تحييد بلا ذاكرة: هل تنجو سوريا الجديدة حين تُختزل فلسطين إلى ملف أمني؟
خالد عطية
في صمتٍ كثيف يتقاطع فيه الطموح الاستعماري الإسرائيلي مع التحولات الجيوسياسية في الإقليم، يُعاد رسم خرائط الشرق الأوسط بأدوات ناعمة وخشنة على حد سواء. ولعل السؤال الأخطر الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: “ما الذي تريده إسرائيل؟” بل “كيف توظف إسرائيل تفكك المنطقة لتخلق شرقًا أوسطَ جديدًا بلا فلسطين، ولا مقاومة، ولا سيادة؟”.
منذ بدايات القرن الحادي والعشرين، وخاصة بعد سقوط بغداد عام 2003 وانطلاق الربيع العربي في 2011، بدأت إسرائيل تتحول من استراتيجية السيطرة المباشرة إلى سياسة إدارة التفكك. لم تعد الحدود الصلبة الوسيلة الوحيدة لتأمين مصالحها، بل بات تفكيك الدول من الداخل وإغراقها في صراعات طائفية وإثنية، هو المسار الأكثر أماناً وأقل كلفة. وسوريا، بعد 14 عاماً من الحرب، تمثل النموذج الأوضح لهذه الاستراتيجية. الآن تجد إسرائيل نفسها أمام دولة هشّة، منهكة، تقف على أعتاب إعادة تشكّل معقدة، تُدار فيها التحالفات بمرونة، ويُعاد تعريف “العدو” و”الصديق” كل يوم.
لكن المفاجأة الأكثر إثارة للجدل، جاءت من سوريا الجديدة نفسها. فبينما تستمر إسرائيل في قصف الأراضي السورية بشكل متكرر، خرج الرئيس أحمد الشرع بعدة تصريحات أثارت تساؤلات حول وجهة النظام الجديد:
- أعلن في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية أن سوريا لا تسعى إلى مواجهة مع إسرائيل، وأنها لن تسمح باستخدام أراضيها لأعمال عدائية ضدها (رويترز، مايو 2025).
- أكد التزامه باتفاقية فصل القوات لعام 1974، ودعا إلى عودة قوات الأمم المتحدة (اليوندوف) لمراقبة خط الفصل (العربي الجديد، يونيو 2025).
- طالب علنًا بوقف الغارات الإسرائيلية، مؤكدًا أن النظام الجديد لا يتحالف مع إيران أو حزب الله، وهو ما نُقل عبر القناة الرسمية السورية في بيان حكومي موجز (سانا، أبريل 2025).
- وأقرّ بإجراء محادثات غير مباشرة مع إسرائيل، بوساطة دولة أوروبية، تهدف إلى تثبيت تهدئة طويلة المدى (رويترز، مايو 2025).
- كما أعرب عن رغبة النظام في فتح صفحة جديدة قائمة على المصالح المشتركة، دون إعلان نية تطبيع فوري.
هذه التصريحات، وإن بدت في ظاهرها براغماتية هادئة، إلا أنها تعكس تحوّلاً جذريًا في موقع سوريا من معادلة الصراع مع إسرائيل. فالسؤال لم يعد: هل ستُطبّع سوريا؟ بل: هل نحن أمام إعادة تعريف للصراع نفسه، تبدأ بتغيير الخطاب وتنتهي بإعادة تشكيل الاصطفافات؟ إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريح، بل في صمته اللاحق؛ حين يُصبح الدفاع عن فلسطين إحراجًا، والمقاومة تهديدًا إقليميًا، وتُختزل القضية الفلسطينية إلى ملف أمني يُدار في غرف مغلقة. فهذا ليس حيادًا سياسيًا بريئًا بل وظيفة إقليمية تُدار تحت سقف التقاطع الأميركي–الإسرائيلي في تعريف الاستقرار.
المفارقة أن الغارات تتصاعد، بينما اللغة السياسية في دمشق تتجه نحو التهدئة، في مشهد يختزل التناقض بين منطق الردع ومنطق التطبيع.
ما يُخشى منه، أن تتحول إسرائيل من عدو مركزي إلى شريك في استقرار مزعوم، وأن يصبح الدفاع عن الحقوق الفلسطينية عبئًا يُحرج الحلفاء قبل الخصوم. هذه اللغة التي تبدأ بالتبرير، تنتهي بالتطبيع. وإن لم تكن تواطؤًا مباشرًا، فهي على الأقل تكيّفٌ مريبٌ مع شروط الاحتلال، وذوبان بطيء في مشروع “إعادة تعريف العدو” الذي تتبناه واشنطن وتضغط لأجله في المنطقة.
وفي ضوء هذه المؤشرات، تتعاظم المخاوف من أن تتحول سوريا – في لحظة ضعف – إلى جسرٍ آخر تُعاد عبره هندسة الإقليم وفق النموذج الإسرائيلي: شرق أوسط بلا فلسطين، وبلا مقاومة، وبلا حتى لغة الخصومة.
المخيمات الفلسطينية في سوريا، التي كانت تاريخيًا معاقل للهوية والعودة، يسوّق لها حلول إنسانية ظاهرها الرحمة وباطنها التفكيك، والهدف النهائي هو إغلاق ملف اللاجئ عبر فصله عن جغرافيا فلسطين وتذويب هويته في محيط منهك. وكانت في لحظات متعددة، ليس فقط ملاذًا سكانيًا، بل مركزًا لتنظيم الوعي الجمعي، وصناعة سردية المقاومة خارج الجغرافيا الرسمية.
لا أحد يطلب من سوريا اليوم أن تخوض حروبًا جديدة، لكن ما يُطلب منها بسيط وعميق: ألا تبيع ذاكرتها مقابل مقعد هش في نظام دولي لا يحترم الضعفاء. فلسطين لم تكن يومًا عبئًا، بل كانت مرآة نرى فيها موقعنا من التاريخ. وإن سقطت هذه المرآة، لن يبقى في المشهد غير وجوه باهتة بلا ملامح.
الواقع يُظهر أن الحياد تجاه القضية الفلسطينية لن يجعل سوريا بمنأى عن الابتزاز أو الضغط. التخلي عن الملف الفلسطيني لا يعني نهاية الصراع، بل بداية تفكيك ما تبقى من موقع سوريا كدولة ذات هوية. حتى وإن لم تُرد دمشق الجديدة تبنّي هذا الملف، فعليها أن تدرك أن تحويل الفلسطيني إلى مشكلة أمنية داخلية هو مدخل لتفكيك النسيج الوطني نفسه، وأن تصفية المخيمات ليست شأناً فلسطينياً فقط، بل إعلاناً بانتهاء مشروع سوريا الجامعة والمقاوِمة. إن أقصى ما يمكن لسوريا الجديدة أن تفعله في هذه اللحظة هو: تحييد نفسها دون أن تخون ذاكرتها.
فالمخيم ليس شأنًا سوريًا فحسب، بل امتداد لمعركة فلسطينية كونية تُخاض في لبنان، وأوروبا، وحتى أميركا اللاتينية، حيث تُبقي رواية العودة حيّة خارج خرائط الصفقات.
إسرائيل لا تسعى إلى سلامٍ يُنهي الصراع، بل إلى هيمنة تُعيد تشكيله على طريقتها. لا يُرعبها سقوط الدول العربية، بل تراه فرصة تاريخية تُبنى على أنقاضه خارطة جديدة للمنطقة. السؤال لم يعد: أين نقف؟ بل: كيف نمنع أن تُختطف الخرائط وتُمحى الرواية؟ كيف ننجو من لعبة كُتب علينا أن نكون فيها الضحية… والذريعة؟
في الجغرافيا التي تتخلى عن عدالتها، لا تبقى الذاكرة حية، بل تتحول إلى رماد سياسي. وكل مشروع يختزل فلسطين… يُختزل هو نفسه.
فمن لا يُذكر بفلسطين… يُنسى معها.
2025-06-11