تداعيات الفشل الأمريكي في حرب إيران!
مصطفى السعيد
الحصار الأمريكي البحري على إيران لم يحقق ما عجزت عنه الحرب، فالقطع البحرية الأمريكية تتموضع بعيدا عن شواطئ إيران، خشية تعرضها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة والغواصات الصغيرة والمسيرات البحرية والغاطسة، وعددها ليس كافيا لفرض حصار محكم، وكسرت الصين الحصار بعد إعلانها رفض منع سفنها من شحن النفط من إيران ودول الخليج، وتحذيرها من اعتراض سفن نقل النفط إليها، ووصفه بالعدوان والمساس بأمنها، وأنه غير قانوني، وأرسلت الصين بالفعل وحدة بحرية لتأمين السفن، وهو ما وضع الإدارة الأمريكية في مأزق، فإما فشل الحصار على إيران، وإما الصدام العسكري مع الصين.
لم يكن الموقف الصيني الحازم والجديد من نوعه هو الوحيد الذي أضعف الحصار في تحقيق أهدافه، فهناك ممر بحري بين المياه الإقليمية الباكستانية المتاخمة للمياه الإقليمية الإيرانية، ويمكن المرور من قرب السواحل للإبتعاد عن مجال السفن الحربية الأمريكية، وهناك أيضا ممرات برية أخرى بين إيران وباكستان، بالإضافة إلى خطوط السكك الحديدية والبرية لمشروع “الحزام والطريق”، والتي توفر خطا تجاريا بريا بديلا، وإن كانت تكلفته أعلى، وكذلك بحر قزوين الذي يمكن من خلاله النقل البحري بين إيران وروسيا، ومنها إلى الصين. أما الأهم فهو قدرى إيران على تحمل العقوبات والحصار، والذي اعتادت عليه لعقود، بينما البحرية الأمريكية لا يمكنها البقاء طويلا في البحر، فالجنود مرهقون ومتذمرون من فترات البقاء الطويل في عرض البحر في ظل إمدادات صعبة وطويلة، وتأهب لأي هجوم محتمل من الجو أو البحر.
المرجح أن قرار الرئيس الأمريكي ترامب باللجوء إلى عملية “الحرية” لفتح مضيق هرمز بالقوة جاء لصعوبة تحقيق الحصار البحري لنتائج ملموسة، وأن الوضع يمكن أن يتجمد، لكن عملية الحرية تعرضت للإلغاء بعد نحو 36 ساعة، وكان السبب الرئيسي رفض السعودية ودول أخرى استخدام مجالها الجوي أو أراضيها ومرافقها في العملية، ولم تنجح إتصالات ترامب في إثناء هذه الدول موقفها، والحجة كانت قوية، فتلك الدول لم يتم استشارتها، وأنها من سيدفع الثمن وليس القوات الأمريكية، وأن الولايات المتحدة لم تهتم بحماية تلك الدول، وإنما ركزت جهودها على حماية إسرائيل. أما السبب الثاني فكان رفض جنرالات البنتاجون للعملية، خاصة قادة القوات البحرية، الذين أبدوا مخاوفهم من خسائر كبيرة، وأن ما قاله ترامب بأن إيران لن تجرؤ على مهاجمة السفن الأمريكية لأنه هددها برد ساحق ليس ضمانة، وأن جنود وضباط البحرية في حالة تذمر، ولا يمكن تنفيذ عملية بمثل هذه الدرجة من المخاطرة بواسطة جنود وضباط متذمرون، فلم يكن أمام الرئيس الأمريكي إلا الإعلان عن توقف عملية “الحرية”، والحديث عن مرونة إيرانية في المفاوضات، ونجاح البحرية الأمريكية في إخراج سفينتين.
من الصعب أن تنتظر الإدارة الأمريكية تنازلات ملموسة من إيران في المفاوضات المرتقبة، فلا الحرب الأمريكية-الإسرائيلية حققت أيا من أهدافها، ولا الحصار البحري له نتائج مؤثرة. أما إمكانية خوض جولة جديدة من الحرب، فلا توقعات بأن تكون نتائجها أفضل من الجولة السابقة، خاصة أن القوات الأمريكية فقدت معظم قواعدها العسكرية، التي جرى تدمير، وكشفت الشبكات الإعلامية الأمريكية أن خسائرها أكبر بكثير مما جرى إعلانه، بالإضافة إلى النقص الخطير في الذخائر، والحالة المعنوية المتردية، والغضب الخليجي من الفشل الأمريكي في حمايتها، بل تحميلها أعباء وخسائر كبيرة في حرب لم تخترها.
هذا الوضع سينعكس بالطبع على المفاوضات المقترحة في إسلام أباد أو جنيف. وإيران ليست في عجلة من أمرها في الذهاب إلى المفاوضات، بل لا تحتاج إلى المفاوضات بعد أن سيطرت على خليج هرمز، ويمكنها من خلاله أن تكسر العقوبات الأمريكية، وأن تمنع مرور سفن الدول المشتركة في فرض العقوبات أو تجميد أموالها، بل يمكنها أن تحصل على رسوم تعوضها عن خسائر الحرب، ومنع مرور سفن الدول المعادية. وورقة مضيق هرمز لا يمكن أن تفرط فيها إيران إلا بمقابل كبير وملموس ومضمون، بينما لم يعد بأيدي الولايات المتحدة أوراقا مؤثرة، فلا الحرب حققت شيئا، ولا الحصار، والمواقف الخليجية تغيرت، حتى الرأي العام الأمريكي يرفض الحرب، وموعد الإنتخابات يقترب، وفرص الحزب الجمهوري الحاكم تتضاءل في الحفاظ على الأغلبية في الكونجرس، بل تكاد تكون معدومة، مما سيحد من صلاحيات الرئيس ترامب فيما تبقى له من فترته الرئاسية.
متغيرات كثيرة وواسعة ستشهدها المنطقة والعالم بعد الحرب الإيرانية، تشمل تحولات سياسية واقتصادية وتحالفات جديدة وتغيرات في العقيدة العسكرية وفق نوعيات الأسلحة الناجحة والأخرى التي فقدت مكانتها، وأهمية تنويع مصادر التسلح، وتحالفات إقليمية ودولية جديدة، وإعادة تموضع سياسي، وستمتد التغيرات إلى الداخل الأمريكي
2026-05-12