برنامج التحالف الوطني الديمقراطي الأردني!
بعد أن أشهر التحالف الوطني الديمقراطي نفسه عبر نشر بيانين، وردت العديد من التساؤلات عن هذا التحالف، وعن مكوناته وبرنامجه والمساهمين به. وسوف يتم نشر الوثائق الضرورية للتعريف بهذا التحالف، بشكل متتابع. صحيح أن الرؤية الثورية موقف بسيط ومباشر، ولكن البرنامج السياسي والثوري لا يمكن تقديمه بشكل فوري.
يتألف برنامج التحالف الوطني الديمقراطي من جزئين متكاملين هما:
أولاً: صورة الدولة الحقيقية في الأردن
ويقدم هذا الجزء تصوراً كاملاً لما ستصبح عليه القطاعات والمؤسسات المختلفة للدولة بعد أن يستردها الشعب سلطة وموارد. فيجيب هذا الجزء من البرنامج على العديد من الأسئلة المتعلقة بكيفيات عمل مؤسسات الدولة في المستقبل. حيث سيتضمن هذا الجزء القواعد الناظمة لعمل الهيئات المختلفة. فمثلاً كيف سيتم تنظيم القضاء؟ كيف سيتم تنظيم التعليم العام إضافة إلى الجامعات والبحث العلمي والتطوير؟ ما هي مواصفات وقواعد عمل القطاع الصحي؟ ما هي القواعد التي ستنظم العمل النقابي؟ وهذا سيشمل العديد من القطاعات والهيئات والمؤسسات، بما فيها المخابرات والأمن العام والجيش ووزارة الخارجية، إضافة إلى القواعد الناظمة لعمل الحكومة المركزية ومهامها ومهام الحكومات المحلية وكيفية التكامل بينها؟
وهذا الجزء يوضح الرؤية المتعلقة بطبيعة ودور الحكومة المركزية في إدارة القطاعات المختلفة، وفي العلاقة بين مؤسسات الدولة المتخصصة والحكومة المركزية. فمثلاً، ما هو دور الحكومة المركزية في إدارة مرافق التعليم؟ أو ما هو دورها في تحديد المناهج؟ أو دور الحكومة المركزية في إدارة وتجهيز مرافق العدالة؟ إذ أن دور الحكومة المركزية في إدارة القطاعات والمؤسسات المختلفة هو الذي سيقرر وجود مؤسسات دولة متخصصة فنياً، وتحظى باستقلال ضميرها المهني. إذ بالرغم من ضرورة الحكومة المركزية، وأنها لا غنى عنها للحفاظ على وحدة الدولة وتكامل عمل مؤسساتها وضمان النظام في عملها وتجنب الفوضى، ولكن دور الحكومة المركزية يصبح كارثياً حين يتجاوز الحد الضروري لتحقيق ذلك. والمبدأ الحاسم في هذا الخصوص أن الحكومة المركزية ليست بديلاً عن الشعب وليست وظيفة متعالية عن قوى الشعب، وتتلخص وظيفتها بوضع سياسات عمل الأجهزة التنفيذية وليس العمل نيابة عنها. فمثلاً، لا يمكن للحكومة المركزية أن تحدد مادة المناهج المدرسية، فهذا اعتداء على خبراء التعليم وتهميش لهم، كما أنه تهميش للمعلمين وتحويلهم إلى مجرد مقاولين. ولكن من الضروري أن تساهم الحكومة المركزية في تكامل المناهج التعليمية عن طريق تحديد أهداف هذه المناهج، والوظيفة المتوخاة منها. وبعد ذلك يترك للخبراء والمنفذين تحديد أفضل الطرق وأفضل المناهج لتحقيق الهدف.
فالحكومة المركزية تحدد السياسات، إضافة إلى الاستراتيجيات المركزية الضرورية لضمان أن يتم العمل بموجب هذه السياسات. وتترك خيارات التنفيذ ووسائله إلى المؤسسات والهيئات الفنية المختلفة التي تعمل بضمير مهني مستقل (ولكن تحت رقابة مزدوجة) من قبل الحكومة المركزية، ومن قبل القوى والهيئات التمثيلية للشعب. وبرنامج التحالف الوطني الديمقراطي يحدد دور السياسات والاستراتيجيات المركزية، التي يجب الالتزام بها، وأن تترك للمؤسسات المتخصصة التي تحظى باستقلال ضميرها المهني هوامش كافية لحشد قوى الشعب لتحقيق أهداف السياسات والاستراتيجيات المركزية.
ثانياً: برنامج الانتقال من الوضع الراهن إلى الدولة الحقيقية
الجزء الثاني من برنامج التحالف الوطني الديمقراطي متعلق بالمسار من الوضع الراهن إلى الدولة الحقيقية. وهذا المسار يتكون من مرحلتين: الأولى كيف سيتم تمكين الشعب من استرداد الدولة سلطة وموارد وتحديد العوائق وكيفية التخلص منها. وهذا يتضمن تقديم تصورات عن الصراع مع الاستبداد والفساد وكيفية تخليص الدولة من هذا الطاعون. والمسار الثاني متعلق بمرحلة ما بعد التخلص من الاستبداد والفساد، وكيف سيتم إعادة هيكلة الموارد المتاحة في القطاعات والمؤسسات المختلفة لبنائها حسب القواعد الجديدة والتي عنوانها استقلال الضمير المهني لمؤسسات الدولة التي تدير قطاعاتها المختلفة.
المسار المتعلق بمرحلة الصراع مع الاستبداد والفساد للتخلص منهم، والذي يمكن وصفه بانه (برنامج وخطة المرحلة الثورية)، من الحكمة أن يبقى غير معلن بسبب موازين القوى الراهنة. فالسرية لا تسري على التنظيم فقط، بل وأيضاً خطط تحركه. كما أن ارتهان الكثير من الخيارات الثورية وتوقيتها بتطورات الصراع، يجعل من غير الواقعي وجود خطة ثورية متكاملة للتخلص من الاستبداد والفساد يمكن إعلانها بشكل مسبق.
ولكن هذا لا يعني انه بالإمكان تنظيم ثورة بشكل سري. الفعل الثوري وإن كان التحضير له سرياً، إلا أنه فعل علني. ففي لحظة ما يتم الإعلان عن الخطوة الثورية مع مراعاة متطلبات مفاجأة أدوات الاستبداد والفساد، وعدم منحها الفرصة للاستعداد المسبق. إذ أن المفاجئة أهم وسيلة لتعديل موازين القوى لصالح القوى الثورية، وحرمان الاستبداد والفساد من حشد طاقاته وتركيزها لاستهداف الحركة الثورية وتدميرها، بالإضافة طبعاً إلى استدراجه لمعارك هامشية تشتت طاقاته وتبددها.
أما ما يتعلق بالتنظيم، فسوف يكون هناك جزءً مُعلن، وهو المتعلق بمن يستطيع أن يعلن عن نفسه دون التعرض لخطر التصفية أو الاعتقال. وسيبقى الجزء الآخر سرياً، ويقوم بعمليات تَقرُب مناسبة ليستطيع الانقضاض على مركز الاستبداد والفساد وتفكيكه بأقل كلفة ممكنة. وفي كل الأحوال، من الضروري إبقاء المؤيدين للتحالف الوطني الديمقراطي العاملين في المؤسسات غير معلنين.
كلمة أخيرة
أخيراً لا بد من التذكير المتكرر بأن أي تنظيم أو جبهة او تحالف ثوري، يسعى لإسقاط الاستبداد والفساد، ولكنه لا يمكنه القيام بهذه المهمة نيابة عن الشعب. وعليه يجب أن يتركز سعيه لتمكين الشعب من استرداد السلطة، لا أن يستولي عليها التنظيم الثوري. فالهدف المركزي هو تمكين الشعب من استعادة دولته سلطة وموارد. مع التذكير بأن الشرعية الثورية لا تستقيم بذاتها، بل يجب أن يعاد انتاجها عبر شرعية مدنية تحسم وتقرر حسب مخرجات صناديق الاقتراع. فالتحالف الوطني الديمقراطي الأردني لن ينجز التغيير بديلاً عن الشعب، وعليه فهو لن يستولي على السلطة ويصبح بديلاً للمستبد الفاسد وعائلته. فمهمة التحالف الوطني الديمقراطي الأردني تنتهي بتمكين الشعب الأردني من استرداد دولته سلطة وموارد، بعدها فإن أي من المساهمين في هذا التحالف يجد في نفسه القدرة على خدمة الشعب الأردني في المرحلة القادمة أن يترشح للانتخابات وأن يحول (ادعاءه بالشرعية الثورية) إلى شرعية سياسية ديمقراطية حقيقية. فالشرعية الثورية تنتهي في لحظة سقوط المستبد الفاسد وعائلته، ويبدأ عهد الشرعية الديمقراطية، وتفعيل مبدأ حاسم بأن لا سلطة إلا بتفويض شعبي ظرفي ومؤقت. وما يبقى من المرحلة الثورية (وشرعيتها) هو الحلم والإرادة الثورية بتحويله إلى برنامج عمل يتم تنفيذه بالقواعد الديمقراطية.
2025-02-19