بريطانيا وجهاً لوجه مع العنصرية!
شريف العصفوري
في مدينة “ساوثبورت” البريطانية، الساحلية الصغيرة، شهدت حفلة مخصصة للمراهقين والأطفال حادثة مأساوية؛ حيث قام مراهق يبلغ من العمر 17 عامًا بطعن مجموعة من الحاضرين، مما أدى إلى مقتل ثلاث فتيات دون العاشرة من العمر، وإصابة أكثر من 10 أشخاص آخرين، بينهم بالغون. وفقاً للقانون البريطاني، يُحظر الكشف عن أسماء المتهمين للأحداث، فانطلقت الشائعات عبر منصات التواصل الاجتماعي تتهم المسلمين بتنفيذ هذه المذبحة. فنفجرت مظاهرات واضطرابات، ووقعت أعمال عنصرية ضد الأقليات الآسيوية وأصحاب البشرة السمراء، وضد المساجد، مما أدى إلى مواجهات مع الشرطة.
حاولت الشرطة المحلية حجب الأخبار عن شبكات الأخبار، لكن سرعان ما بدأت التسريبات تظهر. فمع انتشار الشائعات، اشتعلت الاضطرابات في شمال إنجلترا وغربها، وامتدت إلى اسكتلندا ثم شمال أيرلندا. ورغم تدخل المنظمات المحلية والأحزاب السياسية، إلا أن نيران العنف والغضب ازدادت اشتعالاً. فاعتقلت الشرطة مئات الأشخاص الذين شاركوا في أعمال العنف والنهب والحرق، مما اضطر الرئيس الجديد لحزب العمال إلى مخاطبة الحادثة مباشرة.
اشتعلت الاضطرابات في أعقاب عدة عوامل متداخلة، حيث أثر الإحباط السياسي الذي شعر به اليمين المتطرف بشكل كبير بعد الفوز الساحق لحزب العمال في الانتخابات البرلمانية، والذي يُنظر إليه كموالي للمهاجرين وربما متعاطف مع المسلمين والآسيويين. إضافة إلى ذلك، تواجه مناطق الشمال والشمال الغربي تحديات اقتصادية، إذ تعاني من هروب الصناعات التقليدية وعدم قدرتها على جذب الاقتصاد الجديد، مما جعلها أقل ثراء من جنوب شرق المملكة المتحدة. و تعاني هذه المناطق من معدلات فقر و بطالة أعلى من المتوسط في بريطانيا، كما أنها تاريخيا يسكنها أقليات مهاجرة من آسيا وأفريقيا والكاريبي بنسب تجعل السكان الأصليين (البيض) إما أكثرية قليلة و في أحيان كثيرة أقلية كبيرة.
ويبدو استغلال اليمين المتطرف هذا المناخ المتوتر بشكل فعال من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ( تم القبض على شخص و اتهامه في قضية بث أخبار ضد السلم الإجتماعي بواسطة الفيسبوك لأول مرة في المملكة المتحدة). أضف إلى ذلك وجود الصور النمطية السائدة عن الإسلام والمسلمين، التي تم تعزيزها بأحداث تدعم فكرة أن جمهور المسلمين في بريطانيا يدين الموسيقى والاختلاط ويعارض النسوية، مما ساهم في تأجيج نار العنف والغضب.
قبل أمس فقط، ظهر المتهم بالهجوم بالسكين في مدينة ساوثبورت، حيث قرر القاضي لظروف الاستثنائية، نظرًا للأحداث العنيفة، الإعلان عن اسم المراهق.الذي اتضح أنه ليس آسيويًا ولا مسلماً، بل هو من مواليد “كارديف” في المملكة المتحدة (ويلز)، ووالداه مهاجران من رواند ويدعى “Axel Rudakubana”. فهل تهدئ عاصفة العنصرية و الحرق و النهب الفاشي؟!
هناك دروس يجب استخلاصها من الحادثة، لا يجب الإنتظار أسبوعين أو ثلاثة لإعلان الحقائق، مهما كانت مؤلمة و مزعجة، فالسلم الإجتماعي في مساحات شاسعة من المملكة المتحدة بات تحت تهديد المواجهات العنصرية و حرق النسيج الإجتماعي، ففي ظل زيادة تمثيل الأقليات في مناصب عليا، كرئيس وزراء بريطانيا من أصل هندي ورئيس وزراء اسكتلندا من أصل باكستاني، بالإضافة إلى عمدة لندن، فإن رد الفعل اليميني في عصر “عودة ترامب” قد لا يقل عنفًا وحدة عما هو عليه الآن.
وأجد من الدروس الأساسية التي يجب استخلاصها هي ضرورة تجاوز الأفكار المحافظة والتقليدية من خلال عملية مستمرة تشمل التعليم والإعلام، خاصةً في ضوء التأثير الخطير لوسائط التواصل الاجتماعي، التي غالبًا ما تخدم – بالديماغوجية – بعض فئات المجتمع المشبعة بأفكار الماضي و حساسياته و غرائزه العدوانية ضد الآخر والمختلف.
أما فيما يخصنا في مصر، فمن الضروري مراجعة مفاهيمنا وزيارة قريحتنا بشأن تلك القضايا والأفكار، التي ربما دفعت ذلك المراهق لارتكاب مذبحة، كانت محركها دوافع قيمية معقدة تتعلق بالميسوجينية—الكراهية ضد الإناث—والاستعلاء الأخلاقي على المجتمع المحيط أو المجتمع المغاير.
2024-08-09