لو أردنا أن نوجز بكلمات قليلة الأهداف المتوخاة من السيرورة التي انطلقت من وجهة نظري بعد حرب تشرين 1973 لقلنا ما يلي:
ـ إقناع الدول العربية: مصر وسورية والعراق والجزائر، بأن المشروع التحرري العروبي هزم في حزيران 1967. وبالتالي فإن ما أقدموا عليه في تشرين 1973 كان بالمفهوم الأمبريالي ـ الإستعماري خطيئة يجب أن لا تتكرر!
من هذا المنظور ضربت تونس وليبيا والسودان ولبنان واليمن، لأن هذه البلدان لها دور كبير إما في إنتاج الفكر العروبي وأما في دعم وتطوير القدرات العربية. الأموال الليبية ضد الأموال الخليجية، السعودية. القاعدة الخلفية السودانية !
إذاً هي سيرورة بدأت بإنقلاب الرئيس المصري على الناصرية وصولاً إلى «ثورات الحرية والديموقراطية»غايتها تدمير وتقسيم ومحو دول كمثل الجزائر وسورية والعراق واليمن.
ماذا يحدث الآن في سورية: تعثرت الخطة الأميركية الخليجية التركية، بعض الشيء في سورية، فلقد مضى على اشتعال الحرب ست سنوات وما تزال الدولة قائمة، ما يزال الجيش العربي السوري حاضراً في ميدان المقاومة، ما يزال جزء كبير من السوريين يقاوم دفاعاً عن بلادهم. لم تتمدد الشقوق الطائفية والعرقية العمودية في كل العمق المجتمعي الوطني السوري، شكل الطائفيون والمذهبيون والعنصريون كتائبهم ومعارضاتهم وجماعاتهم المسلحة واستنصروا بالمستعمرين على دولتهم وجيشهم وعلى السوريين الوطنيين الذين لم تنفذ دعوات القرضاوي ودجالي الفكر والثقافة، صفوفهم.
تستعيد الدولة السورية المناطق السورية تدريجياً وبالمقابل تتراجع الجماعات المسلحة. نجم عنه أن الأوراق، أوراق التين سقطت عن جميع اللاعبيين الحقيقيين فبدوا، عراة وبلا أقنعة.
باختصار شديد، لم تكن سورية تمثل خطراً على أية دولة من دول الجوار، ومن ضمنها دولة المستعمرين الإسرائيليين. ينبني ان الأهداف الحقيقة للحرب هي إقتطاع أجزاء منها : الأميركي يريد شرق الفرات، أو أن يدخل في شراكة في الجزيرة مع الدولة السورية، بحجة إنصاف الكرد. فبحسب التقديرات تذخر الأرض في محافظات الحسكة والقامشلي مخزوناً كبيراً من النفط والغاز. ومن المحتمل في السياق نفسه أن العثمانيين الجدد طامعون بمحافظة إدلب.
ولا شك في أن المستعمرين الإسرائيليين يعملون مع الأردنيين والسعوديين، في الجنوب السوري محافظات القنيطرة، درعا، السويداء بالإضافة إلى جنوب نهر الليطاني أيضاً، على إيجاد ظروف ملائمة لمشروع «الوطن البديل»، أي تصفية القضية الفلسطينية، كشرط ضروري ولازم لتحقيق مشروع «الدولة اليهودية» علّ ذلك يكفي لكي يتطهر الإسرائيليون من لعنة الإستعمار والتمييز العنصري !
مجمل القول أن المسألة السورية دخلت في مرحلة جديدة صار فيها الصراع مباشرأ كون المحركين الحقيقيين لجماعات «الإرهاب الإسلامي» من الوهابيين في داعش وجبهة النصرة، ومن الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى المرتزقة الأجانب. ظهروا على حقيقتهم. وصل عديد جيوش الوكالات الأمنية الخاصة في العراق إلى 130 ألفاً. كم عددهم في سورية ؟ أظن أن المنطق يقودنا إلى الإعتقاد بأن المرتزقة أرسلوا بأعداد كبيرة جداً إلى سورية، نظراً إلى طول مدة الحرب وإلى الأهداف المتوخاة !
من البديهي أن السوريين الوطنيين، دولة وجيشاً، وحلفاءهم لن يستطيعوا خوض صراع تقليدي مباشر ضد أميركا وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل في آن واحد وأن ينتصروا.
ولكنهم قاوموا وصمدوا اكثر من ست سنوات وكشفوا للأجيال حقائق كثيرة وعلى درجة كبيرة من الأهمية. وبالتالي ليس مستبعداً أن يتمكنوا من استنباط أساليب ووسائل نضالية تقربهم من الخلاص!