اوربا والخيار المستقل!
ابو زيزوم.
دعوات النأي بأوربا عن الهيمنة الامريكية كانت موجودة حتى في عز الحرب الباردة وأيام كان الخطر الشيوعي ماثلاً على الأبواب . وقد حصلت في المراحل الاخيرة تطورات مهمة تخدم هذا التوجه في مقدمتها زوال المعسكر الاشتراكي وحلفه العسكري ( حلف وارشو ) ، وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي اذ لا يمكن تصور اوربا متمردة على الولايات المتحدة مع وجود بريطانيا فيها. ثم أزمة التجارة العالمية المنذرة بتدشين حرب او حروب اقتصادية ، خصوصاً وان الحليف الامريكي هو من يقود هذا الاتجاه غير مستثنٍ اوربا من تحرشاته الفظة .
بقي عامل واحد شديد الأهمية لخروج اوربا من الخيمة الامريكية وهو العامل الذاتي المتمثل بظهور القائد الكبير القادر على تحدي واشنطن . لقد كان مثل هذا القائد موجوداً عندما كانت الظروف الموضوعية غير ملائمة في أعقاب الحرب العالمية الثانية . فديغول الرئيس كان قائداً في غير عصره . صحيح ان الظروف الموضوعية تنجب قادتها لكن الامر يتأخر او يتقدم بعض الوقت . ومهمة هؤلاء القادة التعجيل في إنضاج الأوضاع وترجمتها الى قرارات سياسية .
ظروف اوربا الان هي الأكثر ملائمة للإفصاح عن نفسها ، غير ان فرنسا المعول عليها في قيادة الاتجاه الاستقلالي تفتقر الى قائد بهذا الحجم . ماكرون ورغم كل ضجيجه ليس مقنعاً للقيام بدور كهذا ، ولا يصنف حتى الان على الأقل بين قادة فرنسا الكبار . ولقد صدرت عنه امس عبارة ( بناء اوربا القوية ) لتجنب الاحتكار الثنائي الامريكي الصيني . وقال في معرض رده على وزيرة الدفاع الألمانية ان المستشارة الألمانية تشاطره الرأي او هكذا يظن . لكن ألمانيا تشبه امرأة ذات ماضٍ ، تتجنب الظهور في المقدمة .
وعلى أية حال فإن تطورات الأوضاع ستفرض نفسها على اوربا لأنها لا تستطيع السكون فيما العالم من حولها يتحرك . وقد ذكرت المستشارة الألمانية قبل ايّام ان بناء قوة اوربا لا يمكن ان يتم بدون روسيا . وتلك نقطة في غاية الأهمية تعطي مؤشراً على بعض المسارات المستقبلية. والخلاصة ان توالي هذه التصريحات يعكس الجدل الدائر في الأروقة الأوربية لتحديد الوجهة في خضم الأحداث المتسارعة .
( ابو زيزوم _ 921 )
2020-11-18