اوكرانيا امام احتمالات احلاها مر !
كتب ناجي صفا
لن تقبل روسيا استكمال تطويقها من خلال حلف شمال الأطلسي عبر اوكرانيا ، بحيث تستكمل عملية تطويق روسيا من الجهة الجنوبية الغربية بعد ان جرى تطويقها من الجهة الشمالية الغربية عبر دخول كل من لاتفيا وليتوانيا في الإتحاد الاوروبي وانضمامهما لحلف شمال الأطلسي .
روسيا تعتد بالتفاهم الشفوي بين جورج بوش الأب والرئيس الروسي غورباتشوف، حينها تعهد الرئيس الاميركي بعدم تمدد حلف شمال الاطلسي باتجاه روسيا، او الدول التي كانت تابعة للإتحاد السوفياتي قبيل انهياره، مقابل حل غورباتشوف لحلف وارسو وانهاء الحرب الباردة بين البلدين . لكن ما ان جرى تفكيك الإتحاد السوفياتي حتى بادر الاميركيين لضم عدد من الدول التي كانت تابعة للإتحاد السوفياتي لحلف الناتو خلافا للإتفاق الشفوي مع غورباتشيف .
الولايات المتحدة كانت سباقة للنكول بالإتفاق ، عملت ولا زالت على تطويق روسيا عبر حلف الناتو وزرع القواعد الصاروخية بجوار روسيا، وخرجت من اتفاقية الصواريخ المتوسطة المدى. فرأت روسيا في ذلك تهديدا لأمنها .
ازداد هذا التوجه الاميركي رعونة بعد وصول بوتين الى الحكم، ومحاولته استعادة دور وموقع روسيا كما كان الحال ايام الإتحاد السوفياتي .
لجأت الولايات المتحدة الى محاولة زرع الشقاق بين روسيا والصين، باعتمارهما عملاقان ، احدهما اقتصادي، والآخر عسكري ، معتبرة ان تحالفهما يشكل خطرا عليها وعلى ريادتها العالمية واستمرار هذه الريادة. عادت الولايات المتحدة الى لعبة الحصار على روسيا، ومحاولة استكمال الطوق حولها، باحداث تغيير في السلطة السياسية الاوكرانية التي كانت تاريخيا حليفة لروسيا، وتجمعها بها حدود مشتركة كبيرة ، غيرت الولايات المتحدة الوجهة السياسية للنظام الأوكراني عبر احداث انقلاب عام ٢٠١٤ ، باتت اوكرانيا معادية لروسيا واميركية الهوى، وتريد الإنضمام الى الإتحاد الأوروبي واستطرادا لحلف شمال الأطلسي، ما يمثل خطرا حقيقيا على الامن القومي الروسي، في هذه الحالة يصبح من المستحيل على روسيا تواجد اسطول البحري في البحر الاسود، الذي سيصبح محرما على روسيا مباحا للولايات المتحدة ، قامت روسيا بإعادة ضم جزيرة القرم التي كانت تنازلت عنها لأوكرانيا ايام الإتحاد السوفياتي ، بذلك ضمنت روسيا سيادتها الجزئية على البحر الأسود ، ووفرت امكانية المرور بالبحر الأسود الذي غدا على حدودها عبر جزيرة القرم .
اغضب ذلك اوكرانيا بشكل خاص، والغرب بشكل عام ، فسلخ جزيرة القرم عن السيادة الاوكرنية افقدها مجالا حيويا كانت تستطيع من خلاله ايذاء روسيا، وتحديد حركتها في البحر الاسود ، لجأت الى ممارسة التمييز والقمع لسكان منطقة دونباس ذات الأغلبية الروسية، التي كانت اعطتها اتفاقية مينسك نوعا من الحكم الذاتي لم تنفذه اوكرانيا .
مع وقف ضخ الغاز الروسي الى اوروبا عبر اوكرانيا كنوع من العقاب وردة الفعل على العداء الاوكراني لروسيا ، لجأت اوكرانيا الى محاولة قمع سكان منطقة الدونباس ذات الأكثرية الروسية، والتي اصبحت الآن جمهوريتي لوغانسك و دونتسيك، بعد ان اعترف بهما الدوما الروسي كجمهوريتين مستقلتين عن اوكرانيا ، وضع هذا المنطقة على صفيح ساخن، ورفع منسوب احتمالات الحرب، التي كانت تروج لها الولايات المتحدة، بهدف اضعاف روسيا ومحاصرتها من جهة ، وضرب العلاقات الروسية الاوروبية من جهة اخرى، واستكمالا لعملية احتواء اوروبا الغربية التي تعرضت علاقتها بها لإنتكاسة جراء تعاطي الرئيس السابق ترامب مع اوروبا بإحتقار .
الازمة الاوكرانية الحالية تشبه الى حد بعيد ازمة خليج الخنازير في كوبا ، عندما نصب الإتحاد السوفياتي صواريخ تحمل رؤوسا نووية على الاراضي الكوبية، الأمر الذي اعتبرته انذاك الولايات المتحدة تهديدا لامنها القومي، وكاد ان يجر العالم لحرب عالمية ثالثة وبالسلاح النووي الذي يمكن ان يؤدي الى فناء العالم .
جرت تسوية بين الدولتين تقضي بسحب الصواريخ الروسية من كوبا ، مقابل سحب الصواريخ الاميركية من تركيا . .
الفارق الآن ان اميركا تهدد بالعقوبات دون الإلتزام بدخول الحرب الى جانب اوكرانيا ، هي تقريبا ذات ظروف ازمة الصواريخ في كوبا، الفارق هو بعدم تهديد الامن الاميركي مباشرة كما كان الحال في كوبا .
الازمة تتفاعل مع تصاعد الصراع بشكل مضطرد بين اوكرانيا وروسيا ، روسيا لن تقبل انضمام اوكرانيا للإتحاد الاوروبي واستطرادا لحلف الناتو، بسبب المخاطر الذي يمثله ذلك على امنها القومي ، وهي لن تتنازل تحت اي ذريعة عما تعتبره يشكل خطرا على امنها مهما ارتفع منسوب المخاطر . كما انها لن تقبل بالإعتداء على جمهوريتي لوغانسك ودونتسيك ذات الاغلبية الروسية وتعتبر نفسها معنية بأمنهما ، اوكرانيا بالمقابل من جهتها مصممة على استعادة هاتين “الجمهوريتين ” ولن تفرط بهما ، سيما انها لم تبتلع حتى الآن انفصال جزيرة القرم عنها واعادتها للسيادة الروسية .
روسيا تعلن انها لن تجتاح اوكرانيا ، وبذات الوقت لن تقبل الإعتداء على جمهوريتي لوغانسك و دونتيسك ذات الأغلبية الروسية ، كما لن تقبل بذات الوقت انضمام اوكرانيا لحلف الناتو، وهو الموقف المصرة عليه اوكرانيا ، ستجد روسيا نفسها مضطرة للتدخل عسكريا فيما لو استمرت اوكرانيا في استفزازاتها لهاتين الجمهوريتين الحديثتا العهد، حيث جرى بالامس قصف احداها بعدة قذائف مدفعية من قبل اوكرانيا.
اوكرانيا الآن في فك الكماشة، فكل الحلول مرة ، فبين الإقرار باستقلال الجمهوريتين التي اعترفت بهما روسيا حيث تكون قد خسرت جزيرة القرم ومنطقة الدونباس ، اي خسرت جزاء من اراضيها ، وبين الدخول في حرب مع روسيا تدرك نتائجها سلفا ، سيما انها عاجزة عن مقارعة روسيا عسكريا لعدم ضمانها التدخل الميداني من اميركا او اوروبا، فقد تعهدوا بإيقاع العقوبات على روسيا فحسب ان هي هاجمت اوكرانيا ، وفي ذات الوقت ستبقى تتطلع الى حماية غربية قد يوفرها لها الإنضمام الى حلف الناتو .
ميزان القوى الحالي على الأرض لن ينتج تسوية متوازنة بسبب الآختلال الفاضح في ميزان القوى، ادركه بوتين بذكائه الحاذق جيدا ، واحسن توقيته ، ساعده في ذلك الإندفاعة الغبية لأوكرانيا بالإندفاع نحو الإنضمام للغرب بوهم توفير الحماية .
اوكرانيا امام احد خيارين كلاهما مر ، اما الإشتباك مع روسيا والهزيمة الحتمية ، واما الإستسلام للأمر الواقع ويعني سقوط الدولة
2022-02-23