انتخابات هولندا – انتصار صهيوني!
الطاهر المعز
فوز التحالف بين اليمين المتطرف والصهيونية…
هولندا دولة أوروبية صغيرة ذات ماضي استعماري عتيد، مثل دول أوروبية صغيرة أخرى (بلجيكا والبرتغال ) ويسكنها حوالي 18 مليون نسمة، وحصل حزب اليمين المتطرف ( حزب “الحُرّيّة”) في آخر انتخابات تشريعية على نحو 2,5 مليون صوت، من أصل عشرة ملايين صوت، أو حوالي 24% من أصوات الناخبين، وعلى 37 مقعدًا من أصل 150 مقعدًا ليضيف عشرين مقعداً إلى رصيده السابق وهو مرشّح ليكون محور التشكيلة الحكومية المقبلة لأنه يمتلك أغلبية نسبية في مجلس النّواب، بفعل تراجع عدد نواب الأحزاب الأربعة التي تُشكّل الحكومة الحالية التي استقالت خلال شهر تموز/يوليو 2023 ودعت إلى انتخابات سابقة لأوانها.
يقود النائب في البرلمان الهولندي (منذ 1998) غيرت ( أو خيرت) فيلدرز حزب اليمين المتطرف (الحُرّيّة) منذ تأسيسه سنة 2006، وأدانَهُ القضاء سنة 2016 بتهمة الدّعوات المتكررة للكراهية والتمييز ضد الهولنديين من أصل مغربيّ، وهو يركّز في دعايته الإنتخابية على الإستفزاز والعداء للمهاجرين وللمسلمين ( يُشكل الهجوم على الإسلام ثُلُثَ حجم البيان الإنتخابي المتكون من صفحة واحدة) وترويج أخبار زائفة، وأشار إلى ارتفاع عدد المهاجرين وطالبي اللجوء خلال سنة 2022 إلى ما يقارب ربع مليون، مُتجاهلاً إن حوالي 70% منهم أوكرانيون، والبقية مهاجرون من أوروبا أو من دول آسيا ولا يُشكل الإفريقيون والعرب ومن يُوصفون بالمسلمين سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز حوالي 5% من العدد الإجمالي للسّكّان، في بلد يعدّ 18 مليون نسمة وينخفض عدد الولادات بين سكّانه الأوروبيين البيض. أما المهاجرون فأظهرت دراسات البنك العالمي ومنظمة الهجرة الدّولية إنهم يُغادرون هولندا بعد عشر سنوات في المتوسّط…
اشتهر غيرت فيلدرز بخطابه الإستعماري وبالدّعم المُطلق للكيان الصهيوني وبعلاقاته الحميمة مع العديد من الضّبّاط ومن السياسيين الصهاينة، ودعا (يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2023) في ذروة العدوان الصهيوني على فلسطينيِّي غزة إلى تهجير الفلسطينيين إلى الأردن والإستيلاء على أراضيهم وتوسيع المستوطنات مُعْلِنًا: “إذا سقطت إسرائيل تَسْقُطُ أوروبا”، وتظهر الوثائق المُسَرّبة لأجهزة أمن بلاده، إنه يُقيم علاقات أمْنِيّة مع أجهزة الدّولة الصهيونية، من شأنها تعريض أمن هولندا إلى الخطر (رغم العلاقات الحميمة بين أجهزة الدّولة الهولندية مع دولة الصهاينة) وإن تصريحاته المعادية للشعب الفلسطيني وللعرب والمسلمين وزياراته المتعددة لفلسطين المحتلة بدعوة من زعماء الإحتلال، منذ انتخابه بالبرلمان سنة 1998 وخصوصًا منذ تأسيس حزبه سنة 2006، سنة العدوان الصهيوني على لبنان، وإخراج شريط رديء مُعادي للمسلمين، سنة 2008، سنة العدوان الصهيوني الغاشم على غزة، قد تخلق صعوبات للنشاط الدّبلوماسي ولاقتصاد وتجارة هولندا مع البلدان العربية أو ذات الأغلبية السكانية المسلمة، وكان غيرت فيلدرز في شبابه مُقيمًا ( بداية من سنة 1979 ) في كيبوتز صهيوني في فلسطين المحتلة، وتزوج من صهيونية من أصْل مَجَرِي، وزار بعد ذلك البلدان المجاورة وربما لتنفيذ عمليات تجسُّس في الأردن وسوريا ومصر وتونس وإيران وتركيا وقبرص، ولا يزال كثير السّفر إلى فلسطين المحتلة ويحتفل بكافة المناسبات في سفارة الكيان الصهيوني أو في فلسطين المحتلة، ونشر موقع صحيفة “يدعوت أحرونوت” مقطع فيديو يُظْهِرُ فيلدرز يحتفل بنتائج حزبه وخَلْفَهُ العلم الصّهيوني.
من أسباب انهيار الإئتلاف الحاكم:
اشتهرت هولندا، كدولة، بغض النظر عن لون الإئتلاف الحاكم، بعلاقاتها المتطورة جدًّا بالكيان الصهيوني (تضاهي ألمانيا في صهْيَنَةِ مُؤسّساتها الحكومية) غير إن شعبية اليمين المتطرّف التي جعلته ينال أكبر حِصّةٍ من أصوات النّاخبين تعود إلى سياسات الإئتلافات الحزبية التي تحكم البلاد منذ عُقُود (الأحزاب الليبرالية والوسط ) التي خفضت الإنفاق الحكومي على الرعاية الإجتماعية جعلت من العسير الحصول على مسكن، فضلاً عن خصخصة المنظومة الصحية والتّعليم، وارتفاع أسعار العلاج والتعليم في ما تَبَقّى من القطاع العام وارتفاع أسعار الطّاقة – رغم الحجم الضّخم لإنتاج الغاز الهولندي- والغذاء ونسبة التّضَخُّم خلال السّنتَيْن الأخيرَتَيْن.
تتبجّح الحكومات المتعاقبة، منذ عُقُود، بانخفاض معدّل البطالة إلى أقل من 4% غير إن رواتب العُمّال وصغار الموظّفين متدنية للغاية، وتضغط أجهزة الدّولة على العاطلين عن العمل لتُجْبِرَهم على قُبول الرواتب المنخفضة والعقود الهَشّة والعمل بدوام جزئي، أما المهاجرون فيعملون في القطاعات التي لا يرغب الأوروبيون العمل بها بسبب الرواتب الهزيلة وسوء ظروف العمل، فضلاً عن انخفاض الحدّ الأدنى للأجور في هولندا، مقارنة بالأسعار وبتكلفة العيش، واتساع الفجوة بين الأثرياء والفُقراء في هولندا، التي تُعْتَبَرُ – رغم صغر حجمها وانخفاض عدد سكّانها – خامس أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، غير إن ظروف المعيشة ساءت وأصبَح، نحو 830 ألف شخص تحت خط الفقر وارتفعت إيجارات السّكن الشّحيح، ما رَفَعَ من اكتظاظ المساكن وارتفاع عدد الباحثين عن مأوى…
خلفيات
عَكَسَ فوز اليمين المتطرف في الانتخابات الهولندية ترسيخ الاعتقاد بأن المهاجرين واللاجئين يُشكّلون تهديدًا أمنيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا لهولندا ولبلدان الإتحاد الأوروبي، وعَزّزَ دعاية وصفوف اليمين المتطرف في أوروبا حيث فاز حزب “إخوان إيطاليا” في إيطاليا، وهو حزب ذو جذور فاشية، وفاز اليمين المتطرف في سلوفاكيا، وفي ألمانيا حيث سجل حزب “البديل من أجل ألمانيا” نجاحاً كبيراً في استطلاعات الرأي وفي صناديق الإقتراع، وكذلك في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ويقود فيكتور أوربان حكومة يمينية متطرفة في المَجَر…
أما بخصوص قضايانا العربية – فضلا عن حقوق المهاجرين العرب، وخصوصًا المغاربة في هولندا – فإن غيرت فيلدرز وحزبه اليميني المتطرف يدعو إلى تهجير الفلسطينيين من وطنهم، وإلى نقل السفارة الهولندية من تل أبيب إلى القدس لإظهار الدعم لـ”الصديق المقرب إلى هولندا والديمقراطية الحقيقية الوحيدة في الشرق الأوسط”، على حد تعبيره، وهو يصف الكيان الصهيوني ب”خط الدفاع الأول للغرب”.
كشفت الإنتخابات البرلمانية الهولندية عن تحول كبير في توجّهات الناخبين الجدد وعن نجاح اليمين المتطرف – كما في الدول الأخرى بالإتحاد الأوروبي – في توجيه غضب المواطنين ضد أكثر الفئات هشاشةً في المجتمع، لتجنّب توجيهها ضدّ رأس المال وأرباب العمل والمُضاربين والأثرياء، ويُشكّل فَوْز اليمين المتطرف في هولندا استمرارًا لفوز “أحزاب شقيقة” في إيطاليا وفنلندا والنّمسا وبولندا، أو زيادة حِصّة الأحزاب اليمينية المتطرفة في السّويد وألمانيا وفرنسا وسويسرا وإسبانيا وغيرها…
2023-12-04
5 تعليقات
فاز فيلدر بالانتخابات لان الاجانب والأقليات المسلمة وغيرها لم تذهب للانتخابات ولم تدلي بصوتها بل معظمها بقيت في بيوتها وتركت المجال إلى فيلدر للفوز بالأغلبية وبعد الفوز بدأ التهجم عليه من قبل المهاجرين.
مع العلم ان فيلدرز يستهدفهم ببرنامجه العنصري والفاسي.
شُكْرًا للصديق نمير النّمر على المتابعة والإهتمام.
إن الأسباب مُتعدّدة ويعْسُر إحصاؤها جميعًا، كما يعسر تَبْوِيبها، أو معرفة أي منها كان حاسمًا في فوز اليمين المتطرّف… يُشكّل امتناع قسم كبير من العاملين والفُقراء وأبناء المهاجرين عن الإدلاء بأصواتهم واحدًا من العوامل التي أدّت إلى فوز اليمين المتطرف، ليس في هولندا فحسب وإنما في مجمل الدّول ذات النظام “الدّيمقراطي النِّيابي”، وهنا يجدر طرح السّؤال: لماذا يمتنع هؤلاء عن الإدلاء بأصواتهم؟ هل إن السبب هو عدم المبالاة أو الإستخفاف أو انعدام الشعور بالمسؤولية أم لأن المترشحين وأحزابهم وبرامجهم لا تولي أهمية لمشاغلهم؟
شكرًا على التّواصل
الجواب
شُكْرًا للصديق نمير النّمر على المتابعة والإهتمام.
إن الأسباب مُتعدّدة ويعْسُر إحصاؤها جميعًا، كما يعسر تَبْوِيبها، أو معرفة أي منها كان حاسمًا في فوز اليمين المتطرّف… يُشكّل امتناع قسم كبير من العاملين والفُقراء وأبناء المهاجرين عن الإدلاء بأصواتهم واحدًا من العوامل التي أدّت إلى فوز اليمين المتطرف، ليس في هولندا فحسب وإنما في مجمل الدّول ذات النظام “الدّيمقراطي النِّيابي”، وهنا يجدر طرح السّؤال: لماذا يمتنع هؤلاء عن الإدلاء بأصواتهم؟ هل إن السبب هو عدم المبالاة أو الإستخفاف أو انعدام الشعور بالمسؤولية أم لأن المترشحين وأحزابهم وبرامجهم لا تولي أهمية لمشاغلهم؟
شكرًا على التّواصل
شكرا استاذي على الاجابة على تعليقي ، مثلما توجد احزاب يمينية متطرفة في هولندا فهناك ايضا احزاب يسارية ووطنية تقدم برنامجها السياسي ولكن اتباع اليمين هم انشط واكثر حركة ولهم مساحة معينة في الحملات الانتخابية سواء على شكل الندوات واللقاءات وغيرها ، وهناك احزاب لها موقف واضح ووطني وانساني من حرب الابادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال الصهيوني في غزة، ولها موقف من الحرب الاوكرانية + الناتو وامريكا ضد روسيا الاتحادية. فالجالية العربية وخصوصا المغربية والسورية والجالية التركية وبعض المهاجرين من عدة بلدان كافغانستان واندنوسيا وغيرهم فهم كثيرون ، لم يمارسوا حقهم الدستوري ولم يدلون بصوتهم لعدة اسباب اولا لان لغتهم الهولندية على الارجح ضعيفة وغير مهتم بالسياسة وعدة امور اخرى وهذا يترك المجال لفوز اليمين المتطرف بالانتخابات
استاذي العزيز في البرنامج الانتخابي للمتطرف فيلدرز امور عديدة
هو ضد تقديم السلاح والمال الى اوكرانيا
ضد البقاء في الاتحاد الاوربي والناتو
تقليل سن التقاعد من 67 عام الى 65 عام
رفع الضريبة على الغاز والكهرباء
زيادة الرواتب بنسبة 10%
بهذا البرنامج استقطب الاصوات وفاز بالانتخابات في 37 مقعد
تحياتي لك استاذي
الصديق نمير النّمر – أمستردام
مشكور جدًّا على تقديم هذه التّوضيحات الهامّة
وضع هولندا ومُهاجريها ويسارها مُشابه لوضع العديد من البلدان الأوروبية الأخرى، رغم خُصُوصية كل بلد، ونفس الأمر ينطبق على الدّعاية الإنتخابية، حيث تتشابه المواضيع والمواقف، خصوصًا منذ أصبح ستيف بانون يُدير مكتب استشارات لصالح اليمين المتطرف بأوروبا، مع اختلاف الوضع في بلدان مثل ألمانيا مثلاً…
يَسُرُّني التّواصل والحوار معك
مودّتي