بانتظارجيل مابعد “فهد”والجادرجي والركابي(1)!
عبدالامير الركابي*
لم يعرف العراق قبل القرن العشرين مايمكن ان يعتبر من قبيل ذلك النوع من الافكار الداله على التنبه للظاهرة الغربية الحديثة الناجمه عن الانقلابيه الاليه كما الحال في مصر محمد علي الافغاني، وماقد عرف عند اواخر القرن التاسع عشر، من ظواهر محدودة، قومية بالذات، كانت نتيجة التاثر بما هو متوفر منها في الشام ومصر اللتان كانتا المحور والمنطلق الاول لنوع من التحسسات بالظاهرة الانقلابيه الغربية، بالاخص مع ظاهرة الالباني محمد علي، ومااعتبر نوعا من الالتحاق بالانقلاب الغربي، حسب ماكان ممكنا وقتها متوفرا من ممكنات الحكم او النظر الى مثل تلك الظاهرة الذاهبة الى استحضار الحدث الغربي، في موضع مثل مصر هو نموذج تاريخي لكيانيه مجتمعية احادية الدولة، ظل راضخا للخارج، يتعايش معه منذ انقضاء الطور الفرعوني، بالاحتلالين الفارسي والروماني.
هذا بينما كان العراق الازدواجي المجتمعي في حال بدء تشكل ثالث، بعد انقطاع بين الدورات، وهو القانون الناظم لتاريخة المتعاقب، اولى سومرية بابلية ابراهيمه دخلت الانقطاع الاول بسقوط بابل في 639 ق م والثانيه عباسية قرمطية انتظارية، علامة انهيارها سقوط بغداد عام 1258 لم يتم الخروج منها رغم عودة الانبعاث في ارض سومر الحديثة من الجنوب كما القانون الناظم لعملية التشكل مابين النهرينيه، مع قيام “اتحاد قبائل المنتفك” عام 1530 في ارض سومر، يوم بدات الفترة القبلية من التشكل المشار اليه، اعقبتها الفترة الانتظارية النجفية الحديثة و”دولة اللادولة” ونظام الاجتهاد والتقليد في ارض السواد، وصولا الى الغزو البريطاني عام 1914 وحملته الصاعدة من الفاو الى العاصمة الامبراطورية المنهارة، ماقد استغرق ثلاث سنوات استثارت بعد اعلان الاحتلال، الثورة اللاارضوية الاولى غير الناطقة التي اضطرت المحتل لان يقرر الانسحاب، لولا ان امكن ايجاد الحل عن طريق “اقامة دولة من اهل البلاد” تكون واجهة لضمان ماممكن من المصالح البريطانيه، لتبدا من وقتها معركة افناء متبادل بين اللاارضوية المتشكله حديثا، وصيغة الدولة ” الحديثة” المركبه برانيا بلا تاريخ، ولا علاقة بالكينونه او النصاب المجتمعي، انتهت بانتصار اللاارضوية بالاقتلاع الكلي والازاله التامه من الوجود للدولة البرانيه عام 1958 مع الثورة اللاارضوية غير الناطقة الثانيه.
وقتها انقلب مسار التشكلية العراقية متعدية اشتراطات الفترتين، الاولى والثانيه القبلية المنتهية بعد الثورة الثلاثية 1787 ،والثانيه التي تم تجاوزها عمليا مع ثورة العشرين المصيرية، التي حركها الصعود الغربي بشكله ونوعه الالي المستجد من الجنوب، منطقة الامان اللاارضوي التا ريخي التي لم تعرف اطلاقا الاختراق برغم السيول البشرية النازله بلا توقف من الشمال والشرق والغرب على مر التاريخ من الجبال الجرداء والصحاري، فلم يكن لحال من هذا القبيل ان ينشغل بالافكار، بالذات منها الذاتيه المتعدية كينونة وتاريخيا للمتوفر للعقل من قدرة على الادراك، خاصة وسط اشتراطات واجراءات عملية غالبه كانت بالاحرى تستدعي مقابلها نزوعا عمليا مضادا، موكولا الى الديناميات الواقعية الذاتيه الوطن كونية اللاارضوية رغم عدم نطقيتها، سرعان ماوجدت الوسائل الضرورية الموفرة من قبل المحتل نفسه، وماقد ظهر منها ضد نزوعه الاحتلالي التسلطي الافنائي بالاخص باختلاق الاقطاع بقانون التسوية عام 1932 اي قلب المشاعية التاريخيه الى الملكية المدعومه من دولة الاحتلال، فكان ان عرف العراق موجه”حداثوية” حزبية بالدرجة الاولى، عملية الطابع، ارتكزت لقوة آليات المقاومه الذاتيه غير المعبر عنها، فاذا بافكار مستعارة ماخوذه من واقع الغرب ومنتجه التوهمي وتناقضات وضعه واستقطاباته، تتحول الى اداة ووسيله مضادة للافنائية الكيانيه المفروضة واقعا مركبا وسردية، قررت وجود عراق لاوجود له، ولم يسبق ان عرفه هذا المكان في اي طور من اطوار تاريخه الاطول بين التواريخ.
وفي الناصرية عاصمة “المنتفك” موضع الانبعاث التاريخي السومري الحديث، قامت “دولة لادولة” مضادة للدولة العليا المقامه في العاصمه، من حزبين ستكون لهما فعالية تاريخيه غير عاديه، بالاخص الشيوعي منهما، اضافة للبعث حيث تاسسا بعد محاولات فاشله لاقامتهما في العاصمة الامبراطورية المنهاره بغداد، استبدالا وبغض النظر عن مخالفتهما جوهرا للكينونه الذاتيه والبنية المجتمعية، واتفاقهما العام مع المصدر التوهمي الغربي، وسرديته الحديثة الافنائية التي تربط وجود العراق الحديث بالنظام الراسمالي العالمي، بخلاف الواقع التشكلي العائد للقرن السادس عشر، بالقفز الاعتباطي، من المنتفك” الى ولايات مفترضة ثلاث هي بغداد والموصل والبصرة، علما بان بغداد موقع انهياري تاريخي، وهو والموصل مواقع بلا ديناميات موصوله مباشرة بالانبعاثية الازدواجية المجتمعية العراقية التاريخيه والحديثة المتناسبة مع طبيعة العراق اللاارضوية/ الارضية الصاعدة كقاعدة من الجنوب ( سومر في الطور الاول و الكوفة والبصرة في الثانيه) وارض المنتفك/ سومر الحديثة اليوم.
ثمة حزب ثالث كانت ساحته بغداد، وظل بلا ديناميات جماهيرية فعاله، هو الوطني الديمقراطي الشعبوي، به يضاف اسم كامل الجادرجي الى ” فهد” يوسف سلمان يوسف” وفؤاد الركابي مؤسسا الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي الويرلنديان من حيث المنظور الى الكيانيه، المقتنعان بالسردية التي وضعها فليب يرلند للعراق الحديث، والمستمران بالايمان بها حتى اخر يوم من حياتهما وحياة حزبيهما والى الساعه، الامر الذي يضعهما من هذه الناحية ضمن خانه الافنائية البرانيه، وبجعل منهما قوتان افنيائيتات للذات “الوطنيه” بطبيعتها الكونيه التاريخيه والراهنه، كما تحولا في وقت لاحق، بعد ان ازيل الاحتلال ودولته من الوجود ومحق بعد ثورة 14 تموز.
كرس هؤلاء بمساعدة الظروف العامه على مستوى المعمورة، وجودهم “الوطني الزائف” والعابر، على انه “الوطنيه العراقية الحديثة”، فلم يحدث ان صدرت عنهم اية اشارة يمكن ان تنسب الى تحسس ما ولو بادنى درجه، يمكن ان تعتبر من قبيل مقاربة الذاتيه الوطن/ كونيه للموضع الذي هم منه، ووجدوا فيه، الامر البديهي اذا اخذنا بالاعتبار، قصوريتهم العقلية التاريخيه العامة من ناحية، كما بسبب الاشتراطات الانقطاعية الانهيارية التي كانت ماتزال سارية بعد الدورة الثانيه المنهاره، مع آثار ومفاعيل الوقع الباقي للانتاجية اليدوية، قبل التحول الى الريعيه النفطية، هذا بمقابل سطوة والق التوهمية الغربيه الشامله، والحالة على المعمورة ككل، ماكان من شانه ان جعل من المؤسسين الثلاثة الواردة اسماءهم، خارج الاحتمالية الكبرى العظمى “الوطن / كونية” المفترض كونهم معنيين بها، وباظهارها كانقلابيه منتظرة على مر التاريخ العراقي والبشري، لتعديها قدراتهم ومامتاح لهم في حينه من ممكنات الادراك، خصوصا وانهم قد وجدوا عند منعطف الانتقال من الانتاجية اليدوية الى الالية التكنولوجيه على مستوى المعموره.
2026-01-23