لا تستند على “الحقائق”، كما يسميها، التي جمعها في تلك الرحلة. “نظرية” داروين في التطور لا علاقة لها البتة بتلك الرحلة. لا غرابة، ففي الكتاب يقول داروين مرارا “وأنا جمعت الكثير من الحقائق عن هذا الموضوع” أو “وأنا أجريت العديد من الأبحاث عن هذا الموضوع”. لكنه لا يقدم الحقائق والأبحاث في سياق الكلام، ولا يذكر أين يمكن للقارئ أن يجد تلك الحقائق والأبحاث.
وفي سيرة حياة داروين أيضا، عن لسانه هو، أن الباحث البريطاني ألفريد راسل والاس (الذي كان، على عكس داروين، شديد الانتقاد للرجل الأبيض، ففضل أن يهاجر إلى جنوب غربي آسيا ليعيش مع الشعوب النقية السريرة)، كان يبحث في الطبيعة في تلك الأنحاء. السيد والاس أرسل عام 1857 مخطوطة كتاب له إلى داروين على أمل أن يقوم الأخير باستحصال موافقة أحد معارفه في الأوساط العلمية في لندن على طبع الكتاب. داروين أنكر أن يكون قد استلم المخطوطة مما اضطر السيد والاس إلى إرسال نسخة أخرى منها استلمها داروين سنة 1858 واكتشف أن لديه هو خلاصات مخطوطة كتاب مطابقة تقريبا لمخطوطة والاس، فقدمهما إلى ذوي الحول والقول سوية مع مخطوطة السيد والاس، وتمت الموافقة على نشر الكتابين معا. لكن ألفريد راسل والاس لم يسمع به أحد، بينما طار صيت تشارلز داروين في الآفاق. في هذا الخصوص يقول داروين:
وقد قارب بحثي الآن (1859) على الانتهاء، ولكن بما أن اتمامه سيستغرق مني عدة سنوات أخرى، وبما أن حالتي الصحية هي بعيدة كل البعد عن القدرة، فقد وجدت نفسي مضطرا لأن أنشر هذه الخلاصة، كما كنت مدفوعا إلى فعل ذلك بشكل أكثر خصوصية، لأن السيد والاس، الذي يدرس حاليا التاريخ الطبيعي لأرخبيل الملايو، قد توصل بالكامل تقريبا إلى نفس الاستنتاجات العامة التي توصلت إليها عن نشأة الأنواع الحية. وقد أرسل لي في عام 1858 مذكرة عن هذا الموضوع مع طلب أن أرسلها إلى سير تشارلس لايل Sir Charles Lyell الذي أرسلها بدوره إلى الجمعية اللينيائية، وتم نشرها في الجزء الثالث من جريدة هذه الجمعية. والسير لايل والدكتور هوكر، وكلاهما على علم بأبحاثي – فالأخير قد قرأ المسودة الخاصة بي عام 1844 – قد أضفيا علي الشرف بأن فكرا في أنه من السديد أن ينشر مع مذكرة السيد والاس الممتازة، بعض الخلاصات المختصرة من مخطوطاتي. (ص 55/56) (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004)
أليس غريبا أن السيدين لايل وهوكر كانا قد اطلعا على مسودته عام 1844 أي قبل خمسة عشر عاما من تاريخ نشر المسودة على شكل كتاب، وأضفيا الآن عليه الشرف بأن فكرا في أنه من السديد أن ينشر مع مذكرة السيد والاس الممتازة، بعض الخلاصات المختصرة من مخطوطاته؟
إذن، تم تجاهل إنجاز والاس الذي لولاه لما تشجع داروين على نشر مخطوطاته الناقصة، ولكان سيقضي سنوات أخرى في عمل خلاصاته أو يموت قبل إنجازها، وطار صيت داروين في الآفاق لأن السيدين، وكانا متعصبين في موقفهما من الكنيسة، كانا قد اطلعا على خلاصاته قبل خمس عشرة سنة! وجدير بالذكر أن هناك شخصا ثالثا قدم الدعم لداروين، وهو البروفيسور المعادي للكنيسة عداء سافرا توماس هنري هوكسلي Huxley الملقب بـ “Darwin’s bulldog”. ونضيف أنه قبل بضع سنوات من الآن استفاق ضمير البريطانيين فقرروا إعادة الاعتبار لألفريد راسل والاس، ولكن عبثا فالإعلام المنحاز لداروين لم يبق إلى جانبه مكانا لسواه. ثم إن الرجل كان أصلا قد انتقد بعد سنوات أفكاره عن التطور وتراجع عن معظمها، فلم يعد يستحق الاهتمام لأنه صار بذلك من رافضي الداروينية.
لماذا يمكن لأي شخص أن يحشر أنفه في نظرية داروين؟
ذلك لأن داروين لم يكن له مجال اختصاص بحق وحقيقة، بل كانت له اهتمامات، وكان له اطلاع واسع في بعض المجالات. لكن الاطلاع الواسع لا يعني التخصص، ولا يعني القدرة على البحث. كثيرون منا الآن يمكنهم التحدث في المجالس العامة في أمور مختلفة، حتى أن بعضنا يمكن أن يعطي رأيا يتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية، دون أن يكون طبيبا، أو نفسانيا. لكن من يمكنه أن يكتب مقالة في علم النفس وينشرها في مجلة علمية إن لم يكن اختصاصيا؟ بل إن علم النفس تشعب وصارت له فروع عديدة، ومجالات أكثر، فمن يدرس علم النفس في الجامعة سيعرف شيئا عن كل فرع، لكنه يتخصص لاحقا في فرع من فروعه الكثيرة. وفي الطب أيضا يتعلم طالب الطب شيئا عاما عن كل مجالات الطب، لكن من يتخصص لاحقا في الأنف والأذن والحنجرة لن يعرف عن أمراض القلب مثل طبيب آخر يتخصص في القلب. ومثال آخر، فقد كان كارل ماركس عالما في الاقتصاد، غير أنه كان بلا شك واسع المعرفة في مجالات عديدة، مثل التاريخ، والجغرافيا، والطب، وطبقات الأرض. لكنْ لو أن ماركس كتب مقالا في أمراض القولون فإن الناس كانوا سيسخرون منه. لا يمكن للمرء أن يتخصص في أكثر من مجال واحد أو مجالين، أما مجرد المعرفة، وإن كانت واسعة، فتكون سطحية وعامة قياسا إلى معرفة الاختصاصي.
داروين لم يكن يبالي بالسخرية، فقد تصرف ونطق كاختصاصي في أكثر من مئة مجال علمي. المشكلة الأكثر تعقيدا هي أن داروين لم يكتب في فرع من العلوم يعتمد على التجريب، مثلما فعل آينشتاين الذي يمكن لأي شكاك أن يعيد تجاربه ويتأكد بنفسه مما توصل إليه الرجل. داروين اختار الكتابة في مجال البحث الميداني. وهنا فإن المعروف للجميع أنه كلما كان ميدان البحث أوسع كانت السيطرة عليه أصعب. لنقل إن باحثا في الزراعة تخصص في نباتات المناطق المعتدلة، وهذا مجال واسع بحد ذاته، فالأمر لا يتعلق فقط بالأشجار والشجيرات في هذه المنطقة، وظروف حياتها ونموها، بل يتعلق أيضا بالحشرات والأمراض التي تصيبها، وغير ذلك. إنه يمكن أن يكون مرجعا في هذا المجال. لكن ماذا نقول عن هذا العالم إذا صار يحدثنا عن الغابات الاستوائية، والغابات المطرية في الأمازون؟ نقول إنه لديه معلومات عامة عن نباتات تلك الغابات وما يتعلق بها. وماذا نقول إذا راح يحدثنا عن الأسماك النهرية والبحرية كأختصاصي أيضا؟ نهز رؤوسنا. وماذا سنقول عنه إذا صار يتحدث حديث الخبير عن أمراض الحيوانات؟ سنسأله إن كان قد درس الطب البيطري. وماذا لو صار يحدثنا عن علم الفلك وتكنولوجيا صناعة السفن الفضائية؟ لن يفعل شخص عاقل ذلك. أما داروين الذي كان مجال اهتمامه الأول النباتات الصغيرة في حديقة منزله، فلم يقتصر ميدان بحثه فقط على النباتات بأنواعها وفي كل القارات، ولا على الأسماك والحيتان، والحشرات، والقواقع، والنمل، والنحل، والطيور، وكل مملكة الحيوان، بل وطبقات الأرض، والتاريخ، والجغرافيا، وهجرة الحيوانات، والغرائز، والعقم، أي باختصار كل ما يمكن أن يخطر على بال المرء في الطبيعة. وليس هذا وحسب، بل إن ميدان بحثه له بعد زمني يمتد لمئات الملايين من السنين في أعماق الماضي، فهو يتحدث عما يمكن أن يكون قد وقع على الأرض قبل ألف مليون سنة، وكأن ذلك الماضي ماثل أمام عينيه على خارطة مجسمة.
داروين يذكرنا بأشخاص في القرون الوسطى كان يطلق عليهم لفظ “علماء موسوعيون”، فالواحد منهم كان فقيها، وتاجرا، ومؤرخا، وطبيبا، ومداويا بالأعشاب، ويقلع الأسنان، ويكتب في الأسفار، ويعمل في مجال الخيمياء، والتنجيم، والسحر، ويختن الأولاد، وغير ذلك. كان أولئك أشخاصا لهم اعتبار كبير ومبرر في حينه، فالمعلومات في أكثر مجالات العلم لم تكن واسعة إلى حد أنها تتطلب التخصص مثلما صار الأمر منذ القرن الثامن عشر. وكان من الممكن في زمنهم التوسع في المعرفة عن كل مجال إذا توفر للمرء الوقت والرغبة في ذلك، وادعاء التخصص فيه. لكن بدءً من القرن الثامن عشر لم تعد لأي موسوعي قيمة إلا الفلاسفة، فالفيلسوف يجب أن يطلع على كل مجالات العلم، دون أن يقوم بأبحاث في أي مجال علمي. إنه يأخذ نتائج أبحاث العلماء ويبني عليها أفكاره الفلسفية. جل العمل الذي يصفه داروين في كتابه “أصل الأنواع” لا يقوم على أبحاث قام بها، بل على معلومات من أبحاث العلماء والخبراء راح داروين يشذبها لتناسب نظريته، تماما مثل الذي يبري قدميه لتناسبا الحذاء. لو أن داروين سمى نفسه فيلسوفا لكنا قبلنا ذلك، واعتبرناه فيلسوفا رديئا، أما أن يسمي نفسه عالما في الطبيعة، ويضع نظرية تفسر ما جرى ويجري في الطبيعة من مئات ملايين السنين من معجزات الخلق، فمهزلة وفضيحة للوسط الأكاديمي الذي سكت عن وقاحة داروين وانعدام الضمير العلمي الحي عند داعميه.
داروين قام ببعض الأبحاث، لكن أبحاثه لم تكن ذات طبيعة تجريبية يمكن التأكد من نتائجها بإعادة إجرائها، بل كانت خليطا من البحث الميداني والأكاديمي المجرد. ومعروف أنه في مجال البحث الميداني فإن الباحث يقتطع عادة جزءً، أو شريحةً، أو عينة من الميدان الواسع الذي يريد البحث فيه فيجري فيها بحثا أو أبحاثا معمقة، ويتوصل إلى نتائج قد تلقي بعض الضوء على الميدان الكبير. الميدان كله، نعني الميدان الذي كتب فيه داروين كتابه، أي الطبيعة، يتطلب البحثُ فيه جهود جحافل من العلماء الاختصاصيين وعشرات السنين من البحث المنهجي المنسق كي يوصلونا إلى فكرة واضحة عن الطبيعة. أما باحث هاو واحد يسافر إلى جزر الغالاباغوس، فيحل هناك لنا كل الألغاز، ويجيب عن كل الأسئلة، ويضع نظرية في التطور فوصمة عار في جبين الوسط الأكاديمي البريطاني الذي سمح بمثل تلك المهزلة، بل واتخذها لاحقا عقيدة علمية توجه كل الأبحاث في هذا الميدان.
لا شك أن القارئ الكريم ينتظر لأفرغ من كلامي حتى يتوجه إلي بسؤال مشروع؟ وما اختصاصك أنت حتى تدخل في نقاش مع داروين في هذه المجالات التي أقحمها في بحثه؟
كما سبق أن قلت فإنه يحق لأي كان أن يناقش داروين ونظريته، فكل منا يمكن أن يطل على كتابه أو نظريته من زاويته بلا حرج. لنتنبه إلى أن المنصات الالكترونية لأنصار داروين لا تتوجه إلى العلماء والخبراء والاختصاصيين لمحاججتهم، بل تتوجه إلى عامة الناس بقصد إقناعهم بعلمية نظرية داروين، وهو ما يعني أن نظرية داروين ليست للاختصاصيين، بل هي موجهة بشكل خاص إلى من يرقص على قرع الطبول. لقد رفضه خيرة الخبراء والباحثين في زمنه، ولكن سُدى لأن مسألة داروين لم تكن مسألة علمية، وإنما مسألة سياسية وأيديولوجية وتجارية.
إننا نجد في الكم الهائل من مديح أنصار داروين له نقصا هائلا في معرفته. إنهم يقدسون داروين نكاية بالدين وكهنته، لا غير. ومنهم أيضا من له أجندة خاصة. ونجد عند معظم رافضي داروين من العرب حاجة إلى قراءته بعمق، وليس نبذه حبا لله ورسوله. والسجال بين المعسكرين يتركز على شيء واحد، ما يقوله العلماء، فأنصار داروين يتشبثون بكل كلمة يقولها عالم لصالح داروين، ويصرون على أن نظريته لا يأتيها الباطل من أي مكان. أما أعداء داروين فيجدّون في البحث عن علماء يدحضون ما قاله داروين. ولكن ماذا قال داروين نفسه؟ إن العبرة ليست فيما يقوله هذا وذاك، خاصة أن أغلب العلماء الغربيين الذين يساندون داروين مشكوك في ضمائرهم، فهم لا ينطقون عن فهم للحقيقة بل عن مراعاة لما يتطلبه وضعهم الأكاديمي وسمعتهم في الأوساط التي تمول دراساتهم.
إن المدخل إلى مناقشة أفكار داروين يجب أن يكون مجال البحث العلمي، أي أن يقوم أشخاص مدربون على البحث العلمي، ويحترمون منهج البحث العلمي وأخلاقياته، بدراسة كتاب داروين لا ليدحضوا أو يدعموا المعلومات والأفكار – فالأفكار التي يبني عليها داروين مأخوذة من مصادر لا يمكن التأكد منها فهو يكتب على غرار “قال قال فلان عن فلان”، بل ليدققوا أولا وقبل كل شيء في مدى اتباع داروين للمنهج العلمي في توفير بياناته، والتعامل معها، والاستنتاج منها. إن البحث العلمي فيما يتعلق بالمنهج والأخلاقيات له إطار عام، مع أن المجالات المختلفة تستخدم وسائل مختلفة في البحث. القول الفصل في مزاعم داروين يجب أن يأتي ممن يشتركون مع داروين ليس في المجالات التي لا حصر لها التي مثل فيها داروين دور العالم والخبير، بل يشتركون معه في المجال الذي زعم داروين أنه أوصله إلى نظرية التطور، أي مجال البحث العلمي، ليرونا إن كان داروين يقدم لنا أفكاره وفق منهج علمي يرقى إلى ما تتطلبه الجامعات الغربية، وفي مقدمتها جامعتا كمبريدج وأوكسفورد. أم أن داروين يلقي في كتابه الكلام على عواهنه، وينطق بلا دليل ولا إثبات.
داروين لم يقدم ما كتبه إلى أية جامعة على شكل أطروحة ماجستير أو دكتوراه، ليناقشها ويحصل فيها على درجة علمية، بل إنه دبج أفكاره وكأنه يكتب رواية شيقة، يطلق فيها العنان لخياله بل لأوهامه فيقول ما يحلو له، مستهينا بعقل القارئ. لو أن داروين قدم اليوم كتابه إلى جامعة دنماركية كرسالة للحصول، ليس على الدكتوراه أو الماجستير، بل على البكالوريوس، فإن أي أستاذ يحترم المنهج العلمي سيطلب منه أولا أن ينقح رسالته، وينظم مصادره، ويكون دقيقا في الإشارة إليها، فربما لا تعنينا في البداية صحة الاستنتاجات، ولكن يعنينا أن الاستنتاجات تقوم على معلومات موثقة بشكل مسؤول. ثم تأتي مئات الأسئلة عن حججه، وأدلته، وأمثلته، ومنطقه. أقول اليوم، فيقولون إن داروين كتب قبل أكثر من قرن ونصف القرن. إنهم يريدون أن يقولوا إننا نجحف بحقه عندما نطبق عليه مقاييس البحث العلمي اليوم. الحجة مدحوضة، فمبادئنا في البحث العلمي اليوم كانت سائدة في جامعة كمبريدج، وجامعة أوكسفورد يوم سمحت الأوساط العلمية البريطانية لهمروجة داروين بتدمير العلم، وسحق القيم العلمية، وإحلال الدجل محل الدليل العلمي.
نحن نتناول داروين وكتابه من زاوية البحث العلمي. وقد قمنا بذلك عبر أخذ القارئ في جولة في ثنايا هذا الكتاب – مترجما وفي لغته الأصلية أيضا، مثلما يقوم شخص بجولة في مدينة ما ليطلع على ما فيها، والتوقف مع ما يقوله داروين عبارة فعبارة، وكلمة فكلمة، والتدقيق في منهجه في البحث، وفي مدى سلامة الحجج والأدلة على ما يزعم.
يتبع ..
2020-12-31