تأطير الوعي والخيار الملزم !
محمد أبوعريضة
وأنت تشاهد أي برنامج حواري، بخاصة في قنوات تدّعي الحياد وهي في الحقيقة منحازة ضدك، قد تواجه معضلة حينما يضعك مصمّمو برامج التأطير والهيمنة أمام خيارين كلاهما ضدك. فإذا اخترت أحدهما شعرتَ أنك مارست الاختيار الطوعي، بينما في الواقع كنتَ مجبرًا على انتقاء واحد من خيارين مرّين.
هذا الأمر نواجهه يوميًا في الإعلام، وبدرجة أخرى في تفاصيل حياتنا كافة. فأنت مثلًا، حين تتسوّق، تجد أمامك خيارات كثيرة لشراء سلعة تحتاجها، لكن يُعرض خياران منها بطريقة جذّابة: من خلال أسلوب العرض، أو الترويج، أو “العروض” والتنزيلات، أو التغليف… فتظن أنك اخترت بحرية، بينما في الحقيقة تمت هندسة خيارك مسبقًا. وهذا ما يُعرف بـ”هندسة التأطير” أو “هندسة الهيمنة والتوجيه”
قبل أيام، وأنا أشاهد برنامجًا حواريًا على قناة تزعم أنها محايدة عن العدوان على قطاع غزة، تذكرتُ نظرية غوبلز – وزير دعاية هتلر – التي تقوم على وضع الجمهور أمام خيارين فقط: إمّا هذا أو ذاك. وفي النهاية، يذهب المتلقي إلى أحدهما، وكلاهما صُمّم بما يخدم المهيمن.
طوّرت الرأسمالية هذه النظرية خلال العقود الماضية، فأصبحت أكثر تعقيدًا مما صاغه غوبلز قبل ثمانين عامًا. على سبيل المثال: سأل مذيع في قناة الجزيرة ضيفًا أمريكيًا عن الهجوم الروسي المضاد في أوكرانيا: “هل فشل؟” فأجاب: “روسيا تتقدم ببطء، لكنها تكبدت خسائر فادحة.” هنا، جرى حصر الرأي العام بين خيارين سلبييًن بالنسبة لروسيا: إما أنها تتقدم ببطء، أو أنها تتكبد خسائر فادحة. وفي النهاية، ما يرسخ في ذهن المشاهد هو ما أراد الضيف تمريره.
يطلق الأكاديميون الأمريكيون على هذه النظرية اسم الخيار المُلزِم (Binding option)، باعتباره أسلوبًا لتزيين أدوات تشويه الوعي وتوجيه المواقف بما يخدم المهيمن، سواء كان خارجيًا (دولة تهيمن على أخرى) أو داخليًا (طبقة تهيمن على أخرى).
يمكن تبسيط النظرية بمثال حياتي: حين يزورك صديق ويسألك: “تشرب شاي أم قهوة؟” غالبًا لا يخطر ببالك أن تطلب العصير مثلًا. هنا جرى حصر عقلك في خيارات محددة، فُرضت عليك لا إراديًا، ومنعك السؤال من التفكير في كل البدائل المتاحة.
بعضنا يمارس ذلك بلا وعي، وبعضنا بذكاء وهندسة. والقوة الحقيقية تكمن حين أجعلك تختار ما أريد أنا، بينما تظن أنك اخترت بحرية.
كأن تقول أم لطفلها: “ما رأيك؟ هل تذهب للنوم الساعة الثامنة أم التاسعة؟” سيختار التاسعة، وهو ما تريده الأم مسبقًا، دون أن يشعر أنه مُجبَر.
الأسلوب نفسه يُستخدم في السياسة والإعلام. في حادثة تحطم طائرة تجسس أمريكية فوق الأجواء الصينية، خرج الرئيس الأمريكي يندّد بتأخر الصين في تسليم الطائرة. فجاء الرد الصيني: سنقوم بتفتيشها قبل التسليم. وهكذا أصبح النقاش حول “التأخر” لا حول “هل تُسلم الطائرة أصلًا أم لا”، وهي موافقة ضمنية على مطلب واشنطن.
وفي عدوان 2003 على العراق، رُوّج إعلاميًا أن معركة المطار هي الحاسمة. وحين سقط المطار، ساد شعور بأن العراق كله سقط، فانكسرت الروح المعنوية، رغم أن المعركة لم تُحسم بعد في سائر البلاد.
اليوم، تواصل وسائل الإعلام استخدام هذه اللعبة في مجتمعاتنا المنهكة بالجهل وانعدام الوعي. فهي تضع الحدث في إطار يخدم القضية التي تريدها. لذلك، انتبه لكل سؤال يُطرح عليك، أو خبر تسمعه أو تقرأه، أو معلومة تصلك، فقد تُسلب بها إرادتك وقناعاتك. كثير من المذيعين يضعون ضيوفهم في الزاوية التي يريدونها.
كلما ارتفع وعي الإنسان ومعرفته، استطاع أن يخرج من هذه الأطر والقيود. فهذه لعبة الإعلام والسياسة والخطباء والكتّاب: أن يقودوك إلى ما يريدون هم، لا إلى ما تريد أنت.
2025-09-06
