بين إعادة تعريف الحسم وتآكل الإغلاق:
اشتباك في حدود الفخّ المركّب وإمكان الفعل
بقلم: خالد صالح عطية
لا يأتي هذا النص بوصفه ردًا على طرح الدكتورة غانية ملحيس بقدر ما يأتي امتدادًا له، ومحاولة لدفعه إلى النقطة التي يبدأ عندها بكشف حدوده الخاصة. فالمسألة هنا لا تتعلق باختلاف في المواقف، بل باختلاف في مستوى السؤال نفسه: ليس كيف يعمل “الفخّ المركّب”، بل ما الذي يكشفه عن طبيعة التحول الذي يشهده العالم.
في هذا السياق، تطرح الدكتورة غانية قراءة دقيقة تحرص على إبقاء “الفخّ” ضمن حدوده بوصفه اتجاهًا بنيويًا قابلًا للاشتباك وإعادة الضبط، محذّرة من تحويله إلى بنية مغلقة تُفضي إلى حتمية معكوسة تُقوّض إمكان الفعل. وهو تنبيه لا يمكن التعامل معه كاعتراض، بل كشرط منهجي لبقاء المفهوم نفسه حيًّا وقابلًا للتطوير.
ولا يمكن لهذا الاشتباك أن يُقرأ خارج سياقه الأعمق، حيث لا يقوم على تباعد في الرؤية بقدر ما يقوم على تراكم مشترك في التفكير. فالدكتورة غانية لا تمثل هنا موقعًا مقابلًا، بل امتدادًا فكريًا أسهم—بشكل مباشر—في بلورة الأسئلة التي يُدفع بها اليوم إلى حدودها القصوى.
غير أن أهمية هذا الاشتباك لا تتحدد في الاتفاق على خطر تحويل المفاهيم إلى يقينيات، بل في النقطة التي يبدأ عندها الاختلاف الحقيقي: ليس حول توصيف الظاهرة، بل حول مستوى التحول الذي نشهده—أهو تحول في درجة التداخل داخل النظام، أم في منطق إنتاج النتائج ذاته؟
أولًا: من التداخل إلى البنية — أين يقع التحول؟
ينطلق طرح “الفخّ المركّب” كما تقدمه الدكتورة غانية من افتراض منهجي متماسك: أن ما نواجهه هو اتجاه بنيوي متصاعد، يتجلى في تزايد التداخل، ويمكن الاشتباك معه وإعادة توزيعه عبر أدوات مثل “الصمود النشط”، دون أن يتحول إلى بنية مغلقة مكتملة.
هذا الطرح، في دقته، لا يتعارض مع ما يُطرح هنا بقدر ما يكشف حدوده.
فالمسألة، في تقديري، لا تتعلق بدرجة التداخل، بل بطبيعة العلاقة التي تربط الفعل بنتيجته داخل هذا التداخل. أي أننا قد لا نكون أمام تزايد في التعقيد فحسب، بل أمام تحوّل في منطق اشتغال الصراع نفسه.
ثانيًا: تآكل قابلية الإغلاق — من التعثر إلى التحول البنيوي
ليست المشكلة أن الحسم يتعثر، بل أن الصراع لم يعد يُنتج لحظة يمكن أن يُسمى فيها “انتهى”. ما نواجهه ليس أزمة في إدارة النهايات، بل تآكلًا تدريجيًا في إمكانية إنتاجها.
ولكي لا يبقى هذا الطرح في مستوى الحدس، يمكن رصد نمط متكرر عبر ثلاث سمات بنيوية:
1. قابلية الامتصاص المرتفعة للنتائج الجزئية
حيث تتحول النجاحات التكتيكية—العسكرية أو السياسية—إلى عناصر يُعاد دمجها داخل بنية الصراع، بدل أن تُراكم باتجاه حسمه. الفعل لا يُلغى، لكنه يفقد قدرته على التحول إلى نقطة فاصلة.
2. تحوّل التصعيد إلى إعادة توزيع
بدل أن يؤدي التصعيد إلى كسر التوازن، يصبح وسيلة لإعادة ترتيب مواقع الضغط داخل الشبكة. التأثير لا يختفي، لكنه يُعاد توجيهه ضمن نفس البنية.
3. انفصال الفعل عن أفق الإغلاق
حيث تستمر القدرة على الفعل والتأثير، لكن دون أن تقود—حتى عبر التراكم—إلى لحظة قابلة للتثبيت كنهاية. العلاقة بين الفعل ونتيجته لم تعد خطية، بل أصبحت مفتوحة على إعادة الامتصاص.
هذه السمات لا تشير إلى تعثر ظرفي، بل إلى تحوّل أعمق في بنية السببية نفسها:
لم يعد الفعل مسارًا نحو نتيجة، بل مدخلًا إلى سلسلة من التفاعلات تُعاد صياغتها داخل البنية.
غير أن هذا التحول لا يعني اختفاء الفعل، بل إعادة تموضعه.
فحين يفقد الفعل قدرته على إنتاج نهاية، لا يفقد أثره، بل يتحول من أداة للحسم إلى أداة للتأثير داخل مسار مفتوح.
أي أن الإمكان لا يُلغى، بل ينفصل عن فكرة الإغلاق التي كانت تمنحه معناه سابقًا.
ثالثًا: بين إعادة تعريف الحسم وتأجيله البنيوي
ضمن هذا السياق، يكتسب توصيف الحسم بوصفه “أثرًا استراتيجيًا مستمرًا” أهمية تحليلية، لكنه يطرح إشكالًا مفاهيميًا أعمق:
هل نحن أمام إعادة تعريف للحسم،
أم أمام تكييف مفاهيمي مع واقع لم يعد يسمح بالإغلاق أصلًا؟
بعبارة أخرى، قد لا نكون بصدد تطوير المفهوم، بل إعادة تسميته حين يفقد وظيفته الأصلية. فالحسم، تاريخيًا، لم يكن مجرد أثر، بل قدرة على تثبيت نتيجة. أما حين يصبح الأثر مستمرًا دون إمكانية الإغلاق، فإننا لا نعيد تعريف الحسم، بل نؤجل غيابه.
ومع ذلك، لا يجعل هذا الفعل بلا جدوى، بل يعيد تحديد موقعه.
فالفعل، في مثل هذه البيئات، لا يُقاس بقدرته على إنهاء الصراع، بل بقدرته على إعادة تشكيل مساراته وحدود اشتغاله.
رابعًا: الصمود النشط — أداة للخروج أم نمط اشتغال؟
ينطبق هذا الإشكال على مفهوم “الصمود النشط”. فبينما يُقدَّم بوصفه أداة للعمل داخل الفخ وإعادة توزيع الإمكانات، فإن السؤال لا يتعلق بفعاليته التكتيكية، بل بأفقه البنيوي:
هل العمل داخل الفخ يعني إمكان تجاوزه،
أم أنه تعبير عن قدرة البنية على استيعاب كل أشكال الاشتباك معها دون أن تنكسر؟
بهذا المعنى، قد لا يكون الصمود النشط نقيضًا للفخ، بل أحد أشكال اشتغاله الأكثر تعقيدًا، حيث يتحول الفعل ذاته إلى عنصر في دينامية الاستمرار، لا إلى أداة للخروج.
لكن ذلك لا ينفي أهميته، بل يعيد تحديد وظيفته:
ليس كأداة لكسر البنية، بل كوسيلة للتأثير داخلها، دون افتراض القدرة على تجاوزها بالكامل.
خامسًا: ما بين الإمكان والحتمية — إعادة تحديد الموقع
يبدو نقد “الحتمية المعكوسة” مشروعًا، لكنه يفترض أن القول بتراجع قابلية الحسم يُفضي إلى تثبيت الاستمرار كقدر. بينما ما يُطرح هنا مختلف:
لسنا أمام استمرارية حتمية، بل أمام تغيّر في الشروط التي كانت تجعل الإغلاق ممكنًا.
وهذا لا يعني أننا أمام بنية مغلقة مكتملة، ولا أمام عالم فقد الإمكان، بل أمام حالة أكثر التباسًا:
عالم ما زال يُنتج أفعالًا وتأثيرات وتحولات،
لكنه يُظهر—بصورة متكررة—عجز هذه الأفعال عن التحول إلى نهايات مستقرة.
وهنا لا يُلغى الإمكان، بل يتغير موقعه:لم يعد مرتبطًا بإنتاج نهاية،بل بالقدرة على العمل داخل مسار لا يُغلق.
أين يتموضع الفعل؟
في هذا السياق، لا يكون التحدي في استعادة الحسم كما كان، بل في تطوير أشكال فعل قادرة على العمل داخل مسارات لا تُغلق.
أي أن السؤال لا يعود: كيف ننهي الصراع؟
بل: كيف ننتج أثرًا داخل مسارات لا تُغلق، دون افتراض القدرة على إنهائها؟
هل تغيّر الصراع… أم تغيّر معنى النهاية؟
في هذا المستوى، لا يعود السؤال: هل الفخّ حدّ أم أفق؟
بل: هل ما نعيشه هو فخ يمكن العمل داخله، أم لحظة تاريخية يتغيّر فيها معنى “الإغلاق” نفسه؟
قد لا يكون ما تغيّر في الصراع بقدر ما تغيّر في القاعدة التي كانت تمنحه نهاية.
ولهذا، لا يكمن التحدي في إثبات إمكان الفعل،
بل في فهم لماذا لم يعد هذا الفعل—رغم حضوره وكثافته—ينتج نهاية كما كان يفعل.
وربما هنا يبدأ السؤال الأعمق:
ليس كيف نُنهي الصراع،
بل كيف نعمل داخله دون أن نفقد القدرة على التأثير
حتى في عالم لم يعد يمنح نهايات واضحة .
لأن ما يتغيّر قد لا يكون في الصراع ذاته، بل في القاعدة التي كانت تمنحه معنى النهاية .
أبريل 2026