تركيا وألمانيا .. وحسابات الحرب مع روسيا
د. عمر ظاهر
تتصاعد حدة الخلافات التركية الألمانية بوتيرة ملفتة للانتباه، فالبلدان لا يتبادلان الاتهامات وحسب، بل ويقومان أيضا باتخاذ إجراءات عقابية بحق أحدهما الآخر. وتطال هذه الإجراءات كل مجالات العلاقات بينهما، الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية.
هذه الخلافات كانت قد ظهرت إلى العلن قبل استفتاء تركيا على النظام الرئاسي الجديد في حزيران الماضي، حين تدخلت ألمانيا بشكل صريح في أمر ذلك الاستفتاء عبر حملات إعلامية شديدة القسوة على شخص الرئيس التركي أردوغان، وضد تغيير النظام الرئاسي في تركيا، ومن ثم قيام ألمانيا بمنع زيارات مسؤولين أتراك لألمانيا بهدف التحدث إلى الجالية التركية في البلد التي تقدر ببضعة ملايين.
وأضافت ألمانيا إلى ذلك إفساحها في المجال لحزب العمال الكردستاني، الذي تخوض تركيا حربا شعواء ضده، بالقيام بأنشطة معادية لتركيا، رغم وجود الحزب المذكور على قائمة الإرهاب في الغرب عموما. وتستمر ألمانيا في فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، وتحرض على نظام الحكم فيه بمختلف الأشكال، وتقوم بحملة واسعة لاستصدار قرارات من الاتحاد الأوروبي تغلق أمام تركيا بصورة نهائية باب دخول الاتحاد، على الأقل طالما بقي أردوغان رئيسا لتركيا.
الرد التركي لم يكن أقل قسوة وإيلاما، فقد منعت السلطات التركية بشكل مهين الألمان من زيارة وحداتهم العسكرية في قاعدة أنجرليك، ولم يلن الموقف التركي أمام التهديد بسحب تلك الوحدات، الأمر الذي حدث بالفعل. وتقوم تركيا حاليا برد الصاع لألمانيا في مسألة الاستفتاء، إذ تحرض المواطنين الألمان من ذوي الأصول التركية على عدم منح أصواتهم إلى الأحزاب التي تعادي تركيا. ولم يتوان الرئيس التركي شخصيا في التهجم على ألمانيا والتذكير بماضيها النازي.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا هو سر هذه الحالة من العداء التي ظهرت فجأة واستفحلت في فترة زمنية قصيرة بين بلد يعتبر أكبر البلدان الأوروبية التي يحمل مواطنون أتراك جنسيتها، وبين تركيا التي مدت قبل سنة لا أكثر يد العون إلى ألمانيا في مسألة إيقاف زحف ملايين اللاجئين إلى أوروبا، وإلى ألمانيا بشكل خاص، ما حدا بألمانيا إلى مكافأتها باتفاقية تضمنت منح تركيا مليارات عديدة بقصد استيعاب اللاجئين في أراضيها، إضافة إلى وعد بحرية دخول الأتراك إلى دول الاتحاد دون الحاجة إلى تأشيرة.
هل يكمن السر في أن ألمانيا حريصة فعلا على الديمقراطية في تركيا، وترى أن النظام الرئاسي الجديد يقوض هذه الديمقراطية؟ هل ألمانيا حريصة حقا على حرية الإعلام في تركيا بحيث تضحي بمصالحها الحيوية مع هذا البلد من أجل سواد عيون الإعلاميين الأتراك الذين ينتقدون توجهات أردوغان وحزب العدالة؟ ثم إن ألمانيا، شأنها شأن كل الدول الغربية الاستعمارية، لها علاقات متميزة مع بلدان ليس وضع الديمقراطية وحرية الإعلام فيها أفضل مما هي في تركيا.
لا أحد يمكن أن يأخذ بجدية ادعاءات أي بلد غربي في الحرص على الديمقراطية والحرية والرخاء خارج بلدان الغرب، ولعل الحرص الأمريكي على الديمقراطية في العراق، وحرص فرنسا على الحرية في ليبيا، وحرص الغرب برمته على إزالة “الدكتاتورية” من سورية أمثلة تعري بلدان الغرب من ثوبها لتبدو على قبحها الحقيقي فيما يتعلق بحقوق الإنسان والديمقراطيات والحريات في العالم خارج أوروبا والغرب عامة. إن أي حديث من هذا القبيل مبطن في الحقيقة بمصالح غربية بشعة يقتضي تحقيقها القضاء المبرم على أي أمل في نشوء ديمقراطيات وأنظمة إنسانية خارج الغرب، خاصة في العالم الإسلامي.
إن البحث عن السر في حالة العداء هذه لا ينبغي له أن يجري في دائرة الديمقراطية وحرية الإعلام في تركيا، رغم أن بعض الناس قد يقولون عن مزاعم الألمان بأنها كلمة حق يراد بها باطل. السر يكمن في أمور أخرى تماما، وتحديدا في الوضع الأوروبي الذي نشأ في السنتين الأخيرتين، حيث تزعزع من جهة استقرار حلف شمالي الأطلسي بوصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض الأمريكي، واهتزت من جهة أخرى الثقة بمستقبل الاتحاد الأوروبي إثر خروج بريطانيا من الاتحاد.
ما يتعلق بحلف شمالي الأطلسي فقد يكون من المبكر الحكم على مساره المستقبلي، لكن من المؤكد أن وضع هذا الحلف بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض ليس كما كان قبل وصوله، وأوروبا تدرك بعمق وقلق أنها ستتحمل تدريجيا مسؤولية الدفاع عن نفسها كاملة بعد عقود من الاعتماد على المظلة الأمريكية. إن زوال هذا الاعتماد يصحبه شعور خفي بالارتياح لأنه سيؤدي إلى زوال الهيمنة الأمريكية على مقدرات القارة الأوروبية. إن أوروبا تتحفز، وتعيد تموضعها في الوضع العالمي الجديد.
أما احتمال انهيار الاتحاد فلم يعد هما مباشرا لأوروبا، لكنه لم يزُل تماما، بل سيتجدد هذا الهم كلما اقترب موعد الانتخابات في البلدان المرشحة للانسحاب منه. إن وضع الاتحاد قد سكن بعض الشيء بعد الانتخابات الهولندية والفرنسية اللتين انتهتا بخسارة اليمين القومي الذي كان سيسير على خطى بريطانيا في الخروج من الاتحاد، لكن اليمين القومي في كل بلد أوروبي لن يهدأ له بال حتى يحقق ما يخطط له، ولديه الكثير من الأوراق التي تؤثر على عقل الناخب ومزاجه، خاصة ما يتعلق بالتهديد الإسلامي، أو ما يطلق عليه “الإرهاب الإسلامي”، و”الغزو الإسلامي” لأوروبا. اليمين الأوروبي يسير بخطى حثيثة نحو أهدافه رغم الانتكاسات المؤقتة. نعم إنها انتكاسات مؤقتة لأن المعسكر المناوئ لليمين القومي المتطرف لا يقدم إلا حلولا ترقيعية لمشاكل أوروبا التي تتسع بشكل مثير للقلق.
وإذا أضفنا إلى الوضع كله البعد المخيف المتمثل بالتهديد الروسي، فإننا نكون أمام وضع واضح يكون فيه أمرا حتميا أن تعيد ألمانيا حساباتها، وتتهيأ لما سيجلبها لها المستقبل من تحديات. إنها هي الأقوى اقتصاديا وسياسيا، ومن الطبيعي أن تطمح إلى لعب دور أساسي في أوروبا التي ستتولى، بعد انقشاع الهيمنة الأمريكية، أمر الدفاع عن نفسها.
هل سيكون هناك من ينافس ألمانيا على تولي قيادة أوروبا؟ إن المنافس الوحيد قد يكون الفرنسيون، لكن فرنسا ستبقى طويلا على الحافة فيما يتعلق بوجودها في الاتحاد، وهي ليس لها أصلا مثل مؤهلات ألمانيا، خاصة في المجال الاقتصادي الذي تحتاج بلدان الاتحاد إليه كي يبقى الاتحاد على قيد الحياة. ألمانيا مقبلة على قيادة أوروبا في مرحلة ستكون مليئة بالمطبات السياسية والاقتصادية.
هذه القيادة لا يستطيع أحد التكهن بطبيعتها وبالستراتيجيات التي ستتبعها، والتوازنات التي ستقيمها، أو تتموضع فيها. وكل هذا في ظل وضع داخلي لا ينبغي تجاهله، رغم التعتيم الإعلامي التام عليه، ألا وهو القوة الصامتة التي تكتسبها النازية الجديدة، في ألمانيا بالذات. إن الإقبال المذهل على قراءة كتاب هتلر “كفاحي” الذي نشر مؤخرا لأول مرة في ألمانيا، يدل على أن الذاكرة الألمانية بدأت تنهض من تحت تأثير التخدير الذي تعرضت له منذ سقوط ألمانيا الهتلرية. إن شكل هذه القيادة سيتضح أكثر ساعة يدق بلد آخر من بلدان الاتحاد الأوروبي مسمارا في نعش الاتحاد الذي سيبقى إلى حينه قائما على سلطة برلمان منتخب.
إن الوضع الداخلي لأوروبا بمجمله مضافا إليه الوضع المقلق في العلاقات مع روسيا يجعل القول بأن أوروبا تعود بشكل أو بآخر إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب العالمية الثانية قولا غير مبالغ فيه. إن الخطر الروسي تحديدا يصبح الآن العنصر الأساسي في صياغة أوروبا، وسيكون حاسما أيضا في بروز شكل القيادة الألمانية لأوروبا.
إنه على ضوء الحسابات المحتملة للتصادم بين روسيا وأوروبا بقيادة ألمانيا، وليس غير ذلك، يمكن فهم الخلافات التركية الألمانية.
إن هذه الخلافات هي في الحقيقة تعبير عن رغبة ألمانية عميقة في علاقات أفضل مع تركيا. المجانين وحدهم يمكن أن يفكروا بعلاقات ألمانية سيئة مع تركيا في ظل التفكك الذي يهدد حلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي، ويضع ألمانيا في دور القيادة لأوروبا. إن ألمانيا تشعر أنها أحوج ما تكون إلى حليف قوي بحجم تركيا التي بإمكانها أن تكون خط الدفاع الأول لها في أي صراع عسكري بين أوروبا التي ستقودها وبين روسيا، خاصة أن تركيا هي أصلا عضو في حلف شمالي الأطلسي. وهنا بيت القصيد! … فتركيا التي تناسب ألمانيا القائدة لأوروبا هي في الحقيقة ليست تركيا “ديمقراطية” كما تزعم ألمانيا في العلن، بل إن تركيا التي تريدها ألمانيا هي تركيا التي يتحكم بها العسكر، خاصة تلك النخبة من الجنرالات الأتراك المنتشرين في مكاتب حلف الأطلسي، والذين يبلغ عددهم المئات، والذين (كان) يمكنهم قولبة تركيا حسب مقتضيات مصالح الحلف، ومن ثم مقتضيات مصالح من سيرث قيادة الحلف، أو على الأقل جناحه الأوروبي. الحديث عن الديمقراطية والحرية كاذب هذه المرة أيضا كما كان على الدوام.
مشكلة ألمانيا مع تركيا تكمن في أن الأخيرة تنحو في هذا الوقت بالذات، الذي تريد فيه ألمانيا أن تطمئن إلى كونها تحت جناحيها، وبخطى واسعة باتجاهات لا تتماشى مع الرغبة الألمانية بالمرة، لأنها تترك فراغا عسكريا كبيرا، وتتسبب في عزلة ألمانيا وتقوقعها داخل القارة، تماما كما كان حالها عشية الحرب العالمية الثانية. هذه الاتجاهات التي تزعج ألمانيا يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط رئيسية:
أولا) تركيا تعيش رغبة شديدة في الاستقلال بقرارها السياسي والعسكري، والتموضع كدولة قوية ذات وزن وماض سلطاني، وهنا فإن تركيا عمدت، بعد التطورات الأخيرة فيها بعد الانقلاب الفاشل في تموز من العام الماضي، عمدت إلى تأكيد هذه الرغبة بشكل ملفت للنظر بالتصفيات الواسعة التي شملت كبار الجنرالات الذين كانوا يحظون بثقة الغرب، وبشكل خاص الجنرالات الأتراك المندوبين إلى مؤسسات حلف شمالي الأطلسي، والذين كان الحلف واثقا من ولائهم له، ومن قدرتهم على تحريك الداخل التركي. إن النظام الجديد في تركيا أبعد إلى مدى كبير يد حلف شمالي الأطلسي المسلطة عليه من خلال حرمانه من أي تنسيق بين أولئك الجنرالات وجنرالات الداخل. بل إن المعادلة انقلبت لأن مندوبين جدد حلوا محل الذين جرت تصفيتهم، وهؤلاء يثق النظام بولائهم له.
إن غضب ألمانيا على تركيا بدأ تحديدا مع تغيير طاقم الجنرالات الأتراك في مؤسسات حلف الأطلسي بعد الانقلاب الفاشل، ولا علاقة له لا بالديمقراطية وحرية الإعلام، ولا بالنظام الرئاسي الجديد الذي يقول الأتراك إنه شبيه للنظام الرئاسي الفرنسي الذي لم تعترض عليه ألمانيا في يوم من الأيام.
ثانيا) إن تركيا بدأت وبكل قوة تمد يدها شرقا باتجاه التعاون الوثيق مع بلدان آسيا، وهي تقطع في هذا المجال أشواطا كبيرة، وهذا من شأنه إضعاف قبضة الاتحاد الأوروبي أيضا عليها من خلال الابتزاز حول العضوية في الاتحاد الذي تخلى الأتراك عن عقد الآمال عليها بشكل واضح.
ثالثا) تقوم تركيا بتوطيد صلاتها مع روسيا. وتتعامل هذه الأخيرة مع تركيا معاملة الند للند الأمر الذي يريح تركيا إلى حد بعيد، ويرضي شعورها بكونها قوة مستقلة. ولا شك في أن روسيا تعمل قدر المستطاع على تحييد تركيا، أو حتى جرها إلى جانبها. ولعل فكرة السماح لروسيا باستخدام قاعدة إنجرليك التي كان استخدامها حتى الآن حكرا لحلف شمالي الأطلسي، والأهم من تلك الفكرة صفقة الصواريخ من طراز س 400 الروسية التي قطع البلدان شوطا كبيرا في التفاوض حولها، خير دليل على تنامي الثقة والتعاون بين البلدين.
كل هذه التوجهات تزعج ألمانيا إلى حد بعيد، وتجعلها تقوم بتصرفات غير ذكية هدفها ردع تركيا من التمادي في نزعة الاستقلال عن الحلف الذي ستقوده ألمانيا، لكنها تصرفات تنتهي في آخر المطاف إلى تعميق الهوة بين الطرفين. وعلى ما يبدو فإن الأتراك يدركون أن ألمانيا تقوم معهم بلعبة جر الحبل، وهم مستعدون لجر الحبل إلى حد التوتر الأقصى.
ليس من الممكن التكهن بوقت نهاية هذه اللعبة، لكن الأمر الأكيد هو أن الألمان سيدركون إن عاجلا أو آجلا أن تغيير المسار الجديد لتركيا بما يتناسب ومصالحهم لم يعد ممكنا ذلك لأن أوراقهم في اللعبة تحترق الواحدة تلو الأخرى، فما حصل في تركيا منذ تموز 2015، عسكريا وسياسيا، يشبه إلى حد كبير ما حصل في العراق عام 1968 حين تخلصت قيادة حزب البعث من كافة البؤر العسكرية التي كانت تشكل خطرا عليها، ورفدت الجيش بدم جديد من الشباب المؤمنين بعقيدته. تبعت ذلك مرحلة قصيرة من الضعف بسبب اختفاء الكوادر العسكرية ذات الخبرة، إلا أن ذلك كان بداية تكوين جيش عقائدي اعتبر الأول في قوته في الشرق الأوسط. إن أردوغان الذي قال يومها أن الانقلاب الفاشل كان هدية من السماء قد وضع يده على عقل العسكرية التركية، وصار يتحكم إلى حد بعيد بشرايينها، خاصة الاستخبارات. ملخص الكلام في هذا أن طريق الانقلابات العسكرية في تركيا أصبحت مسدودة تماما. وليس هذا وحسب، بل إن الجيش التركي، الذي يعتبر أصلا ثاني أكبر جيوش حلف شمالي الأطلسي، ومن بين الجيوش العشرة الأقوى في العالم، قد يحقق نجاحا لن يقل عما تحقق في العراق في سبعينيات القرن الماضي. نظام أردوغان لا يمكن تغييره بانقلاب عسكري.
أما ورقة عضوية الاتحاد الأوروبي فتحترق بدورها تدريجيا، ذلك لأن الغالبية العظمى من الأتراك اقتنعوا مع مرور الوقت باستحالة حصولهم على عضوية هذا الاتحاد، أو حتى على اتفاقية ثنائية لإعفاء المواطنين الأتراك من دخول دول الاتحاد دون تأشيرة. وكل هذا، في رأي الأتراك، لأن تركيا بلد إسلامي لا مكان له في اتحاد مسيحي، ولا علاقة لذلك بالديمقراطية أو بحرية الإعلام. تركيا لم تمنح حق العضوية في الاتحاد حتى في ذروة رضى الغرب عنها وعن ديمقراطيتها وعن وضع حرية الإعلام فيها. ولهذا فإن أي تقدم يحرزه نظام أردوغان في التقارب مع المنظومات الاقتصادية والسياسية الآسيوية سيزيد من قناعة الأتراك بوجود بدائل عن الاتحاد الأوروبي، وسيسود بالتالي بين الأتراك الشعور بأن حاجة أوروبا إلى تركيا أكبر بكثير من حاجة تركيا إلى أوروبا.
في الحقيقة ما يزال حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عالقا في أذهان بعض السياسيين الأتراك، وتحديدا في حزب الشعب الجمهوري بقيادة كليتشدار أوغلو، إلا أن ألمانيا لا تستطيع تعليق الآمال على حزب صغير يواجه موجة عارمة من الروح القومية التركية التي تزداد اتساعا بشكل طردي مع الشعور بالمخاطر التي تهدد تركيا.
إن بعض أوراق اللعبة عبثية فعلا، ومنها ورقة السياحة، فقد شهدنا في الفترة بعد الانقلاب الفاشل أن بلدانا في أوروبا، وفي مقدمتها ألمانيا، ما أن تعرف بضعة أسابيع تنقطع فيها الأعمال الإرهابية المنسوبة إلى ما يسمى “الدولة الإسلامية”حتى تنفر جميعا إلى تحذير مواطنيها من السفر إلى تركيا لأنها دولة تنطوي الإقامة فيها على مخاطر أمنية كبرى. ولكن سرعان ما يتبين أن تركيا في الحقيقة دولة آمنة أكثر من دول أوروبية مثل فرنسا، وبلجيكا، وبريطانيا.
ولعل آخر الأوراق في ابتزاز تركيا هي الورقة الكردية، إذ أرخت ألمانيا إلى حد بعيد الحبل للمنظمات الانفصالية الكردية بممارسة نشاطاتها في طول ألمانيا وعرضها. وهنا يبدو واضحا أن تركيا لا تقيم وزنا كبيرا لتلك النشاطات، وتراهن على ضربات استباقية لأي احتمال لنشوء كيان كردي مستقل حول حدودها. وهي تقوم بذلك بتنسيق كبير، علانية وفي الخفاء مع إيران، والعراق، وكذلك بشكل غير مباشر مع الدولة السورية. ومن المستبعد أن تتمادى ألمانيا في التسامح إزاء نشاطات حزب العمال الكردستاني، أو تصل حد دعم رغباتها الانفصالية لأن مثل تلك الرغبة تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على أوروبا نفسها. ألمانيا تريد تركيا موحدة .. إنما تحت جناحيها وطوع أمرها!
لا شك في أن تركيا نفسها دولة كانت، وما تزال، برغماتية في سياساتها أكثر من الدول الأوروبية الغربية نفسها، لذلك فهي لن تقطع حبل الود مع جيرانها من الغرب، ولكن الرغبة في القرار المستقل ستحرك هذه السياسات إلى حد كبير. من المستبعد تماما أن يأتي يوم تكون فيه تركيا في حلف مع روسيا، وكذلك فهو أمر مستبعد أن تصبح تركيا يوما ما دولة محايدة مثل سويسرا، لأن فكرة عدم الانحياز اختفت تماما في هذا العالم. إنها لها أجندتها الخاصة كدولة كبرى ذات ماض عريق، وصلات تمتد لقرون في عمق مناطق مصالحها الحيوية.
كم ستطول لعبة جر الحبل هذه، إذن، وكيف ستنتهي؟
لا شك أن في جعبة ألمانيا المزيد من الحملات الإعلامية، والإجراءات العقابية ضد تركيا، إلا إن كل شيء يمكن أن ينقلب إذا أبدت تركيا جدية أكبر في الاستعداد للانسلاخ من جلدها الأوروبي الذي ألبسها إياها كمال أتاتورك، وإرسال إشارات بأن التقارب مع روسيا والصين ليس تكتيكا براغماتيا، بل نزعة قد تتحول إلى ستراتيجية ثابتة.
إن منعطفا في سياسات ألمانيا تجاه تركيا أمر وارد تماما بصرف النظر عمن يكون على رأس النظام فيها، وقد تكون ألمانيا مستعدة لدفع ثمن كبير في سبيل استعادة علاقاتها الطيبة مع حليفتها “رسميا”! إن تركيا هي نقطة التوازن بين أوروبا وروسيا، وألمانيا تدرك أن التمادي في شد الحبل معها قد تكون له ردود أفعال سيئة على مستقبل التوازن!
2017-09-03
