تسليم السلاح لا يعني السلام!
فاطمة الموسوي
في ظلّ واقعٍ يتآكل كالجمر تحت أقدامنا، والمنطقة كلها واقفة على صفيحٍ ساخن، فيما العدو يتقدّم بلا خجل، يقتطع من الأرض قطعةً قطعة، ويعيد رسم الخرائط على دمنا… يُطلّ علينا اليوم مشهد تسليم السلاح بوصفه “حلاً”، وهو في الحقيقة إعلان عجز، وبلاغ استسلام، وطعنة في خاصرة العراق المحاصر. ورغم كلّ مآخذي الكثيرة على الفصائل العراقية المسلحة، ورغم نقدي الصريح لتجربتها وأخطائها، إلا أنّني أرى—وبوضوح لا يحتمل التأويل—أن تسليم السلاح في هذا التوقيت بالذات ليس قرار دولة، بل مغامرة انتحارية. هو خنجر في ظهر بلدٍ يعيش أصلًا تحت وطأة الاحتلال الأميركي من جهة، وتآمر الجوار من جهة أخرى، ووسط إقليمٍ يُعاد تفكيكه حجراً حجراً. بعد سقوط سوريا، وبعد أن رأينا كيف تُسلَّم الدول من الداخل، كيف تُفرَّغ من عناصر القوة ثم تُرمى للذبح، يأتي من يطلب من العراق أن يخلع آخر دروعه بيديه. سحب السلاح اليوم لا يعني تهدئة، بل يعني فتح الأبواب على مصاريعها لسيناريو أشدّ سواداً من 2014. يعني أن ما ينتظرنا ليس شبح داعش فقط، بل فوضى هوية، ومجازر انتقائية، وسكاكين تُشهر بوجوه الناس:(إنت شيعي لو سني؟ مسلم لو مسيحي؟ من وين؟ ولمين؟) الفصائل وقادتها الذين هرولوا إلى الموافقة على التسليم—باستثناء النجباء وكتائب حزب الله—كشفوا الحقيقة العارية: هناك من استخدم “المقاومة” سلّماً للمناصب، لا عقيدةً للمواجهة.وهناك من كان مقاوماً فعلاً، شرساً في وجه الأميركي، ثابتاً في حرب الإسناد مع غزة، ولم يبدّل جلده ساعة الامتحان. وهنا يظهر الفرق جليّاً، فاضحاً، لا يحتاج خطابات ولا بيانات.الفرق بين من كان سلاحه موقفاً، ومن كان موقفه موسماً. لا أملك أمام هذا المشهد إلا أن أقول: العار كلّ العار لقادة الفصائل الجبناء الذين رضخوا للإملاءات الأميركية، وباعوا وهم “السيادة” بثمن السلامة الشخصية. ولا نزال—وسنبقى—نسألهم بسخرية مرة:
شنو لازمة عليكم أمريكا إذا؟ تسليم السلاح لا يعني السلام،
يعني تسليم الرقاب. يعني أن العراق يُدفع دفعاً ليكون النسخة القادمة من المشاهد السورية: فوضى، إهانات، اقتحامات، وانتهاك بلا سقف. وبالعراقي الواضح: راح ننهتك هتيكة. وما يُراد للعراق اليوم ليس دولة بلا سلاح، بل شعب بلا حماية، وأرض بلا أنياب، وذاكرة بلا مقاومة.
2025-12-22