اليوم الذي اجتمعت فيه الفصول. 4!
ابو زيزوم .
وتزوجت يسار دون سابق إنذار ، او بالأحرى خُطبت والخطوبة زواج . كان مهدي ما يزال على مقعده في اعلى المدرج مسنداً ذقنه على راحته يتملى رحيق وقوفها اللذيذ أمامه قبل ساعة وما ابدت من دفء مشاعر . كان يحلق فوق اجنحة الخيال عندما بدأ الطلاب بالتوافد لمحاضرة جديدة ومعهم وفد هذا الخبر الكوني المزلزل . فطفق ينظر الى المتحدثين مشدوهاً كتمثال . والادهى من الخطوبة برمتها هو شخص الخطيب . انه الدكتور جمال !!!
أيصدّق أذنيه في خبر يعز على التصديق ؟ وتلك هي احدى الطالبات تجيب عن تساؤل اصابها من الجهة الاخرى فتذكر اسمي الطالبتين اللتين ارسلهما الدكتور الى يسار لعقد الوصل . أخذت تتحدث عن تفاصيل المهمة والمكان الذي اجتمعت فيه الفتيات الثلاث . ان حقداً اسود يعتكر ملء جوارحه على أشياء كثيرة في مقدمتها نفسه المجبولة خصيصاً للعذاب . وتلك الأنثى التي اصطفاها بجنون وتصور ان الاقدار مهموكة بإحضارها له كي يسعد . لقد أفاق بسرعة البرق من حلم اخضر لم يعمر طويلا ، واذا به كما يعرف نفسه على الدوام سقطاً من متاع الدنيا لا يستحق الحياة . يلح هاتف في خاطره على تسمية الذي حصل خيانة . هاجس مغالط في مداركه يصر على ان انتخاءه لإستغاثتها رباط اخلاقي وطيد لا يبيح لها التنصل بمجرد تجاوز المحنة . كرفيقين عبرا قفراً موحشاً يفرض عليهما الخلق القويم ان يقفا وقفة وداع قبل الافتراق . اما ان يتلفت احدهما بعد زوال الخطر ويجد نفسه وحيدا فخيانة او غدر او سفالة . فهل تكون يسار وفيةً لو انها استشارته في امر أستاذ يطلب يدها ؟. وما عساه يقول لو فعلت ذلك ؟ أيحسن منه غير الدعاء لها بالتوفيق ؟ أيعقل ان يعترض ويقول دعي الاستاذ المترع بالمال والجاه وتزوجيني انا الهارب عن الكافتيريا لعدم امتلاكي ثمن استكانة الشاي ؟. انتفض بإباء حين انتبه الى انه يلتمس لها الأعذار فيما اقدمت عليه . والأعذار تعني انه سخيف يتعلق بخيوط عنكبوت . فالفتاة تجهل أساسا ما يضطرم في صدره من الأشواق نحوها . لم يقل لها شيئا في يوم من الأيام ولم يلمح ولم يحاول إيصال رسالة من اي نوع . حتى وهي ترقى اليه شاكرة قبل ساعة قابل مشاعرها الحارة ببرود تام واهدر فرصة قلما تسنح لشاب مثله . وما ان نزلت حتى جاءها الرسول من القدر الأهوج يمد لها يد الصلح . والمجنون من يرفض مصالحة الاقدار . انها محض طالبة معدمة وضعيفة وضائعة في معترك لا يرحم فتقدم لها أستاذ مهيب لينتشلها من الحضيض الذي تتخبط فيه ويرفعها صوب ذروة شماء .. أتحجم عن ولوج باب الفردوس وقد انفتح وسيوصد الى الأبد ؟.
حدثت في الصف جلبة انتزعته من اوحال تفكيره الغائر . من حوله ضحك وضجيج . اجال بصره في القاعة الغاصة بالوجوه الضاحكة . كان احد الطلاب يروي بطريقة كوميدية موقفا طريفا صادفه في الباص ، والطلاب يقهقهون والأستاذ الطاعن في السن يضحك حتى تخضل عيناه . الجميع منتشون ، لا احد يشاطره الكمد المتفشي في دمه كالسم الزعاف . أبهذه السرعة تناسوا الخطوبة المفجعة لزميلتهم الحسناء من ولي أحزانها النذل ؟ ام ان اغلبهم لم يسمع بالخبر أصلا . فالخطوبات والزيجات لا تعني سوى أصحابها وبائسا مثله شاء الله ان يكون ضحيتها فتقوقع بعيداً تنهش فؤاده الغض غيرة مسنونة كالنصال . نعم يتزوج كثيرون وكثيرات في هذه الكلية وغيرها ولا يحزن الطلبة وانما يقيمون حفلا صاخبا في القاعة العامة ويظهر العريسان بكامل تأنقهما تتناهبهما الكاميرات من كل اتجاه والابتهاج يترقرق على وجهيهما كالانوار . وهذا ما ينتظر يسار وخطيبها المنعم في يوم ربما قريب . وغص مهدي بأخيلته الثقيلة . ود لو يبكي ليطهر بالدمع السخين هذه الادران المتكالبة على روحه الا ان الجرس قرع منهياً محاضرة لم يسمع منها حرفا .
هبط الطلاب خارجين وضجيج حركتهم وأحاديثهم المختلطة تتصاعد وهو باق على كرسيه لا يريم . تفقد مكانها يحدوه واعز خفي لرؤيتها لكنها لم تعد هناك . واقتنص بصره غطاء رأسها العسلي في لحظة تواريها بين الذين يخرجون . أيخرج أيضا ؟ ما عساه ان يستفيد من إبقاء جسده في الدرس بينما اللب المتمرد يهيم على وجهه في ارجاء بعيدة !. فعقد العزم على الخروج ، ونزل يضرب على غير هدى . كان على الرصيف الضيق الذي تفصله شجيرات الاس عن الملعب عندما زغردت ملء سمعه ضحكة فتاة لا تخطئها الحواس . إلتفت لا شعورياً كأن لجاما يشد وجهه الى حيث تقف يسار وراء جدار الآس بين ثلة من زميلاتها متكئة على منضدة اللعب . لا ريب أنهن يتحدثن في موضوع الساعة الطازج …. خطوبتها من قبل الاستاذ . وهذه الضحكات الصادرة من الأعماق نتيجة تلقائية لحدث بهذا الضياء . انزاحت من الفضاء غيوم ربيعية عجلى فسلطت الشمس أشعة كثيفة على الكون . فطفق يتأمل انعكاس الشعاع على وجهها راسما حوله هالةً أخاذة . هذا هو الوجه الذي اصبح منذ الان مُلكاً حصرياً لشخص بعينه حصل عليه بالقوة القاهرة والابتزاز . لأستاذ وظف موقعه المرموق لإجبار فتاة عزلاء على الرضوخ لمشيئته . واعترت مهدي حالة من التجلي وهو يسرّح البصر بلمعان وجهها تحت الشمس . لم تلحظ وقوفه ولم يطل بها المقام فقد ندهها الجرس ومضت مثل نسمة عبقة ترنح قوامها الممشوق بخيلاء .
دخل الكافتيريا . انه بحاجة ماسة لقدح شاي فائر يكوي به اوجاع فؤاده المكلوم . جلب القدح وانتبذ طاولة قصية ودخل ملكوت اخيلته المغلق . في الكافتيريا عدد قليل من الطلبة ، وفي مكبر الصوت يصدح ياس خضر ( يا حسافة ) فأذهله تصادف الاغنية مع فجيعته . وجلس اليه زميل آخر متخلف أيضا عن المحاضرة . كان راغبا بتبتل درويش في الانقطاع للصوت الشجي الوافد من عوالم روحية خالصة . لكن الضيف الثقيل يسفّه تجليات الروح بأحاديث شتى لا يجمع بينها الا التفاهة . وفي النهاية خضع مهدي للإصغاء طوعاً حين عرّج هذا الثرثار على الخبر الوليد عن خطوبة الدكتور جمال ليسار . ما عاد مهدي يسمع من الاغنية الصادحة وحياً ، لقد استدار بكامل هيئته الى جليسه الذي سكب مزيجاً من الروايات عما سبق الخطوبة . قال ان الاستاذ كان يراودها منذ مطلع العام لكنها تتأبى عليه لإعتقادها انه يريد الالتهاء بها كصديقة مبتذلة . فلما استعصت على رغباته الجانحة بدأ يضغط عليها في مواقف عديدة لم يفطن لها احد الى ان تطور الصراع وظهر للعلن . وذكر المتحدث ان بين الطرفين محاولات عديدة للتفاهم لم يتكلل اي منها بالنجاح . فهي تريد علاقة تنتهي بالزواج وتخرجها من حالة البؤس والعناء . وهو يرفض التعهد بشيء . واضح ان هذا الطالب لديه وفرة من المعلومات بهذا الخصوص . ولدى مهدي فضول لا ينتهي . كان ينتظر توقف زميله عن الحديث ليستفسر عن أشياء يتولد بعضها من بعض. اما وهو مسترسل فلن يقاطعه . وقاطعتهما احدى الطالبات تحمل قهوتها بيدها وجلست. انها الرسولة التي أبرمت الاتفاق بين يسار وأستاذها . نظر اليها مهدي بحقد دفين ، وقرر المغادرة . لا يريد سماع روايتها عن القصة ، فبحوزتها الجزء الأشد إيلاماً من المأساة . وما دامت هذي هي المحاضرة الاخيرة فإن دوام هذا اليوم قد انتهى بالنسبة له . اذن فليرجع الى الأقسام الداخلية ليعاقر وحيداً همومه الأبدية . وسأل جليسه الثرثار زميلتهما عما دعاها للتغيب عن المحاضرة !. قالت مازحةً : لنفس السبب الذي دعاك للتغيب . نفى المقارنة بإيماءة من رأسه وزاد : انا كنت في المرسم اكمل لوحتي الخامسة لأن معرض الجامعة يقترب . بدا جاداً ومقنعا ومهدي يعلم ان لا علاقة له بالرسم ، فدهش من قدرته على ارتجال الكذب وساورته الشكوك حول مصداقية احاديثه المنمقة عن يسار وسجالها المزعوم مع الدكتور !. اما ثالثتهما فقالت : انا تأخرت في حديث مع الدكتور جمال ولم يعد مناسبا الدخول بعدما انتصفت المحاصر . آه ، أطل رأس الحكاية التي لا يريد مهدي سماعها . فجدد في سره التصميم على النهوض الا انه لم ينهض كأنه مربوط الى المكان . فقال الاخر بتهكم لاذع : لن ينسى دورك في تزويجه . ردت بأسف : حاولت ما بوسعي لكن العقدة صعبة الحل . انتعش في صدر مهدي أمل وثاب . واتسعت عيناه الوحشيتان بدرجة مريعة . وقالت الفتاة موضحة : ان يسار رفضته . واردفت : وأسباب رفضها منطقية . _______ يتبع
( ابو زيزوم _ 807 )
2020-03-10