تجارة النفايات: انعكاس التبادل غير المتكافئ!
الطاهر المعز
القسم الثاني
إفريقيا مكبّ العالم الرقمي الجديد
تجارة النفايات الإلكترونية في إفريقيا:
شهدت العقود الأخيرة تصاعُدًا غير مسبوق في حجم النفايات الإلكترونية على مستوى العالم؛ نتيجة الثورة الرقمية السريعة، وتزايد معدلات الاستهلاك التقني، وأصبحت القارة الإفريقية أكثر المناطق هشاشة أمام تدفقات النفايات الإلكترونية العالمية، إذ تحوَّلت إلى وجهة رئيسية لتجارة النفايات غير المشروعة القادمة من الدول الصناعية المتقدمة، بسبب ضُعْف أو انعدام قوانين الحماية والرقابة، وبسبب الفساد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهيمنة الاقتصاد غير الرسمي، حيث تُرسل الشركات العابرة للقارات النفايات إلى مصبّات غير قانونية، ويتم التفكيك اليدوي والحرق المكشوف لهذه التجهيزات التي لم تعد صالحة للإستعمال، بحثًا عن المعادن الثمينة، مما يؤدّي إلى تدهور صحة البشر وبيئهم ومحيطهم، خصوصًا في بلدان مثل غانا ونيجيريا، مما أدّى إلى ارتفاع تركيزات الرصاص والنحاس والزئبق في التربة والهواء والمياه إلى مستويات تفوق المعايير الدولية بمئات المرات.
تُعرَّف النفايات الإلكترونية بأنها جميع الأجهزة والمعدات الكهربائية والإلكترونية كالهواتف والحواسيب وأجهزة التلفزيون والثلاجات والمصابيح أو البطاريات التي انتهى عمرها الافتراضي، أو لم تَعُد صالحة للاستخدام أو الإصلاح، ويمثل هذا النوع من النفايات أحد أسرع أنواع النفايات نموًّا في العالم، بحجم يُعادل نحو 62 مليون طن متري سنويًّا، منها قرابة 2,9 مليون طن في إفريقيا وحدها، وفق تقرير الأمم المتحدة العالمي لرصد النفايات الإلكترونية لسنة 2024، الذي يدعو إلى ترسيخ مبدأ الاقتصاد الدائري وإبقاء الموارد داخل الدورة الإنتاجية لأطول فترة ممكنة، والتّحوّل من نموذج الاستهلاك المُفرط إلى نموذج إعادة التّدوير كأحد أشكال تحقيق التنمية المستدامة، ويُقسِّم التقرير العالمي للنفايات الإلكترونية الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات ومعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث سنة 2024، النفايات الإلكترونية إلى ست فئات رئيسية تُغطّي جميع أنواع الأجهزة الكهربائية والإلكترونية في نهاية دورة حياتها، ويستند هذا التصنيف إلى طبيعة الاستخدام، وحجم الجهاز، ومكوناته المعدنية والكيميائية، ومستوى الخطورة البيئية عند التخلُّص منه.
يقوم الفقراء والعاملون بالقطاع غير الرسمي ( الإقتصاد الموازي) في البلدان الفقيرة بإعادة تدوير النفايات الإلكترونية بدون أي تجهيزات للوقاية من السّموم التي تحتويها النفايات، مما يؤدي إلى انتشار الأمراض الخطيرة والوفيات المبكرة – في غياب الوقاية والرعاية الصّحّيّة – وإلى تسمم البيئة في المناطق المحيطة بمواقع مكبات النفايات، والقضاء على الأسماك والحيوانات والطيور وتلوث الهواء والماء والتربة والرواسب، بفعل المواد الكيميائية شديدة السِّمِّيَّة التي قد تتسبب في أمراض السرطان ومرض السكري والاضطرابات الهرمونية وأمراض الجلد والأعصاب ومشكل صحية خطيرة أخرى… ولذلك يمكن التأكيد إن تجارة النفايات شَكْلٌ من أشكال أو من مظاهر الإستعمار والهيمنة ومن العُنْصُرية البيئية، لأن الدول الرّأسمالية المتقدمة تُلقِي عبء نفاياتها على بيئة ومجتمعات بلدان الأطراف أو المُحيط أو ما أصبح يُسمّى “الجنوب العالمي”، حيث انتشرت مصانع إعادة التدوير غير القانونية التي تعمل دون تصاريح، للتخلص من نفايات الدّول الإمبريالية بواسطة الحَرْق في الهواء الطّلق، وكشف أحد تقارير مكتب الأمم المتحدة المَعْنِي بالمخدّرات والجريمة، اعتماد مجموعات الجريمة المُنظّمة على رشوة المسؤولين لإصدار التصاريح وتزوير الوثائق والتغاضي عن المخالفات وعرقلة عمليات التفتيش، وما يُسبّبه ذلك من عواقب وخيمة على المجتمعات المحلية وصحة السكان الأصليين، وتدهور بيئتهم…
إفريقيا نموذج التبادل غير المتكافئ بين المركز والمُحيط
بلغ حجم النفايات الإلكترونية العالميّة نحو 62 مليون طن سنة 2022، وقد يتجاوز 75 مليون طن سنة 2030، لا يتم تدوير سوى نحو 22% منها، وأصبحت إفريقيا محطة رئيسية لتدفقات النفايات القادمة من الدول الرّأسمالية المتقدمة، كانعكاس للإختلال البُنْيَوي والتبادل غير المتكافئ في الاقتصاد العالمي، حيث تُستخرج المواد الخام من القارة الإفريقية لتصنيع الأجهزة في دول الشمال، ثم تُعاد هذه الأجهزة إلى الأسواق الإفريقية في شكل نفايات بعد انتهاء دورة حياتها، مما يُعمّق نموذج التبعية البنيوية التي تجعل القارة الإفريقية المستهلك النهائي للملوثات الناتجة عن صناعة لم تساهم في أرباحها، ما يُعمِّق الفجوة بين المركز الصناعي العالمي والطرف الإفريقي، إذ تصل أطنان النفايات التقنية إلى إفريقيا تحت غطاء التبرعات، أو على إنها معدات تعليمية أو طبية مستعمَلة صالحة للاستعمال، ولكن هذه الشحنات تحتوي على نسبة كبيرة من الأجهزة المعطلة أو غير القابلة للإصلاح، وعند وصول هذه الشحنات، تُباع على الفور في الأسواق المحلية بأسعار منخفضة أو تُفكّك لاستخراج المعادن، في ظل القوانين الدولية الضعيفة وغياب الرقابة الفعلية مما يُحول هذه النفايات إلى عبء بيئي وصحي على المجتمعات الإفريقية…
لم تعد إفريقيا مجرّد مُستقبِل للنفايات الإلكترونية القادمة من الدول الصناعية، بل أصبحت مُستهلكا ومُنتِجًا محليًّا للنفايات الإلكترونية بفعل تزايد استخدام الأجهزة الإلكترونية وفق التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة الذي أشار إلى أنّ نحو 60% من النفايات الإلكترونية في القارة باتت ناتجة عن الاستهلاك المحلي، وهي نسبة غير مسبوقة تكشف عن تحوّل هيكلي في مصادر توليد هذه النفايات، بعدما كان معظمها سابقًا يأتي عبر واردات أو تجارة مستعملة من أوروبا وآسيا، وأظهرت بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات ومعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث ارتفاع حجم النفايات الإلكترونية في إفريقيا بنسبة 28% بين سنتَيْ 2015 و 2022، بسبب الارتفاع في ملكية واستخدام الهواتف الذكية والحواسيب المحمولة وتراجع متوسط عمر استخدامها إلى أقل من أربع سنوات في بعض الدول، مما يؤدي إلى تجدُّد سريع لدورة الأجهزة وتحولها إلى نفايات في فترة وجيزة…
النفايات الإلكترونية في إفريقيا
تمثل منطقة إفريقيا الغربية الإقليم الأكثر استقبالًا للنفايات الإلكترونية القادمة من أوروبا الغربية والشمالية، وهو ما يعكس استمرار ظاهرة تصدير النفايات الخطرة نحو الدول النامية تحت غطاء “إعادة التدوير” أو “التبرعات التقنية أو الخيرية”.
تُواجه قارة إفريقيا مخاطر كبيرة نتيجة ضعف الأنظمة التشريعية والرسمية وعدم التحكم في تدفقات النفايات، وهو ما يجعلها الأكثر عُرْضة للتلوث البيئي والأضرار الصحية الناتجة عن معالجة النفايات بطرق غير آمنة، وتُمثل النفايات الإلكترونية مشكلة تُؤثّر على الصحة العامة على البيئة وعلى النسيج الاجتماعي، وأشارت دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن نسبة تركيز الرصاص في تربة أغبوغبلوشي تجاوزت 100 ضعف الحد المسموح به عالميًّا، وأظهرت دراسة أجريت في لاغوس ( نيجيريا ) إن 40% من العاملين في مكبات النفايات الإلكترونية يعانون من أمراض تنفسية مزمنة نتيجة التعرُّض المستمر للغازات السامة والغبار المعدني، وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن حوالي 18 مليون طفل ومراهق في إفريقيا منخرطون في أنشطة إعادة التدوير غير الرسمية، مما يزيد من تعرضهم للرصاص والزئبق والكادميوم، وكلها مواد تؤثر على القدرات العصبية والمعرفية طويلة الأمد، وأظهرت تحاليل التربة في ضاحية “أغبوغبلوشي” ( أكرا، عاصمة غانا) تركيزات عالية جدًّا من الرصاص والنحاس، بنِسَب تفوق المعايير العالمية بمئات المرات، حيث يتم التخلص من نحو 85% من النفايات الإلكترونية في إفريقيا بطرق تؤدي إلى تلوث أكثر من 1,6 مليون هكتار من الأراضي الزراعية في غرب إفريقيا وحدها، بالإضافة إلى التأثيرات السلبية على السلسلة الغذائية، حيث تم العثور على نِسَب مرتفعة من المعادن الثقيلة في الأسماك وبلغت مستويات النحاس فيها في نهر كورلي (غانا ) أكثر من ست مرات الحد المسموح به وفقًا لمعايير الأمن الغذائي وبذلك تتحول بعض المناطق الإفريقية إلى مكبات بيئية دائمة يصعب استصلاحها حتى بعد عقود من توقف النشاط، كما تُوَلّد تجارة النفايات الإلكترونية اقتصادًا موازيًا قائمًا على الفقر حيث يعمل آلاف الشباب والأطفال في وِرَش تجميع النفايات مقابل أجور زهيدة لا تتجاوز دولارين يوميًّا في غانا ونيجيريا مما يُعمِّق الفوارق الاجتماعية ويُكرِّس دوائر الفقر والتهميش، حيث يُضطر الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في جمع النفايات لكسب الرزق، في غياب أيّ رقابة حكومية أو حماية اجتماعية، في فضاءات خارجة عن القانون، تنتشر فيها الجريمة، والاتجار بالمعادن، والفساد الإداري، وفق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يُشير إلى أن تجارة النفايات خلقت “اقتصاد ظل” غير رسمي في إفريقيا تُقدّر قيمته بمليارات الدولارات سنويًّا، لكنه لا ينعكس إيجابًا على التنمية، بل يُعمِّق التبعية الاقتصادية والتدهور الاجتماعي…
تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أنّ حجم النفايات الصلبة في إفريقيا يتجاوز 125 مليون طن سنويًّا، مع توقعات بارتفاع هذه الكمية بشكل كبير سنة 2050 وتكشف هذه الأرقام ضرورة تبنّي نموذج تنموي يقوم على مبادئ الاقتصاد الدائري، بما يُتيح تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي يساهم في خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة، وتطوير البنية التحتية والتكنولوجية اللازمة لتطبيقها من أجل تحويل النفايات إلى طاقة أو مواد أولية جديدة، وتمويل مشروعات صغيرة ومتوسطة في مجالات إعادة الاستخدام والتدوير، وتشجيع مبادرات الابتكار البيئي في الجامعات ومراكز البحوث، وتقديم حوافز استثمارية للمشروعات الخضراء وإدماج العاملين في القطاع الموازي في المنظومة الرسمية عبر برامج تدريبية وتأهيلية، وتوفير أدوات حماية اجتماعية لهم، مع تعزيز التعاون الإقليمي وتبادل الخبرات، وإطلاق برامج لبناء القدرات التقنية، ودعم الجامعات ومراكز الأبحاث في تطوير حلول تتماشى مع الواقع المَحَلِّي…
خاتمة
يُنتج النظام الرأسمالي منتجات أكثر مما يحتاج العالم، ويغري المستهلكين بشراء المزيد، ثم يتخلص من هذه المنتجات عند طرح منتجات جديدة، وينطبق هذا المبدأ الرأسمالي ( الإنتاج لمراكمة الأرباح وليس لتلبية حاجة النّاس) على الغذاء والملابس كما ينطبق على التجهيزات المنزلية والسيارات والأجهزة الإلكترونية والسلع أحادية الاستخدام، مما يزيد من حجم النفايات وشحنها إلى البلدان الفقيرة بذريعة “التّبَرّع ” أو “لمساعدة هذه البلدان على النّمو بواسطة إعادة التّدوير”، وغالبا ما تستخدم الشركات العابرة للقارات الغش والرشوة وإرساء شبكات القنوات غير المشروعة وغير القانونية، وصدّرت شركات دول الإتحاد الأوروبي 35 مليون طن من النفايات ( المُعْلَنَة والمُصَرّح بها) سنة 2023 إلى بلدان إفريقيا وآسيا، وفق تقرير أعدّتْه غرفة الأخبار التعاونية “لايتهاوس ريبورتس” مع شركاء آخرين…
تُمثل تجارة النفايات الإلكترونية إحدى أخطر صور الاختلال البيئي والاقتصادي العالمي الذي سببته الشركات العابرة للقارات التي تستغل انتشار الفساد والرشوة وفَقْر السّكّان وضُعْف أو غياب القوانين والرقابة، بذريعة “تقديم المُساعدات إلى البلدان الفقيرة” أو “إعادة التدوير”، مما أدّى إلى تفاقم المشاكل الصّحّية والبيئِيّة والاجتماعية وارتفاع نِسَب المعادن الثقيلة في التربة والمياه والأغذية والهواء وإلى انتشار أمراض الجهاز التنفسي والأعصاب لدى البالغين والشباب والأطفال، ولم يتم تطبيق الإتفاقيات الدّولية لمكافحة التّلوّث مثل اتفاقيتي بازل ( سويسرا) وباماكو ( مالي)، وتُطالب منظمات المجتمع المدني المحلي وجمعيات الدّفاع عن سلامة البيئة بإجبار الشركات المُصنِّعة على تحمل مسؤولية منتجاتها حتى نهايتها، مع تفعيل وتكثيف مراقبة سلامة البيئية ومكافحة الفساد والاتجار غير المشروع بالنفايات في البلدان الفقيرة، والتفكير في أسْلَم السُّبُل لإدماج العاملين في الإقتصاد غير النظامي وحمايتهم من الإستغلال ومن الأمراض…
ذَكَرَ إيفو موراليس رئيس بوليفيا السابق ( من 2006 إلى 2029): “إذا أردنا إنقاذ كوكب الأرض، لإنقاذ الحياة والإنسانية، علينا واجب وضع حد للنظام الرأسمالي. ما لم نضع حداً للنظام الرأسمالي، فمن المستحيل أن نتخيل أنه ستكون هناك مساواة وعدالة على كوكب الأرض، ولهذا السبب أعتقد أنه من المهم وضع حد لاستغلال البشر ونهب الموارد الطبيعية، ووضع حد للحروب المدمرة للأسواق والمواد الخام، ونهب الطاقة، وخاصة الوقود الأحفوري، إلى الاستهلاك المفرط للبضائع وتراكم النفايات… لا يسمح لنا النظام الرأسمالي سوى بتكديس النفايات”
بدأ بعض الباحثين والعلماء في الدّول الرأسمالية المتقدّمة ينتقدون التوزيع غير المتكافئ للآثار السلبية التي تسببها النفايات الخطرة، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تتأثر “النساء الملونات” وسكّان الأحياء الفقيرة بشكل غير متناسب بهذه السياسات: “كانت النساء الملونات في طليعة الكفاح من أجل لفت الانتباه إلى القضايا التي تدمر مجتمعات الأقليات – قضايا مثل التخلص من النفايات الخطرة، والتعرض للسموم التي جعلت من مناطق عيشهن من أكثر البيئات تدهوراً لأنها أصبحت مستودعات لمخلفات الإنتاج الرأسمالي والاستهلاك المفرط، ونتيجة لذلك، كانت هاته النساء في طليعة الكفاح من أجل العدالة البيئية، وأصبح بعضهن من مؤسسات المجموعات البيئية، ومن المناضلات والباحثات ومن منظمات الحملات المناهضة للتلوث (… ) إن العلاقة بين الاستعمار التاريخي والاستعمار السام تستند إلى تصورات استعمارية لأراضي السكان الأصليين واعتبرت أرض السكان الأصليين متخلفة وخالية ( كما تُروّج الصهيونية عن فلسطين)، وبالتالي فإن السكان الذين يعيشون فيها أقل تحضراً، ويستنسخ الإستعمار السّام ( استعمار النفايات المسمومة) نفس البُنْيَة الإستعمارية التاريخية لإعادة تدوير نفس الحُجج من خلال تعريف أرض بلدان الجنوب بأنها مُعَدّة لاستقبال النفايات الغربية…” وفق دراسة نشرتها جامعة ولاية واشنطن ( آذار/مارس 2025)
وردت معظم المعلومات في تقرير الأمم المتحدة العالمي لرصد النفايات الإلكترونية للعام 2024
+ دراسة نشرتها منظمة (Ellen MacArthur Foundation ) لتحقيق التنمية المستدامة – تشرين الأول/اكتوبر 2025، فضلا عن المصادر المذكورة ضمن فقرات هذا المقال
2026-05-07