تشارلز داروين .. شاهد الزور الذي سمّي عالما (13)!
د. عمر ظاهر.
نواصل في هذه الحلقة تناول محاولات داروين اليائسة لإثبات وجود تماثل بين المبادئ السارية فيما يسميه “الانتقاء الإنساني” في ظل التدجين وبين مصطلحه المجازي “الانتقاء الطبيعي” في الطبيعية. ونرى هنا بوضوح أن داروين ليس لديه أدلة على ما يقول من علم البيولوجيا. إنه يمارس جدلا فلسفيا بحتا يقوم على محاولة الربط بين معلومات لا رابط بينها. إن الفلسفة تحتاج إلى لغة ثرة وعلى مستوى عال حتى تستطيع الصياغات المجردة المحكمة تعويض نقص الأدلة الملموسة. داروين فيلسوف سيء لأنه يفتقر إلى التحكم بالصياغات اللغوية.
الاختلافات الفردية
لا يكاد داروين يتناول موضوعا جديدا إلا وحشر فيه شيئا عن التماثل بين ما يسميه الانتقاء في حالة التدجين وبين الانتقاء في الطبيعة، وحتى فيما يتعلق بالاختلافات الفردية البسيطة التي تظهر على الذراري التابعة لنفس الأبوين، أو التي قد يكون من المفترض أنها قد قامت بهذا الشكل. يقول:
ولا يفترض أي إنسان أن جميع الأفراد التابعة لنفس النوع قد تم صبها في نفس القالب الأصلي. فهذه الاختلافات الفردية في غاية الأهمية لنا، لأنها غالبا ما تكون موروثة، وهو ما يجب أن يكون معروفا لكل إنسان، وهي بذلك تزود الكائن الطبيعي بالأدوات اللازمة للعمل عليها، وعلى تكديسها، بنفس الطريقة التي يكدس بها الإنسان الاختلافات الفردية في أي اتجاه مطلوب في منتجاته المدجنة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 111/112)
ما يحصل في التدجين وما يحصل في الطبيعة! لم يعد هناك شك في أن هذا الادعاء الدوغمائي يشكل حجرا من أحجار الزاوية في بناء داروين لنظريته. وأدلته الواهية على ما يقول لا اعتراض عليها:
ولا يعترض أحد على أن يتكلم الزراعيون عن التأثيرات الفعالة للانتقاء الإنساني. وفي هذه الحالة فإنه من الضروري أن تحدث أولا الاختلافات الفردية التي تمنحها الطبيعة، التي ينتقيها الإنسان لغرض ما. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 161)
هذا ليس حديثا في البيولوجيا؛ إنه حديث فلسفي مفكك. الزراعيون يتحدثون عن التأثيرات الفعالة للانتقاء الإنساني: ما هو المحتوى العلمي في كلام الزراعيين؟ لا شيء. داروين يستنتج من الحديث الفارغ: أنه يجب أن تمنح الطبيعة أولا الاختلافات الفردية، ثم يأتي الإنسان لينتقيها لغرض ما. ماذا يعني هذا؟ ما المقصود بالاختلافات الفردية؟ الإنسان لا ينتقي أي شيء في الكائنات الحية؛ إنه يحسّن فقط. وهل يستطيع الإنسان، أصلا، أن يحسن أي شيء، سواء أكان صفة، أو أية ميزة غير موجودة في الكائن الحي؟ ما اختلاف هذا الكلام عن القول إن الماء يجب أن يوجد أولا، حتى تستطيع أن تشربه؟ هل يصوغ لنا داروين، إذن، حقيقة نعرفها جميعا؟ لا، داروين يمارس الهذيان الفلسفي لا غير. إن الإنسان يحسن صفة أو صفات موجودة في الكائن الحي مرتبطة بتركيبته العضوية كما خُلق. أما الانتقاء الطبيعي فقد يكون، وفقا لداروين، قد انتقى، أو غير تركيبة هذا الكائن الحي تغييرا كبيرا، ومرات لا حصر لها، فما هو طير الآن سبق أن كان ديناصورا، وما هو حصان اليوم كان في الأصل كائنا بحريا مثل السمكة، وما هو خفاش اليوم تطور من حيوان رباعي الأرجل آكل للحشرات. لا شبه بين ما يفعله الزراعيون الآن وما يزعم داروين أن الانتقاء الطبيعي فعله عبر مئات الملايين من السنين. المزارعون في ساكسوني لديهم خروف له صفات، أو مزايا، أو تراكيب منحتها له الطبيعة أو منحها له الخالق. ما يريدونه هو تحسين الصفات والمزايا، لا غير.
تشعب الطابع
تحت عنوان “تشعب الطابع” يعود داروين إلى مناقشة مفصلة لدوامة التمييز بين النوع والضرب، ومشاكل تصنيفهما. ونحن نتابع هذا الموضوع لأن داروين يستخدمه في آخر المطاف كأساس من الأسس التي يقيم عليها ادعاءه بالتماثل بين التدجين والانتقاء الطبيعي. يقول داروين:
المبدأ الذي أعنيه بهذا المصطلح ذو أهمية كبرى، وهو يفسر كما أعتقد، العديد من الحقائق المهمة. وفي المقام الأول، فإن الضروب حتى المشهورة جدا، بالرغم من حيازتها لبعض ما من الطابع الخاص بالأنواع – وهذا يتضح من الشكوك غير المجدية في الكثير من الحالات فيما يتعلق بكيفية تصنيفها – إلا أنه من المؤكد أنها تختلف عن بعضها البعض بشكل أقل بكثير مما يحدث بين الأنواع الأصلية والمتباينة. وبالرغم من ذلك، وبناء على وجهة نظري، فإن الضروب ما هي إلا أنواع في مرحلة التكوين، أو أنها، كما أطلقت عليها، أنواع ابتدائية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 198)
معنى هذا أن المرء يرى أشكالا مختلفة من كائن حي ما، مثلا الطيور، ويرى أن بعض الأشكال بينها اختلافات كبيرة، فيقول إن هذه الأشكال كل منها نوع بحد ذاته. لكن بعضها بينها اختلافات بسيطة، فيقول إن هذه المجموعة التي بينها اختلافات بسيطة ضروب منحدرة من نوع معين. ويستطيع المرء أحيانا أن يرجع مجموعة من الضروب إلى النوع الذي تنحدر منه، فيقول إن هذا النوع تفرعت منه هذه الضروب التي هي مرشحة لاكتساب مزيد من الاختلافات ليصبح كل منها نوعا بحد ذاته.
هذا يمكن أن يجعلنا نعود إلى الخوض في موضوع الكتاب الأساسي “عن أصل الأنواع”. لكننا سنعرض عن ذلك لنشق طريقنا بين أكوام الحديث غير المتناسق لداروين إلى علاقة هذا الموضوع بالتدجين. الموضوع كله يتعلق بنشوء اختلافات بسيطة نتيجة التمايزات التي تنشأ عن الصراع. والفيلسوف داروين يسأل كيف أن هذه الاختلافات البسيطة بين الضروب في الطبيعة تصبح كبيرة:
فكيف حدث إذن أن الاختلافات الصغرى الموجودة بين الضروب قد ازدادت إلى أن أصبحت هذه الاختلافات الكبرى بين الأنواع؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 198/199)
سؤال ليس لديه عنه أي جواب بيولوجي. ولم يستطع أن يجد في طبقات الأرض دليلا على صحة ما يقول. وجرب غير ذلك، لكنه اهتدى الآن إلى ما يحسبه دليلا من عالم التدجين. فما هو الرابط بين هذا الموضوع وبين التدجين؟ يقول داروين:
ومرة أخرى، من الممكن أن نفترض أنه عند مرحلة مبكرة من التاريخ، فإن الرجال في إحدى الأمم أو إحدى المناطق قد كانوا في حاجة إلى جياد أكثر سرعة، بينما كان الرجال في منطقة أخرى في حاجة إلى جياد أقوى وأضخم في الجسم. ومن المحتمل أن الاختلافات المبكرة كانت بسيطة جدا، ولكن على مدى الزمن، ونتيجة للانتقاء المستمر للجياد الأكثر سرعة في إحدى الحالات، والأكثر قوة في حالة أخرى، فإن الاختلافات سوف تكون أكبر، وسوف تكون ملحوظة، كما لو كان قد حدث تكوين لسلالتين فرعيتين. وأخيرا، بعد مرور قرون، فإن هاتين السلالتين الفرعيتين سوف تتحولان إلى سلالتين متوطدتين ومتباينتين عن بعضهما. وكلما أصبحت الاختلافات كبيرة، فإن الحيوانات الأقل شأنا والتي تتميز بصفات متوسطة، مما يجعلها لا هي سريعة ولا شديدة القوة، لن يجري استخدامها بغرض الإنسال، وسوف تميل بهذا الشكل إلى الاختفاء، وهكذا فنحن نرى هنا في منتجات الإنسان التأثير الذي من الممكن أن نطلق عليه “مبدأ التشعب”، الذي يسبب اختلافات من الممكن بالكاد تقديرها في البداية، وتستمر في الزيادة باطراد، وإلى تباين السلالات في الطابع عن بعضها البعض أو عن آبائها المشتركة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، 199/200)
داروين يتخيل من جديد، ويفترض وجود رغبتين مختلفتين في الجياد لدى أمتين مختلفتين، إحداهما تريد جيادا سريعة والأخرى جيادا قوية وضخمة. ونتيجة “للانتقاء” الإنساني الجيد للجياد في الأمتين، تظهر سلالتان من الجياد، وبعد قرون (وكأن داروين تابع العملية سنة بسنة)، صارت السلالتان متوطدتين ومتباينتين. وبقية الجياد انقرضت. فيلم من وحي الخيال العلمي يبني على انتقاء فريقين من الناس لسلالتين من الجياد، وفناء كل السلالات الأخرى. عندما يصحو داروين من تخيلاته يجد أنه على أرض الواقع هناك سلالات لا حصر لها من الجياد، ليس فقط سريعة أو قوية! ثم إن السلالة السريعة يجب أن تكون، بالضرورة، قوية أيضا.
بعد التشعب في الحديث عن التشعب يعود داروين إلى السؤال الذي طرحه في بداية الفقرة عن كيفية تحول الاختلافات الصغرى الموجودة بين الضروب إلى اختلافات كبرى بين الأنواع. وهو يخبرنا بهذا الخصوص بشيء مهم في طريقة تفكيره قائلا:
وكما كانت دائما هي طريقتي، فأنا قد اهتديت إلى هذا العنوان من خلال منتجاتنا الداجنة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 199)
المنتجات الداجنة هي التي ألهمته الفكرة المتخيلة. أي، إن داروين سوف يستلهم أفكاره عن تشعب الطابع في الطبيعة من النموذج الإنساني للتدجين – وهنا افتراض انتقاء الجياد السريعة أو القوية. وبالفعل، فإنه بعد استعراض مفصل لتأثير رغبة بعض الناس في جياد سريعة، وبعضهم الآخر في جياد شديدة القوة، وما يؤدي إليه ذلك من اختفاء الجياد التي لا هي سريعة ولا هي شديدة القوة، وكذلك انتقاء الإنسان لسلالات من الطيور، أو الأبقار، والنباتات، يسأل داروين عن كيفية تفسير ما يحصل من تشعب الطابع في الطبيعة على ضوء تدجين الإنسان لحيواناته، أو تطبيق مبدأ التشعب الذي ضرب عليه مثلا في رغبة أمة ما في جياد سريعة، وأخرى في جياد قوية على الطبيعة:
ولكن من الممكن أن يثور تساؤل، عن كيفية استطاعة تطبيق أي مبدأ مماثل في الطبيعة؟ (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 200)
داروين ثبّت مثاله الافتراضي المتخيل كحقيقة، وكمبدأ يمارسه الإنسان بالفعل، ويريد الآن أن يرى كيف ينطبق ذلك المبدأ في الطبيعة! وهو يجيب عن سؤاله قائلا:
أنا أعتقد أنه من المستطاع وأنه يتم بالفعل تطبيقه بأعلى كفاءة (بالرغم من أنه قد مر وقت طويل قبل أن أتبين كيف)، وذلك مما يحدث ببساطة من أنه كلما زاد تشعب الذراري المنحدرة من أي نوع واحد في التركيب، والبنيان والسلوكيات، فإنها بنفس القدر تستطيع بشكل أفضل أن تستحوذ على أماكن عديدة ومتنوعة بشكل عريض في منظومة الطبيعة، وبذلك يكون باستطاعتها الزيادة في الأعداد. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 200)
لو أن طالبا في البيولوجيا قدم اليوم رسالة في نطاق شهادة البكالوريوس، وليس الدكتوراه، يقول فيها مثل هذا الكلام ، فإن المشرف على الرسالة، سيفترض أن هذا الطالب يتكلم تحت تأثيرات أدوية تسبب الهلوسة. أين هي البيولوجيا في هذا الكلام؟
داروين يعتقد أنه من الممكن تطبيق النموذج (أي ظهور سلالتين من حيوان معين نتيجة رغبة مجموعتين مفترضتين من الناس في صفتين مختلفتين – أي نتيجة انتقاء إنساني)، وبأعلى كفاءة في الطبيعة، مع أنه مر عليه وقت طويل قبل أن يتبين كيف. لكننا لا نرى أنه بين لنا كيف. إنه افترض وتخيل، وحسب. ونحن نعرف أنه كان يعرف نتيجة تخيلاته من زمن طويل. عرفها من الدكتور ويلس (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 40).
داروين يبين انطلاقا من حالة افتراضية، متخيلة عن كيفية نشوء سلالتين مختلفتين من الجياد، كيفية تطبيق نموذج عمل إنساني في الطبيعة، أي تماثل عمل الانتقاء الطبيعي مع تحسين الإنسان لصفات حيواناته الداجنة. مثال متخيل عن الجياد يفسر عن طريقه ما يفعله الانتقاء الطبيعي بالديدان، والقرود، والنعام، والتماسيح، والزراف، والأرانب، والفئران، والطيور، والجراد، والذباب، والفيل، وملايين غيرها من الكائنات الحية. داروين فعل نفس الشيء مع الانتقاء غير المقصود. وقبل ذلك مع أمثلته المتخيلة عن الذئاب السريعة والقوية. ما هي الهلوسة إن لم تكن ما يقوله داروين؟
داروين يدرك بنفسه الصعوبات الجدية التي تعترض طريق ادعاءاته، ويعترف بها علانية، ولكن يبدو أن القصد من الاعتراف هو الإيحاء للقارئ أن تلك الصعوبات لا تعني الكثير لكون ما يقوله حقيقة دامغة. انظر إلى هذا الاعتراف الذي يفتتح به الباب الخامس:
لقد تكلمت في بعض الأحيان كما لو كانت التمايزات – على شيوعها وتنوعها في الكائنات العضوية تحت تأثير التدجين – وإلى درجة أقل في تلك الكائنات الموجودة تحت تأثير الطبيعة – نتيجة مصادفة. وهذا بالطبع تعبير خاطئ تماما، ولكنه يفيد في الاعتراف صراحة بجهلنا بالسبب وراء كل تمايز معين. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 230)
بعد كل هذه الفلسفة عن الصراع على الغذاء والبقاء للأصلح، ومحافظة الانتقاء الطبيعي على المفيدة من التمايزات، وعن إعطاء الطبيعة تمايزات يكدسها الإنسان في اتجاه لصالحه في حالة التدجين، يقول داروين أنه يجهل السبب وراء كل تمايز! هذا هو جوهر الاعتراضات على هلوساته، سواء في زمنه من قبل السيد ميفارت والآخرين، أو الآن حيث صارت كهنوتيته أكبر الكهنوتيات على الإطلاق. إنه جاهل بحقيقة ما يحصل في الطبيعة من معجزات تحتم وجود فاعل واعٍ، ذي إرادة، وقادر على التنسيق والخلق، والخلق من جديد.
لكنه يمر على الجوهرة التي نطق بها مرور الكرام، ويعود إلى نقض ما قاله، ويحدد السبب الذي قال قبل لحظات إنه يجهله:
من إحدى النواحي فإنه من الممكن أن يقال إن ظروف الحياة، لن تسبب فقط القابلية للتمايز، سواء بطريق مباشر، أو غير مباشر، ولكنها بالمثل تتضمن الانتقاء الطبيعي، وذلك لأن الظروف تقرر إذا ما كان هذا أو ذاك الضرب سوف يبقى على قيد الحياة. ولكن عندما يكون الإنسان هو العنصر المنتقي، فإننا نرى بشكل واضح أن العاملين الخاصين بالتغيير هما عاملان متباينان عن بعضهما، وأنه يحدث بطريقة ما إثارة لقابلية التمايز، ولكنها إرادة الإنسان هي التي تكدس التمايزات في اتجاهات معينة، وأن هذه القوة الأخيرة هي المسؤولة عن بقاء الأصلح على قيد الحياة تحت تأثير الطبيعة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 232)
وكان قد قال عكس هذا أيضا سابقا (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 90/91).
دعنا نتناول الجزء الأخير من الاقتباس من الصفحة 232 أعلاه، لنبين الربط التعسفي الذي لا ينفك داروين يحاول إنشاءه بين نموذجين غير قابلين على المقارنة. نسأل، أولا، ما هما العاملان الخاصان بالتغيير اللذان يقول داروين أنهما، في حالة كون الإنسان هو المنتقي، متباينان عن بعضهما؟ بتمعن عميق في الفقرة، وبما قبلها وبما بعدها، نستنتج أن العامل الأول هو “إثارة قابلية التمايز” بطريقة ما. أما العامل الثاني فهو إرادة الإنسان التي تكدس التمايزات في اتجاهات معينة. ونسأل ثانيا، كيف هما، أي العاملان، متباينان؟ ونسأل ثالثا، إلامَ تشير عبارة “وأن هذا العامل الأخير هو الذي ينطبق على بقاء الأصلح على قيد الحياة تحت تأثير الطبيعة”؟ إن العبارة تأتي مباشرة بعد عبارة “ولكنها إرادة الإنسان هي التي تكدس التمايزات في اتجاهات معينة “هل إرادة الإنسان هي التي تنطبق على بقاء الأصلح على قيد الحياة تحت تأثير الطبيعة؟ أم أن هناك في الطبيعة إرادة موازية أو مماثلة لإرادة الإنسان؟ إن كلام داروين لا يحوي أي عنصر من علم البيولوجيا، ولذلك لا يُحاسب على علمه. إنه يحاسب أولا وأخيرا على طبيعة عمله الفلسفي الذي يتطلب أن تكون صياغاته دقيقة. أين الدقة في هذا الصياغات المهلهلة؟
التعويض ونظام النمو
ويبقى داروين يدور في دوامة التماثل بين التدجين وبين الانتقاء في الطبيعة. وهنا يعرض ما يسميه قانون “جيوفري الكبير” و”جوته” (Goethe) بخصوص “التعويض” أو “توازن النمو”، والذي يورده عن جوته كالآتي:
من أجل الإنفاق على جانب واحد، فإن الطبيعة مضطرة إلى التوفير على الجانب الآخر. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 248)
داروين يرى أن هذا ينطبق على الحيوانات الداجنة:
وأنا أعتقد أن هذا يتفق إلى حد ما مع منتجاتنا الداجنة: فإذا سرت المواد الغذائية إلى أحد الأجزاء أو أحد الأعضاء بشكل زائد، فإنها من النادر أن تسري، على الأقل بشكل زائد إلى جزء آخر. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 248)
هذا، مع أنه يقول إن المنتقي في حالة التدجين هو الإنسان، فلا مجال في هذه الحالة لتدخل الطبيعة للإنفاق على جانب والتوفير في جانب آخر؛ الإنسان، خاصة في المزارع، يعطي الكائن الحي الذي في عهدته من الغذاء ما يراه كافيا. ثم كيف قاس داروين ما يذهب من الغذاء إلى كل جزء من الجسم، بحيث أن جزءً ما يأخذ زيادة على حساب جزء آخر؟ ويعطي مثالا البقرة التي يمكننا إما جعلها تدر الكثير من اللبن أو تصبح سمينة، وليس كليهما في نفس الوقت (معلومة لا نناقشها هنا فهي متروكة للاختصاصيين). ويعطي مثالا آخر عن نفس الضروب من نبات الكرنب التي إما أن تدر أوراقا كثيرة ومغذية، أو تنتج بغزارة البذور الحاملة للزيت. إذن، صار الغذاء الآن في نظر داروين هو المتحكم في كمية اللبن. حسنا، كان في السابق قد قال إن الاستخدام يتحكم في حجم الضرع، وفي وزن سيقان البط الداجن وأجنحة البط الوحشي! بل هناك من يقول أن توقف الأنثى عن الإرضاع يؤدي إلى انقطاع اللبن، أي أن الاستخدام، في هذه الحالة، يتحكم أيضا في كمية اللبن! ونعرف الآن أن الإنسان يستخدم الهرمونات لأغراض مختلفة في حالة التدجين.
أما مع الأنواع في البيئة الطبيعية، كما يرى داروين:
فإنه من الصعب أن يقال إن القانون ذو تطبيق عام، ولكن الكثير من المراقبين الجيدين، وبشكل خاص علماء النبات، يؤمنون بصدق ذلك. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 249)
دعنا نتفق معه في قوله “من الصعب” مما يعني أنه ليس كل ما يمكن أن يحدث في التدجين ينطبق على الطبيعة. ولكنه لا يحسم الأمر تماما، فهو يضيف: مع ذلك، هناك علماء جيدون يؤمنون بصدق ذلك. ولا يذكر أحدا من العلماء الجيدين! ولا يريد إعطاء أمثلة من الطبيعة مبررا ذلك بوضوح بعدم تطابق هذا القانون مع قوانين التمايز. يستطرد قائلا:
وعلى العموم فأنا لن أعطي أي أمثلة هنا، وذلك لأنني أجد صعوبة في أي طريقة قد تتبع للتفرقة بين التأثيرات، على أحد الجوانب، الناتجة من أحد الأجزاء التي تنمو بشكل كبير من خلال الانتقاء الطبيعي، وجزء آخر مجاور قد حدث فيه نقصان عن طريق نفس العملية، أو عن طريق الاستخدام، وعلى الجانب الآخر، الانقطاع الفعلي للمواد الغذائية من أحد الأجزاء نتيجة للإسراف في نمو عضو مختلف ومجاور. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 249)
ويضيف على ذلك:
وأنا أشك أيضا في أن بعض حالات التعويض التي قد تم تقديمها، وبالمثل بعض الحقائق الأخرى، من الممكن أن تندمج تحت مبدأ أكثر عمومية، ألا وهو أن الانتقاء الطبيعي يحاول باستمرار أن يدبر اقتصاد كل جزء من التعضية. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 249)
كيف يؤمن شخص عالم في أن الانتقاء الطبيعي يحاول باستمرار أن يدبر اقتصاد كل جزء من التعضية، لكنه يعجز عن إعطاء مثال على هذا التدبير؟ حسنا، الموضوع شائك، وداروين يتجنب إعطاء أمثلة من الطبيعة، لكن عنده أمثلة من التدجين، البقرة والكرنب. مع هذا لا يتردد عن اعتبار هذا الموضوع دليلا على التماثل بين ما يسميه الانتقاء الإنساني وبين الانتقاء الطبيعي.
وداروين يتحدث عن افتراضات غامضة كثيرة عن الطبيعة يدرك أنها غير مفهومة، فيرينا طريقة تسهّل علينا فهمها، وإلا فإننا إذا أردنا فهمها فإننا نحتاج إلى ورقة وقلم لنرسم ما يقوله حتى تكون أمامنا صورة توضيحية للكلام الغامض. الجانب الوحيد الذي يمكن ملاحظته في الافتراضات الغامضة بسهولة هو عودة داروين مرة أخرى إلى الاستعانة بالنموذج المصغر من الطبيعة، أي التدجين على يد الإنسان، لفهم الافتراضات الغامضة عن الطبيعة، بالاستعانة بخبراته من التدجين، فيذكرنا بتخصصه في الحمام الداجن. يقول:
هذه الافتراضات سوف يمكن فهمها بسهولة عن طريق النظر إلى سلالاتنا الداجنة. فإن أكثر أعراق الحمام تباينا، والتي تعيش في بلدان متباعدة عن بعضها بمسافات شاسعة، تظهر فيها ضروب فرعية تتميز بريش معكوس الاتجاه على رأسها، وبشعر على القدمين، وهي صفات غير موجودة في حمام الصخور الأرومي. وبهذا فإن هذين هما ضربان متماثلان تابعان إلى اثنين أو أكثر من الأعراق المتباينة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 261)
وداروين ينسج قصصا على أساس استفسارات قام بها حول صفات في الحمار، وأخرى في الحمار الوحشي، والحصان، ويستنتج منها أمورا يعتبرها مؤكدة، ويؤمن هو بأنها صحيحة. انظر إلى هذه الفقرة:
وعلى العموم، فأنا سوف أقوم بتقديم إحدى الحالات الغريبة والمعقدة، وذلك بالتأكيد ليس لأنها تؤثر على أي طابع مهم، ولكن انطلاقا من حدوثها في أنواع كثيرة مختلفة تابعة لنفس الطبقة، الواقعة بشكل جزئي تحت تأثير التدجين وبشكل جزئي آخر تحت تأثير الطبيعة. وهي حالة من المؤكد أنها خاصة بالارتداد. فالحمار لديه في بعض الأحيان خطوط عريضة مستعرضة واضحة على أرجله، مثل تلك الموجودة على أرجل الحمار الوحشي المخطط، وقد تم التأكد من أن هذه العلامات تبدو في أوضح صورها في المهر، ومن الاستفسارات التي قمت بها، فأنا أؤمن بأن هذا صحيح. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 266)
ولا يسأم داروين من شرح كيفية قيام الانتقاء الطبيعي بدوره في جميع الحالات العادية، فيعطي أمثلة من التدجين على يد الإنسان:
فالإنسان قد قام بتعديل البعض من حيواناته دون الحاجة للاهتمام بتفاصيل خاصة في التركيب، وذلك ببساطة عن طريق الحفاظ والاستيلاد من أسرع الأفراد، كما في حصان السباق وكلب الصيد السلوقي، أو كما فعل في حالة ديك المصارعة، وذلك بالإنسال من الطيور المنتصرة. وهذا هو الحال مع الزراف في بداية نشوئه تحت ظروف الطبيعة، فإن الأفراد التي كانت ترعى أعلى ولو ببوصة أو بوصتين فوق الآخرين، فهي التي كانت غالبا سوف تبقى، وذلك لأنها سوف تكون قد جاست خلال كل بقاع القطر بحثا عن الطعام. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 352)
التغيرات الموروثة للعادة أو الغريزة في الحيوانات الداجنة
يستخدم داروين ما يحدث تحت التدجين أيضا لتفسير ما قد يكون حدث بفضل العادة والانتقاء الطبيعي قبل ملايين السنين في مجال تطوير الغرائز. إنه اطلع – من خلال أبحاث الآخرين، على بعض الحالات في التدجين فأسقط المعلومات التي استقاها من تلك الأبحاث على ما يمكن أن يحصل في الطبيعة. ومنطلقه هو أن:
إمكانية أو حتى احتمال حدوث، التدريجات الموروثة للغريزة في البيئة الطبيعية سوف تزداد قوة بعد الدراسة بإيجاز لبعض الحالات القليلة التي حدثت تحت تأثير التدجين. وبالتالي فنحن سوف نستطيع أن نشاهد الدور الذي قد لعبه كل من العادة والانتقاء الخاصين بما يسمى بالتمايزات العفوائية، في تحوير القدرات الذهنية لحيواناتنا الداجنة. وإنه لشيء غريب ملاحظة إلى أي مدى تختلف حيواناتنا الداجنة في قدراتها الذهنية. فمع القطط – على سبيل المثال – فواحدة منها تتجه بالطبيعة إلى الإمساك بالفئران، والأخرى بالجرزان، والمعروف عن هذه القابليات أنها متوارثة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 400)
ويسجل داروين هنا بفخر واعتزاز ملاحظته بأن الدجاج الذي أصبح، بفضل التدجين والاعتياد متمدينا، فقد بعضا من غرائزه من زمن الوحشية، مثلا لم يعد خائفا من القطط والكلاب. هل يحصل ذلك بفضل تدخل الإنسان لتعديل غرائز الدجاج؟ أم أن الانتقاء الطبيعي يرى أن زوال الخوف عند الدجاج تمايز مفيد – (له أم للإنسان؟)، فيحافظ عليه، ويورثه إلى الصيص والفراريج؟ أم أنه انتقاء غير مقصود؟
داروين يختتم كل مقارناته، باستنتاج نهائي هو:
ولا يوجد هناك ما يفسر لماذا لا تكون المبادئ – التي كان لها مفعول على هذه الدرجة من الكفاءة تحت تأثير التدجين – فعالة تحت تأثير الطبيعة. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 747)
هل كان ما ناقشه داروين حتى الآن قوانين أم فرضيات، أم مبادئ؟ لا فرق، فداروين لا يميز بين المصطلحات والمفردات. المهم هو إثبات صحة ما كان الدكتور ويلس قد قاله، وتبناه داروين:
أن المزارعين يقومون بتحسين حيواناتهم الداجنة عن طريق الانتقاء، ثم بعد ذلك أضاف، أن ما يتم عمله في الحالة الأخيرة “بواسطة المهارة، يبدو أنه يتم عمله بنفس الكفاءة بواسطة الطبيعة، ولو أن ذلك يتم بمعدل أكثر بطئا، وذلك في تشكيل الضروب المختلفة للجنس البشري، وذلك لملاءمة القطر الذي يقطنونه …”. (ترجمة “أصل الأنواع”: الدكتور مجدي محمود المليجي – عام 2004، ص 40)
داروين لم يفعل في خوضه في موضوع التدجين غير البحث عن أدلة على صحة ما كان الدكتور ويلس قد قاله. لكنه لم يفلح. إن ما هو أصعب من الصعوبات التي تواجه داروين هو أن يأخذ المرء هذه الشعوذة على محمل الجد!
يتبع ..
2021-02-11