اليونسكو تحت الهيمنة الصهيونية
الطاهر المعز
تقديم:
اختار المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو)، ممثلة فرنسا “أودريه أزولاي” مديرة عامة للمنظمة، بعد حصولها على 30 صوتا، فى حين حصل منافسها القطرى “حمد الكوارى” على 28 صوتا، وابتهجت صحف مصر والسعودية والإمارات لفوز الصهيونية أودريه أزولاي التي دعمتها الأوساط الصهيونية بقوة (منها آيباك في أمريكا وكريف في فرنسا) وأطلقت المنظمات الصهيونية صفة “المعادي للسامية” على مُرشّح “قَطَر” لِرَدْعِ ممثلي الدول التي صوتت لفائدته في الجولات السابقة، وقد تَفْهَمُ المُديِرة الجديدة بعض أمور عالم المال وقانون الأعمال لكنها بعيدة عن الثقافة رغم احتلالها منصب وزيرة الثقافة لفترة قصيرة خلال حكم الحزب “الإشتراكي” الذي يضاهي مجموعة “ساركوزي” في صهيونيته ويتفوق عليه في السبق التاريخي لدعم الحركة الصهيونية (قبل تأسيس الكيان الصهيوني)…
نحاول من خلال هذه الورقة دراسة ظروف ومحيط وإطار هذه الإنتخابات التي ستكون نتائجها وخيمة جدًّا بحكم التزام المديرة الجديدة تجاه الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني والإمبريالية الأمريكية (من خلال تصريحاتها ومواقفها المُعْلَنَة)
هوامش ضيِّقَة لليونسكو:
اتخذت “منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة” (يونسكو) في تاريخها بعض القرارات الهامة ولكنها غير مُلْزِمة ولا يتجاوز صداها الجانب المعنوي أو الرّمزي، ما جعل الولايات المتحدة تُعَرْقِلُ عملها وتحاول اغتيالها ماليا عبر عدم تسديد معلوم اشتراكاتها (التي انخفضت نسبتها من 25% إلى 22% من ميزانية المُنَظّمة)، فيما تُهيمن فرنسا على المُنظّمة وتؤثِّرُ في قراراتها بحكم وجود المقر في باريس، ويكن الكيان الصهيوني عداءً لا يُضاهى لليونسكو بسبب اتخاذ قرارات (غير مُلْزِمة وغير نافذة) بشأن القدس والخليل والأراضي المحتلة سنة 1967، بينما لا تحتمل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أي قرار وأي منحة من المنظمة بهدف المحافظة على التراث الإنساني في بلدان فقيرة مثل موريتانيا أو أفغانستان أو بوليفيا، وسبق أن اعترضت الولايات المتحدة على انتخاب (ديمقراطي وفق قوانين يونسكو) مدير عام من السينغال (محمد مختار مْبَا) واعترضت على قرارات اتخذت بشكل ديمقراطي وفق قوانين المُنَظّمة، وأعلنت مؤخَّرًا انسحابها من “يونسكو”، متهمة إياها بأنها “مُؤَيِّدَة للفلسطينيين ومعادية لإسرائيل”، التي أعلنت بدورها الانسحاب من المنظمة، في أوج عملية انتخاب أمين عام جديد في مقر “يونسكو” في باريس، في أجواء أزمة مالية للمنظمة، تخلّلتها المناورات والخلافات غير المبدئية بين ممثلي مختلف الحكومات الرجعية والمعادية للثقافة، بشهادة خفض ميزانيات الثقافة في هذه البلدان…
ابتزاز امبريالي:
تُمارس الولايات المتحدة الإبتزاز، عندما لا تمارس العدوان الحربي، وكذا فعلت مع المنظمات الدولية، وهي إحدى الدول المُؤَسِّسَة لمنظمة “يونسكو”، ولكنها تُهدِّدُ بالإنسحاب أو تنسحب فِعْلاً كلّما فقدت الأغلبية أو كلما اتخذت المنظمة قرارًا لا يتماشى مع سياستها الإمبريالية، وكانت قد انسحبت من منظمة “يونسكو” من سنة 1984، خلال حكم الرئيس رونالد، إلى سنة 2002 بسبب مزاعم عن “سوء الإدارة المالية للمنظمة”، و”الانحياز ضد بعض جوانب السياسات الأمريكية”، وساءت العلاقات من جديد فجمّدت أمريكا مساهمتها المالية سنة 2011 التي تقارب قيمتها 80 مليون دولارا سنويًّا، بمجرد تصويت لأغلبية الأعضاء لصالح قبول عضوية ” “فلسطين” (الواقع انها عضوية رمزية بما ان كل فلسطين محتلة ولا توجد سلطة فلسطينية أو أراضي مُحَرَّرَة) لِتُعَمِّق أمريكا المشاكل المالية للمنظمة التي ارتفعت ديونها إلى نحو 500 مليون دولارا هذا العام 2017، ولكن هذه الحادثة تُبَيِّنُ الطبيعة الإمبريالية للولايات المتحدة ومعارضتها لأي خطوة تقوم بها أي منظمة تابعة للأمم المتحدة لصالح فلسطين (رغم غموض عبارة “فلسطين” في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية)، لأن الإمبريالية تعتبر ان الأمم المتحدة (التي منحت تأشيرة تأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين) طرف مُتَطَفِّل على ما يجري في فلسطين، ووجب ترك القوي (الذي أصبح قويًّا بفضل الدّعم الإمبريالي الأمريكي) يأكل الضّعيف، أما في عهد دونالد ترامب فإن تطبيق شعار “أمريكا أولاً” في مجال السياسة الخارجية يجعل أمريكا تعيد النّظر في كل التزاماتها، من الإتفاق النووي مع إيران إلى اتفاقيات الشراكة مع عدد من الحلفاء، أو الإتفاقيات الدولية حول المناخ (اتفاق باريس 2015) وغيرها، أما الثقافة والتعليم والمحافظة على التراث العالمي فليست مطروحة على جدول أعمال أمريكا، إذا لم تجني منها أرباحًا أو “قيمة زائدة” أو دعاية إيديولوجية (مثل “هوليود” و”سي إن إن” وغيرها…)، رغم وجود مواقع أمريكية (مثل غراند كانيون) على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ولكن الإمبريالية لا تحتمل التعددية ولا تؤمن سوى بالهيمنة المُطْلَقَة، لذلك لم تحتمل أمريكا قرارات تُنَدِّدُ بسياسة الإحتلال الصهيوني المُعادية للتاريخ (والمعالم التاريخية في القدس والخليل) وللثقافة والتراث العربي في فلسطين… لا تُتْقِنُ أمريكا الإمبريالية سوى ممارسة العدوان والإرهاب، الذي يغذي التطرف، وهو نقيض ثقافة التسامح والتّعَدُّدِيّة…
ظروف الإبتزاز الأمريكي الصهيوني:
تزامن الإعلان الأمريكي والصهيوني مع احتدام الصراع على منصب المدير العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة الذي لم يحتله أي ممثل للأنظمة العربية منذ تأسيس المنظمة، وكان من المُفْتَرَض أن يحتل ممثل أحد الأنظمة العربية هذا الموقع خلال هذه الدورة، لكن هيمنة السعودية على الوضع الرسمي العربي تركت بصماتها على الجامعة العربية (التي أصبحت تدعو الإمبريالية لاحتلال البلدان العربية) وأصبح دور أموال النفط يتلخص في شراء السلاح وإنشاء وتسليح منظمات إرهابية بهدف تفتيت البلدان العربية (دون سواها)، وتعمل السعودية على إخماد أي صوت عربي آخر ينافسها في درجة العَمَالة للإمبريالية وفي التّطْبِيع مع الكيان الصهيوني، وانضمّت مصر والإمارات إلى المُخَطّط السعودي في اليمن وفي موضوع خُصُومة أسرة آل سعود (الوهّابية) مع أسرة “حمد آل ثاني” الوهابية أيضًا والتي تملك مشيخة قطر، وانعكس هذا الإصطفاف على انتخابات مدير عام جديد ل”يونسكو”، فقدمت مصر مرشحة وحاولت استمالة ممثلي أنظمة عربية وإفريقية، وكذا فعلت مشْيَخَة قَطر، وكِلاَ المُرَشَّحَيْنِ رجعي وموالي للإمبريالية ومُطَبِّع مع الكيان الصهيوني لأنه يُمَثِّلُ نِظامًا بهذه الصّفات القَبِيحَة، واحتدّت المنافسة بين المُترشِّحين بحظوظ مرتفعة للوصول إلى منصب مدير عام المنظمة (يونسكو) ، ومكنت هذه المُنافسة من استغلال فرنسا (وهي الدولة الإمبريالية التي استعمرت نصف افريقيا وتُؤْوِي عاصمتها منظمة يونسكو) للفرصة وتقديم مرشحتها الصهيونية جدًّا، بدعم من المنظمات الصهيونية مثل “إيباك” الأمريكية و”كريف” الفرنسية، وشن حملة على مُرشّح “قطر” الذي كاد يفوز بالمنصب ووصفه بالمعادي للسامية، وهذه التهمة هي “سيف دمقليس” أو “قميص عثمان”، الذي يرفعه الصهاينة كلما أرادوا الإطاحة بفنان أو رياضي أو رجل سياسية، بمن فيهم الأمين العام الأسبق لمنظمة الأمم المتحدة، ومستشار النمسا سابقًا “برونو كرايسكي” الذي أطاحوا به، وهو اليهودي الصهيوني “المُعْتَدِل”، لمجرد معارضته لإحدى جُزْئِيّات البرنامج الصهيوني…
النتائج الوخيمة لانتخاب ممثلة فرنسا:
أعلن رئيس المركز المغربي للسلام والقانون أن “هناك علاقة بين انسحاب الولايات المتحدة وبين عملية انتخاب مُدير جديد لمنظمة اليونيسكو”، فالمرشحة الفرنسية “أندري أزولاي” تتفق تمامًا وبدون أي تحفظ مع مطالب الإمبريالية الأمريكية والكيان الصهيوني، وسَبَقَ أن أعلنت مُعارضتها العَلَنِيّة لقرار “نفي أي صلة لإسرائيل واليهود بالقدس مع اعتبار المسجد الأقصى تراثًا إسلاميا خالصًا” (تشرين الثاني/نوفمبر 2016)، باعتبار “إسرائيل” دولة احتلال، وتتناغم مواقف المديرة الفرنسية الجديدة مع مواقف ممثلة الإمبريالية الأمريكية في الأمم المتحدة التي أعلنت “قد تعيد واشنطن النظر في علاقاتها مع منظمة اليونسكو” إثر قرارها اعتماد الأحياء القديمة في مدينة “الخليل” منطقة محمية تابعة للتراث العالمي، وتتفق أيضًا مع التوجّهات العنصرية للإمبريالية الأمريكية ضد كل ما هو عربي أو غير أوروبي، وضد العرب ومن يُعَدُّون في عداد “المُسْلِمين”، وهي السياسة التي تنتهجها الدولة في فرنسا بشكل مُبَطّن منذ بداية ستينيات القرن العشرين، وبشكل علني منذ انتخاب “نيكولا ساركوزي” سنة 2007، وهو ولي نعمة “أودري أزولاي” التي انتقلت إلى دعم الحزب “الإشتراكي” بعد فوزه بانتخابات 2012 ثم دعم “ماكرون” حاليا… يندرج ترشيح مُمَثِّلَة فرنسا والحركة الصهيونية ضمن التناغم السياسي بين الحركة الصهيونية والنظام الحاكم في فرنسا ودعم المصالح الاستراتيجية الأمريكية، المبنية على حماية أمن واقتصاد الكياني الصهيوني وثقافة العُدوان المُشْتَرَكَة بين الإمبريالية والصهيونية (وهي جزء من الإمبريالية)، واعتبار الولايات المتحدة “إن المساس بإسرائيل خط أحمر”، فيما تزامن هذا الترشح (والفوز) وهذه الضجة الصهيونية الأمريكية مع هجوم آخر تمثل في تراجع الإمبريالية الأمريكية عن اتفاق دولي مع إيران حول برنامجها النووي، وهو ليس اتفاقًا إيرانيا أمريكيا ولكنه اتفاق دولي، فيما أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بيانات عن احترام إيران لبنود الإتفاق، بينما دعم الكيان الصهيوني وحكام السعودية تصريحات دونالد ترامب العُدوانية…
في هذا الإطار يتنزّل فوز مُرشّحة الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني، بينما كان بالإمكان أن يفوز ممثل أحد الأنظمة العربية سواء من مصر أو من قطر (كلاهما رجعي ومُطبِّع من الكيان الصهيوني) لأول مرة منذ تأسيس يونسكو سنة 1945…
الصهيونية وأهل المال والأعمال في مركز القرار:
تُصِرُّ الصحف السعودية (التي لا تتمتع بأي هامش من الحرية) والصحف المصرية والإماراتية على نعت المواطنة الفرنسية “أودريه أزولاي” بالعربية والمغربية، وهي مولودة في فرنسا وعاشت في فرنسا ولم تعتبر نفسها في يومٍ ما “عربية”، ولم تُقَدِّمْ نفسها بصفة أخرى غير “الفرنسية” ولم تُعَبِّر أبدًا عن أي موقف يُشيِر إلى هذه “العُرُوبة” المُفْتَرَضة، بل عبرت مرات عديدة عن مواقف صهيونية خالصة لا تشوبها شائبة، وهي تتحدث الفرنسية والإنغليزية والإسبانية ولكنها لم تتعلم ولم تتحدث قط العربية، فيما يُعتبر والدها (مصرفي ورجل أعمال) مُسْتشارًا للملك الحسن الثاني ولابنه محمد السّادس، ويفتخر بدوره في دعم التطبيع وتغلغل الحركة الصهيونية في المغرب، وقاد وفودًا من المغرب نحو فلسطين المحتلة لِلِقاء رجال أعمال ورجال سياسة صهاينة من مُستَوطِني فلسطين… من جهة أخرى فإن علاقاتها بالثقافة ضعيفة ولا تتعدى جانب الإدارة المالية، لأنها مختصة في إدارة الأعمال، وكان اهتمامها “بالثقافة” من هذه الزّاوؤيَة، ولكن العلاقات السياسية وقربها من أوساط الحُكْم جعلا منها (خلال فترة حُكم ساركوزي) رئيسة مكتب القطاع العام في المجالات السمعية والبصرية، والمسؤولة عن استراتيجية وتمويل المنظمات في قطاع الإعلام، وأصبحت مستشارة ثقافية للرئيس التالي “فرنسوا هولاند”، ثم أصبحت مسؤولة عن الثقافة والاتصالات في حكومة الحزب “الإشتراكي” (المُتَصَهْيِن) من 2014 إلى 2016، ثم وزيرة للثقافة في حكومة مانويل فالس (نموذج التّخلّف الثقافي والرجعية السياسية)، وطلب منها إطلاق “خطة دولية لتعزيز التنوع الثقافي وحماية المواقع الثقافية والأثرية في مناطق النزاع والحروب” (مثل تلك المناطق التي قصفتها فرنسا في كل مكان من أفغانستان إلى مالي)…
أودعت “أزولاي” ملف الترشح في آخر يوم من إغلاق باب الترشح لليونسكو (15 آذار/مارس 2017) وكادت تنسحب في الجولة الرابعة بعد حصولها على عدد قليل من الأصوات في حين كان مرشح قطر في المركز الأول والمرشحة المصرية في المركز الثاني، وانبرت الصحف الأمريكية والمنظمات الصهيونية وصحف عربية من مصر والسعودية والإمارات تتهم قطر بشراء الأصوات (قد يكون ذلك صحيحًا لكن التهمة تُصْبِحُ غريبة إذا صدرت عن السعودية والإمارات) وتتهم مُرشّح قطر بمعاداة السامية، ما أدى إلى قلب موازين القوى لصالح مرشّحة فرنسا التي حصلت على أصوات من خارج أوروبا، في مُخالفة لقاعدة غير مكتوبة تمنع الدول التي تحتضن منظمة دولية من ترشيح أحد مواطنيها لإدارتها… وكما ذكرنا سابقًا، استثمرت “أزولاي” مجموعات الضغط الصهيونية في أوروبا وأمريكا في خضم إطلاق مختلف النعوت على مرشح قطر (وهو ليس أحسن أو أسوأ من ممثلة مصر) ووصفه بالمعادي للسامية، وترويج وسائل إعلام مصر والسعودية والإمارات لدعايات كاذبة عن ممثل مشيخة قَطر وتقديم ممثلة فرنسا ك”عربية، بينما هي من مواليد فرنسا ولم تَدّعي يومًا انتماءها لثقافتنا أو حضارتنا، بل يفتخر والدها الصهيوني (مستشار مُلُوك المغرب الحسن الثاني وابنه محمد السادس) بتحقيق ثغرات هامة في المغرب مكنت الكيان الصهيوني من تصدير بضاعته وترويج إيديولوجيته في المغرب…
عن نشرة كنعان
2017-10-18