ترامب يهدد، والترويكا الأوروبية تبحث عن مخرج ديبلوماسي للأزمة!
يُبقى الرئيس الأمريكي العالم في حالة تخمين بشأن خطوته التالية تجاه إيران، فيما يبحث الثلاثي الأوروبي (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) عن سبل للتهدئة عبر الدبلوماسيّة.
سعيد محمد*
في خضم تبادل تصعيدي في الهجمات بين الدولة العبريّة وإيران، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بصفته الفاعل الأساسي في تشكيل مستقبل الصراع، أمام مفترق طرق حاسم بين التورط في العدوان الإسرائيلي – وهو أمر لا تحبذه قاعدته الانتخابيّة فيما يبدو – وترك الباب مفتوحاً للوصول إلى تسوية توقف الحرب المستمرة التي تدخل اليوم أسبوعها الثاني.
وقد برز في هذا السياق المتأزّم سلسلة مواقف وجهود يبذلها الثلاثي الأوروبي — فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة — بحثاً لطرفي الصراع عن مخرج يعيد طهران إلى طاولة المفاوضات، ويشعر إسرائيل بتحقق غايتها المعلنة من منع امتلاك الجمهوريّة الإسلاميّة لسلاح نووي.
الترويكا التي هيئت الأرضية للعدوان الإسرائيلي من خلال دورها في استصدار قرار من الوكالة الدولية للطاقة الذريّة يعتبر إيران غير ملتزمة بمتطلبات معاهدة منع الانتشار النووي، وانحازت بعد شن أولى الهجمات الغادرة صبيحة يوم الجمعة الماضي بجلاء إلى صف الكيان العبري، وبررت له جرائمه بلازمة “حق إسرائيل في الدّفاع عن النفس”، فضلاً عن سلسلة من التصريحات من الزعماء في باريس وبرلين ولندن اعتبرتها إيران مسيئة وأفقدت أوروبا المصداقية للعب دور وسيط نزيه.
على أن الواقع أنّ أي من الدول الثلاث لم يدعم فكرة تغيير النظام الإيراني من الخارج، وكررت في غير مناسبة ضرورة خفض التصعيد، وإعادة إطلاق المفاوضات كمخرج للأزمة التي تهدد بالتفاقم إلى نزاع إقليمي قد تتورط فيه الولايات المتحدة مباشرة.
ولذلك تفتح الخطوة لعقد اجتماع بين وزراء خارجية الترويكا ونظيرهم الإيراني، عباس عراقتشي، في جنيف اليوم، كوة أمل لحل ديبلوماسي يسمح بنزع فتيل الأزمة، ويقدم لطرفي النزّاع ما يرضي هواجسهما بما يكفي للنزول عن الشجرة.
وقالت مصدر في بروكسيل بإن الوزراء سيجتمعون أولا مع كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس في البعثة الدائمة لألمانيا في جنيف قبل أن يلتقوا عراقتشي.
هذا الاجتماع، الذي سيكون الأول منذ الهجوم الإسرائيلي على المواقع العسكرية والنووية الإيرانية، يعبّر ربما عن موقف أوروبي متمايز عن الإدارة الأمريكيّة بضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران لمنع توسع نطاق الحرب نحو دول أخرى في الإقليم لها مصالح عميقة مع الغرب، ناهيك عن القلق العميق من ارتفاع احتمالات حدوث كوارث اشعاعية نتيجة استهداف مفاعلات إيران النووية وكذلك ارتدادات محتملة قد تمس إمدادات النفط والغاز العالميين.
وكان عراقتشي قد تحدث إلى وزراء الخارجية الأوروبيين الثلاثة عبر الهاتف في وقت سابق من هذا الأسبوع، لكنه رفض حتى الآن مقابلة المبعوث الخاص لدونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، بداعي أن الهجمات الإسرائيلية على جميع أنحاء إيران وافقت عليها الولايات المتحدة، مشيراً إلى إنه من المستحيل مقابلة المبعوث الأمريكي بينما يتعرض الإيرانيون لهجوم متلاحق من إسرائيل، ولذلك فإن استعداده للقاء نظرائه الأوروبيين يشير إلى ثقة معينة في حيادهم النسبي ورغبة مستمرة لدى طهران في التوصل إلى حل تفاوضي، وإن كان مراقبون يقولون إن الترويكا لم تكن لتندفع في هذا الاتجاه دون ضوء أمريكي أخضر صريح.
جوهر المحادثات الأوروبية الإيرانية في جنيف سيتركز على استكشاف مدى استعداد إيران لتقبل تقزيم أو إنهاء برنامجها النووي كليّاً. ووفقاً لمصدر دبلوماسي ألماني فإن الأوروبيين سيعملون على إقناع الجانب الإيراني بقبول صيغة ما مسنودة بضمانات قوية تسمح ببقاء الجزء المتعلق بالأغراض المدنية البحتة فحسب، الأمر الذي يراه الأوروبيين متوافقاً مع تأكيد إيران المستمر بأنها “لم تسع ولن تسعى أبداً لامتلاك أسلحة نووية”. ومن المخطط، في حال انعقاد الاجتماع الذي تقاطعت عدة مصادر على أن التنسيق بشأنه يتم بمعرفة الأوروبي والولايات المتحدة، فستتبعه حوارات منتظمة على مستوى الخبراء لبناء نهج مفصل يهدف إلى بناء الثقة بما يكفي للتوصل إلى اتفاق مستدام.
وفي هذا الفضاء، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، قادة إيران إلى العمل نحو حل يتضمن ضمانات لبرنامجهم النووي، قائلاً: “لم يفت الأوان بعد للمجيء إلى طاولة المفاوضات”. من جانبه، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الحاجة الملحة لوقف العمليات العسكرية، داعياً إلى “حل تفاوضي دقيق يضع حداً للصراع”، مع الإشارة إلى رفض فرنسا لمبدأ تغيير الأنظمة من الخارج. وكلف ماكرون وزير خارجيته جان نويل بارو ببناء مبادرة أوروبيّة مشتركة في اتجاه تسوية تفاوضيّة رغم تباين مواقف برلين ولندن وباريس التفصيليّة.
وظلّ بارو على اتصال منتظم مع نظيريه الألماني والبريطاني منذ أن شنت إسرائيل حملتها الجوية الضخمة الأسبوع الماضي.
وفي سياق متصل، وقبل اجتماع جنيف المزمع، سيلتقي وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، بوزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو في العاصمة الأمريكية واشنطن دي سي لإجراء مناقشات ستحضرها مفوضة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس، وتتركز على البحث عن طرائق ل”معالجة الوضع الحالي في الشرق الأوسط”، ومنع خروج الأمور هناك عن السيطرة.
ومع ذلك فإن الجهود الدبلوماسية تواجه تحديات جمة. فمن ناحية، لا تزال إيران تحت ضغط عسكري كبير وتواجه دعوات من ترامب للاستسلام الكليّ غير المشروط، مما قد يجعلها أقل استعداداً لتقديم تنازلات كبيرة على طاولة المفاوضات. كما أن الغارات الإسرائيلية المستمرة، التي تضرب أهدافاً غير مرتبطة بالبرنامج النووي وتؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين، تزيد من تصلب الموقف الإيراني وتصعب من أي محاولات لخفض التصعيد.
من ناحية أخرى، فإن موقف ترامب الغامض والتهديدي والمتقلب بين ساعة وأخرى يمكن أن يبعث برسائل مختلطة لطهران، مما يجعلها تشكك في مدى التزام واشنطن بالحل الدبلوماسي الذي قد يطرحه الأوروبيون في جنيف.
علاوة على ذلك، فإن الموقف الأوروبي ليس موحداً تماماً. فبينما يدعو ماكرون ووزير خارجيته إلى حل تفاوضي، وتقف بريطانيا في مربع غموض الدعوة إلى ضرورة التهدئة ومنع تدحرج الأمور دون اقتراح خطوات عمليّة، يلعب المستشار الألماني فريدريش ميرتس دور صقر الترويكا، فأشار إلى أن “تغيير الأنظمة يمكن أن يحدث” وأن إسرائيل “تقوم (بهجومها على إيران) بالعمل القذر نيابة عن الآخرين جميعهم”، ما يعكس تبايناً في التقييم والرؤية، لكن إجماعهم على منح الدبلوماسية فرصة يظل قوياً.
- لندن
2025-06-20