ترامب والصهيونية: مشروع التهجير وصفقة القرن لاستباحة الشرق الأوسط!
توفيق سلاّم
منذ عودته إلى البيت الأبيض، يواصل دونالد ترامب نهجه القائم على التعامل مع العالم كصفقة تجارية كبرى، حيث تُباع الدول وتُشترى الشعوب وفق منطق الربح والخسارة. فبعد تصريحاته بضم كندا للولايات المتحدة والسيطرة على جزيرة غرينلاند وشراء بنما، وفرض رسوم جمركية على كندا والمكسيك والصين، جاء الدور على فلسطين، ليطرح خطة تهجير قسري لشعبها، وتوطينهم في الأردن ومصر، وشراء غزة مقابل مكاسب اقتصادية مغرية لحكومات المنطقة. هذه الخطة ليست وليدة اللحظة، بل امتداد لـ”صفقة القرن”، التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية من خلال تحويلها إلى أزمة لاجئين تُحل بصفقات مالية، بدلاً من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في أرضه واستقلاله.
صفقة القرن
منذ ولايته الأولى، انحاز ترامب بالكامل إلى إسرائيل، لكنه في ولايته الثانية أصبح أكثر جرأة في فرض حلول أحادية، إذ يصر على أن الفلسطينيين يجب أن يُهجَّروا، وأن “الأردن ومصر عليهما قبول توطينهم”، مقابل ما يسميه “تعويضات مالية سخية”. بل ذهب أبعد من ذلك، بطرحه فكرة “شراء غزة” وتحويلها إلى منطقة استثمارية عالمية، في محاولة مكشوفة لشرعنة الاستيطان وإنهاء الوجود الفلسطيني على الأرض.
ترامب يرى أن المنطقة ليست سوى ساحة استثمارات، فكما يسعى إلى “شراء” قناة بنما لإغلاق الباب أمام الصين، فهو يعتقد أن بإمكانه “شراء” فلسطين وإنهاء القضية بتحويلها إلى “مشروع اقتصادي”. هذا المنطق التجاري القائم على المقايضة يضع مستقبل المنطقة في أيدي الرأسمالية المتوحشة، التي تستثمر في الأزمات السياسية لتوسيع نفوذها.
لم يكن مخطط تهجير الفلسطينيين مجرد فكرة عبثية، بل جزء من مشروع أوسع تم تسويقه تحت اسم “صفقة القرن”. وكما كشفت بعض التقارير، فإن الولايات المتحدة عرضت على مصر والأردن حوافز مالية ضخمة مقابل قبول توطين الفلسطينيين على أراضيهما، تشمل: تمويل مشاريع استثمارية ضخمة، وإقامة مناطق صناعية ومشاريع بنية تحتية كبرى، لإنعاش الاقتصادين المصري والأردني، وتخفيف أزماتهما المالية،
وكذلك إعفاء المنتجات المصرية والأردنية من الضرائب الجمركية بمنح تسهيلات اقتصادية للبضائع المصرية والأردنية في الأسواق الأمريكية والدولية، بما يضمن تدفق الأرباح إلى هذه الدول.
وتقديم دعم اقتصادي مباشر بتخصيص مليارات الدولارات كمساعدات اقتصادية، لتخفيف الديون وإنقاذ الاقتصاد المتعثر، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي تواجهها الدولتان.
هذه الحوافز ليست سوى غطاء لتصفية القضية الفلسطينية، وتحويل الفلسطينيين إلى مشكلة “إنسانية” تتكفل بها دول أخرى، مقابل مكاسب اقتصادية موقتة.
رفض حل الدولتين
منذ عقود، يرفض الاحتلال الإسرائيلي أي حل سياسي ينهي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل يواصل فرض سياسة الأمر الواقع من خلال الاستيطان والتوسع. واليوم، لم يعد الإسرائيليون يتحدثون عن تسوية سياسية، بل عن مشاريع بديلة، مثل اقتراح نتنياهو إقامة “دولة فلسطينية” في السعودية، في محاولة لإعادة تدوير مشروع الوطن البديل. هذا النهج يعكس استراتيجية صهيونية تهدف إلى: تقسيم القضية الفلسطينية إلى ملفات منفصلة: الضفة الغربية تحت الاحتلال، وغزة كمشكلة إنسانية، واللاجئون كعبء يجب التخلص منه. بمعنى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر الاستيطان المكثف، وتهويد القدس، وضم أجزاء من الضفة الغربية.
وخلق أزمات إقليمية لتبرير التهجير، عبر الضغط على الدول المجاورة لاستيعاب اللاجئين، بحجة أنهم عبء يجب تقاسمه.
الموقف العربي
أمام هذه المخططات، تبدو المواقف العربية متباينة، بين الرفض الرسمي العلني، وهو ما ظهر بقوة في الموقف المصري والأردني، ومواقف الدول العربية والإسلامية وأيضًا الموقف الدولي، وبين التعامل البراغماتي مع الضغوط الأمريكية على دول خليجية. فمن جهة، أكدت السعودية دعمها لقيام دولة فلسطينية، في رد ضمني على تصريحات ترامب ونتنياهو، لكن من جهة أخرى، لا تزال بعض الأنظمة العربية تُفضل المقايضات الاقتصادية على المواجهة السياسية.
هذا الواقع يعكس إشكالية كبرى، ضعف الموقف العربي الجماعي، في ظل الانقسامات الإقليمية والضغوط الاقتصادية التي تجعل بعض الدول أكثر استعدادًا للمساومة، مالم يظهر موقف عربي موحد قوي وجامع من خلال قمة عربية يتخذ فيها قرارات شجاعة لمواجهة هذا التحدي الذي يمتد بأخطاره على السلم الإقليمي والدولي وليس على الشعب الفلسطيني وحده، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية التي سلبتها المواقف المتخاذلة والمساومة بحق الشعب الفلسطيني في وجوده على أرضه والتحرر من الاحتلال الصهيوني وبناء دولته المستقلة، في ظل الإجماع الدولي المؤيد لحل الدولتين.
ولا يبدو الابتزاز السياسي والاقتصادي الأمريكي سيمرر كما تخطط الشركات الكمبرادورية ، حيث تُستخدم المساعدات المالية والاتفاقيات التجارية كأدوات ضغط لإجبار الدول على تقديم تنازلات. كل هذه الخطط تهدد مستقبل الدول العربية وأمنها القومي في ظل غياب استراتيجية عربية موحدة لمواجهة المشروع الصهيوني، مما يترك القضية الفلسطينية رهينة للمساومات والصفقات الدولية.
وأخيرًا، فإن مشروع تهجير الفلسطينيين، سواء عبر صفقة القرن أو التصريحات الأخيرة لترامب ونتنياهو، ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو جزء من مخطط أمريكي-إسرائيلي لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، وتحويل القضية الفلسطينية إلى أزمة لاجئين تُحل بالمال والمشاريع الاقتصادية.
في ظل هذا المشهد، يبقى السؤال: هل ستواصل بعض الأنظمة العربية سياسة المراوغة والقبول بالمكاسب الاقتصادية على حساب قضية فلسطين؟ أم أن إرادة الشعوب ستفرض معادلة جديدة ترفض مشاريع التصفية العرقية، والإبادة والتهجير لشعب فلسطين وتحويله إلى سلعة في سوق المصالح الدولية؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الصراع لم يعد مجرد مواجهة بين الفلسطينيين والاحتلال، بل أصبح معركة إقليمية كبرى بين قوى تريد محو الهوية الفلسطينية، وأخرى تسعى للحفاظ على حق هذا الشعب في وطنه.
2025-02-17