يومُ العبورِ… من ليلِ الانكسارِ إلى فجرِ الانتصار!
بقلم: مريم عرجون
وكان السادسُ من أكتوبرَ يومًا من أيامِ الدهرِ إذا ادلهمَّ، ومن ليالي العربِ إذا اشتدَّ الظلام، يومًا أطلَّ على مصرَ بعد ليلٍ ثقيل، وجرحٍ طويل، وصمتٍ لم يكن صمتَ الذليل، بل صمتَ الأسدِ إذا كمن، وصمتَ الوترِ إذا ادّخرَ للنَّبلِ رنّتَه، وصمتَ الأرضِ إذا أخفت تحتَ ترابها نارًا تنتظرُ الريح.
وكانت سيناءُ يومئذٍ ليست رملًا تعبثُ به الرياح، ولا بيداءَ تُقاسُ بالفراسخِ والأميال، بل كانت من لحمِ الوطنِ ودمه، ومن حسبِ مصرَ ونسبها، لها في القلبِ مقام، وفي التاريخِ أعلام، وفي الترابِ خطوُ الأجدادِ ودمُ الشهداء، فما ضاعت الأرضُ يومًا ما دام في أهلها قلبٌ يذكر، وذراعٌ تقدر، وعزمٌ إذا عزمَ لا ينكسر، وكانت الهزيمةُ قد مرّت على الروحِ مرَّ النارِ في الهشيم، وتركت في الصدرِ ندبةً لا تخفى، ولكن الجرحَ عند الرجالِ ليس قبرًا، بل مدرسةٌ، والانكسارُ ليس خاتمةَ الطريق، بل نذيرُ اليقظة، وربَّ ضربةٍ أيقظت قومًا، وربَّ نازلةٍ علّمت أمةً، وربَّ ليلٍ طال حتى حسبه الناسُ سرمدًا، فإذا بالفجرِ يضربُ أستارَه من وراءِ الجبال.
فأقبلت مصرُ على أمرها إقبالَ من عرفَ أن الأرضَ لا تُستردُّ بالأماني، وأن الرايةَ لا تحملها الألسن، وأن السيفَ إن لم يسبقه عقلٌ صار على صاحبه، وإن لم تحرسه عزيمةٌ كان برقًا لمعَ في السماء ثم انطفأ، فشدَّت على جيشها شدَّ الرجالِ على عزمهم، فأعيد للصفوفِ انتظامُها، وللتدريبِ مقامُه، وللخطةِ سلطانُها، وللسرِّ حرمتُه، ومضت الأعوامُ تمضي في صمتٍ لا يسمعه السوق، ولا تراه العيون، كالنارِ تحتَ الرماد، وكالسيفِ في غمده، وكالفرسِ الموثقِ ينتظرُ يومَ الصهيل، وكان ما حسبه الناسُ انتظارًا إعدادًا، وما ظنوه سكونًا كان عاصفةً تستجمعُ قوتها، إذ ليس كلُّ ساكتٍ عاجزًا، ولا كلُّ هادئٍ خاليَ العزم، فربما كان الصمتُ أبلغَ من القول، وكان الكتمانُ أولَ أبوابِ الظفر، ثم أقبل السادسُ من أكتوبر، وأقبل معه العاشرُ من رمضان، فاجتمع صومُ الأجسادِ مع صبرِ الأبطال، وسكينةُ الإيمانِ مع صليلِ السلاح، وهدوءُ النهارِ مع عاصفةِ الميدان،
حتى إذا جاءت الساعةُ التي عُرفت عند الرجال، انشقَّ الصمتُ عن هدير، وتكلم الحديدُ بلسانٍ لا يحتاجُ إلى ترجمان، وانطلقت المدافعُ كأن الأرضَ نفسها قد صاحَت في أبنائها: آنَ للغائبِ أن يعود، وللرايةِ أن تُرى، وللترابِ أن يستردَّ أسماءَ رجاله.
ثم كان العبور، وما كان العبورُ عبورَ رجالٍ من ضفةٍ إلى ضفة، ولا اجتيازَ ماءٍ إلى ماء، بل كان عبورَ أمةٍ من وجعٍ إلى وعد، ومن ذكرى الهزيمةِ إلى امتحانِ القدرة، ومن مرارةِ الأمسِ إلى كبرياءِ الغد.
خاض الجنديُّ الماءَ، والسلاحُ في يده، والوطنُ في صدره، خلفه أمٌّ تسترُ رجفتها بالدعاء، وأبٌ يحبسُ دمعه كي لا يراه ابنه، وزوجةٌ تعدُّ ساعاتِ الغيابِ كما تعدُّ النجومَ في ليلٍ طويل، وطفلٌ ينتظرُ وجهًا غابَ عنه، ولا يدري أن أباه يمضي إلى النارِ كي يبقى له بيتٌ آمن، وسماءٌ مرفوعة، ورايةٌ لا تنحني، وكان وراءَ الجنديِّ شعبٌ بأسره؛ لا متفرجًا على الحرب، بل نسيجًا من نسيجها، هذا في الميدان، وذاك في المشفى، وآخرُ في المصنع، وأمٌّ ترفع كفَّها إلى السماء، ويدٌ تحملُ ما استطاعت، وقلبٌ يخفقُ حيث يخفقُ قلبُ المقاتل.
فصار للوطنِ يومئذٍ قلبٌ واحد، إن خفقَ في الجبهةِ خفقَ في البيوت، وإن اضطربَ في الميدانِ ارتجفَ له الدعاء.
وهنا يُعرفُ معدنُ القوم، فما الرجالُ من أكثروا القول، ولا تُعرفُ القبائلُ في مواسمِ اليسر، وإنما يُعرفُ القومُ إذا نزلت الكريهة، واشتدَّت المحنة، وثقلَ الحمل، وضاقَ المخرج، هناك يظهرُ الذهبُ من التراب، والصلبُ من النار، والرجلُ من الرجال، وكان أكتوبرُ شاهدًا على أن الحربَ ليست غضبةَ سيف، ولا كثرةَ نار، إنما هي عقلٌ يدبّر، وصبرٌ يصابر، وتدريبٌ يثابر، وسرٌّ يُصان، وموعدٌ يُختار، وإرادةٌ لا تذلُّها شدة، ولا تطفئها ريح،
فما رأته العيونُ في ساعاتِ العبور، كانت وراءه أعوامٌ من العرق، وما حسبه الناسُ لحظةً خاطفة، كان عند الرجالِ عمرًا من الإعداد، وما رفرفت رايةٌ فوق الضفة، رفعتها يدٌ واحدة، بل رفعتها أيادٍ كثيرة؛ يدٌ حملت السلاح، ويدٌ صنعت، ويدٌ داوت، ويدٌ رفعت الدعاء، ولم يكن صدى أكتوبرَ محصورًا في حدودِ مصر، فقد كان للموقفِ العربيِّ حضوره، وتعددت وجوهُ المساندةِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والعسكرية، ودخل النفطُ ميدانَ الصراعِ أداةً من أدواته، فاتسعت دوائرُ المواجهةِ حتى جاوز صداها الخندقَ والجبهة.
غير أن أعظمَ ما خلّفه ذلك اليومِ لم يكن في كثرةِ القذائف، ولا في عددِ الآليات، بل في معنى استقرَّ في النفسِ العربية، أن الهزيمةَ ليست قدرًا أبديًا، وأن الغلبةَ في يومٍ لا تجعلُ صاحبها خالدَ الغلبة، وأن من عرف موضعَ ضعفه، وأحكمَ بناءَ قوته، وأمسكَ زمامَ أمره، استطاعَ أن يبدّلَ وجهَ الأيام.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد القناةُ في الذاكرةِ المصريةِ ماءً بين ضفتين؛ بل صارت حدًّا بين زمنين، ضفةٌ تحملُ جرحَ الأمس، وضفةٌ تستقبلُ وعدَ الغد؛ وبينهما ماءٌ خاضه الرجال، فعبرت معه الإرادة.
وهكذا تفعلُ الأيامُ العظيمة، لا تموتُ حين تموتُ ساعاتُها، ولا تُدفنُ حين تخمدُ مدافعُها، وإنما تبقى بما تتركه في الروحِ من أثر، وفي الذاكرةِ من نار، وفي الأمةِ من يقين.
فأكتوبرُ لم يقل لمصرَ، لقد انتصرتِ فحسب، بل قال لها: لقد نهضتِ، وهذه أبلغُ من النصرِ نفسِه فالنصرُ ساعة، وأما النهوضُ فخُلُقُ أمة، وعقيدةُ شعب، وسرُّ بقاءٍ لا يهرم.
ومن عرف الأرضَ عرف سرَّها، فهي لا تحفظُ خطوَ العابرين فحسب، بل تحفظُ ما حملوه في صدورهم، تحفظُ دمَ الشهيد، وأثرَ الجندي، ودمعةَ الأم، ودعاءَ الغائب، ورفيفَ الرايةِ إذا داعبَتها الريح.
فالأرضُ ذاكرةٌ لا تنام، والترابُ شاهدٌ لا يخون، والدمُ إذا سُقيت به الأرضُ صار عهدًا لا يزول.
ولهذا بقي أكتوبرُ حيًّا في الذاكرةِ المصرية، لا لأنه يومٌ دوّت فيه المدافعُ فحسب، بل لأنه يومٌ نطقت فيه الإرادة، فسمعها التاريخ.
يا يومَ أكتوبر، يا يومًا لم تكن فيه القناةُ نهايةَ ضفة، بل بدايةَ معنى، ولم يكن فيه العبورُ عبورَ جيشٍ وحده، بل عبورَ وطنٍ إلى ذاته، ما كنتَ رقمًا في دفترِ السنين، ولا خبرًا يذروه الرواة، كنتَ يومًا ردَّ للأرضِ صهيلَها، وللرايةِ ظلَّها، وللقلبِ يقينَه.
فإذا نادت الأرضُ أبناءها، وأجمع الشعبُ كلمته، وأحسن الجيشُ إعدادَه، فلا بدَّ للرايةِ أن تجدَ لها في مهبِّ الريحِ مقامًا، ولا بدَّ للفجرِ أن يشقَّ صدرَ الليل، ولا بدَّ للترابِ أن يردَّ إلى أهله ما أودعوه فيه من دمٍ وعهد، فذلك يومٌ لم تعبر فيه الجيوشُ القناةَ وحدها،
بل عبرت مصرُ خوفَها،
وعبرت جرحَها،
وعبرت ليلَها،
وعبرت إلى نفسها.
ومن هنا لا تبدأ الحكايةُ من صوتِ المدفع، بل من صوتِ الإرادة، ولا من صفحةِ الحرب، بل من صفحةِ وطنٍ عرف كيف يجعلُ من الجرحِ قوة، ومن الصمتِ إعدادًا، ومن الصبرِ سلاحًا، ومن العبورِ ميلادًا جديدًا للكرامة.
ذلك هو أكتوبر، يومٌ لم يكتفِ بأن يفتحَ للجيشِ طريقًا فوق الماء، بل فتحَ للأمةِ طريقًا في الذاكرة، وردَّ للأرضِ صهيلَها.
ولأنني أكتبُ هذا الكلامَ بقلمٍ جزائري، لا أستطيعُ أن أمرَّ على أكتوبرَ المصريِّ كما يمرُّ العابرُ على أرضٍ لا يعرفُها، ففي الجزائرِ أيضًا لأكتوبرَ ذاكرةٌ من دم.
وبين أكتوبرَ الجزائريِّ وأكتوبرَ المصريِّ أعوامٌ تفصلُ التاريخَ عن التاريخ، ولكن الأرضَ لا تحسبُ الزمنَ كما نحسبه نحن، فهي تحفظُ المعنى، وتحفظُ الدم، وتحفظُ خطى الرجالِ حين يمضونَ إليها وفي صدورهم وطن.
ومن الجزائرِ إلى مصر، لا تتشابهُ الوقائعُ ولا تتطابقُ الملاحم، لكلِّ شعبٍ يومُه، ولكلِّ أرضٍ جرحُها، ولكلِّ رايةٍ تاريخُها، غير أن الذي يجمعُها أن الكرامةَ لا تولدُ من الفراغ، وأن الأرضَ إذا سكنت القلبَ صارت عهدًا، وأن الشعوبَ قد يطولُ عليها الليل، لكنها لا تنسى طريقَ الفجر.
فكان نوفمبرُ للجزائرِ بابًا إلى الحرية، وكان أكتوبرُ لمصرَ بابًا إلى العبور، وبين نوفمبرَ وأكتوبرَ بقيت الأرضُ تروي الحكايةَ ذاتها بلهجاتٍ مختلفة أن الوطنَ لا يُستعادُ بالحنين، ولا تُصانُ كرامتُه بالأماني، وإنما تُكتبُ في التاريخِ حين يلتقي الإيمانُ بالأرض، والعزمُ بالفعل، والدمُ بالوفاء.
ولذلك، وأنا أكتبُ عن أكتوبرَ المصري، لا أكتبُ عن يومٍ بعيدٍ عن وجداني، بل أكتبُ عن أرضٍ عربيةٍ عرفتُ لغتها الأولى، لغةَ الترابِ حين يتكلم، ولغةَ الرايةِ حين تخفق، ولغةَ الإنسانِ حين يجعلُ من جرحه عهدًا ومن صمته قوة.
فذلك يومٌ لم تعبر فيه الجيوشُ القناةَ وحدها، بل عبرت مصرُ خوفَها، وعبرت جرحَها، وعبرت إلى نفسها.
وفي كلِّ أرضٍ عربيةٍ حكايةٌ من هذا العبور، لأن الأرضَ لا تنسى أبناءَها، والدمَ لا ينسى موضعَه، والتاريخَ لا ينسى من وقفَ يومَ انحنى الآخرون.
ذلك هو أكتوبر، يومٌ ردَّ للأرضِ كرامتها.
2026-09-30