اليوم التَّالي بعد وقف إطلاق النَّار..!
سعود قبيلات
دأب كثيرون على إطلاق الكثير من الكلام، خلال السَّنتين الماضيتين، عن «اليوم التَّالي» لانتهاء الحرب على غزَّة.
وكان هؤلاء يتحدَّثون عن «اليوم التَّالي» لحماس، حصراً؛ وهو يوم – كما كانوا يتوقّعون – لا تكون حماس موجودة فيه مطلقاً؛ بل تكون قد غادرت إلى الأبد!
ولم يكن هؤلاء يتحدَّثون عن «اليوم التَّالي» للكيان الصّهيونيّ، ولا بأيّ مستوى من المستويات!
ومع الإعلان عن اتِّفاق وقف إطلاق النَّار، ها نحن قد أصبحنا، مباشرةً، أمام «اليوم التَّالي»، ذاك، الَّذي كانوا يتكلَّمون عنه..
فما هو المشهد الماثل أمام الأنظار؟
أوَّلاً: الاتِّفاق على وقف إطلاق النَّار، تَمَّ مع حماس وفصائل المقاومة الفلسطينيَّة في غزَّة؛ كما أنَّه تمَّ بالتَّفاوض (وأُشدِّد، هنا، على مفردة «التَّفاوض») مع حماس وفصائل المقاومة الفلسطينيَّة، وبمشاركة دول إقليميَّة أساسيَّة؛ بل وبمشاركة الولايات المتَّحدة أيضاً..
وهذا يتناقض تماماً مع أحد أهمّ أهداف نتنياهو (وحكومته) المعلنة؛ وهو عدم وقف إطلاق النَّار إلَّا بعد القضاء على حماس والمقاومة الفلسطينيَّة في غزَّة..
ثانياً: في أثناء المفاوضات، وفي عمليَّة اتِّخاذ قرار وقف إطلاق النَّار، كان جماعة التَّنسيق الأمنيّ على الهامش؛ وفي أحسن الأحوال، كانوا جالسين على مقاعد المتفرّجين؛ فلم يهتمّ، لا الأميركيين، ولا «الإسرائيليين»، ولا غيرهم، بإيجادِ مكانٍ لهم على طاولة المفاوضات واتّخاذ القرار.
وهذا يجب أنْ يكون درساً بليغاً لجميع الَّذين يرهنون قرارهم للأميركيين و«الإسرائيليين».
ثالثاً: أصبح واضحاً، بعد أكثر مِنْ سنتين من أعمال الإبادة الجماعيَّة والتَّدمير الهمجيّ المنهجيّ، أنَّ العدوّ غير قادر على تحقيق أهدافه المعلنة، المتمثِّلة بإنهاء المقاومة وتهجير أهل غزَّة؛ فالمقاومة لا تزال مستمرَّة، ولم يظهر أيّ مؤشِّر يفيد بأنَّها يمكن أنْ تتوقَّف؛ والنَّاس، في غزَّة، متمسِّكون بالبقاء على أرضهم، رغم كُلّ أعمال القتل والتَّدمير غير المسبوقة في التَّاريخ..
كما أنَّ هذه الحرب الوحشيَّة، الَّتي جرت بدعمٍ كبيرٍ وغير مسبوق مِنْ حكومات الغرب الإمبرياليّ، دمَّرت سمعة الكيان الصّهيونيّ تماماً؛ ودمَّرت، كذلك، سمعة حكومات الغرب..
ولذلك كُلِّه، تمَّ جلب نتنياهو إلى طاولة المفاوضات، وإجباره على تقديم التَّنازلات المطلوبة، مِنْ أجل وقف الحرب؛ رغم أنَّه كان قد شرع بإطلاق مراحل جديدة من العدوان على غزَّة..
أمَّا الثَّرثرة عن رغبة دونالد ترامب في الفوز بجائزة نوبل، والقول إنَّها سبب توجّه الإدارة الأميركيَّة إلى دعم جهود وقف الحرب، ونجاح هذه الجهود، فهو كلام سخيف، ويدخل في باب المقولات النَّمطيَّة، الَّتي كثيراً ما يستسهل بعض الإعلاميين تكرارها على نحوٍ ببَّغائيّ.. لأنَّهم لا يُحبُّون إجهاد أنفسهم بالمتابعة والتَّدقيق والتَّفكير..
رابعاً: إذا كان الغزّيُّون يخرجون من الحرب ليجدوا أنفسهم أمام مشاهد الدَّمار السِّرياليّ الَّتي أصابت مدينتهم، وأمام مشاعر الفقد الأليم للكثير مِنْ ذويهم وأحبَّائهم، وإلى مجابهة الكثير من الجراحات والآلام الَّتي سبَّبتها الحرب لهم.. فإنَّ هذه المشاهد المؤلمة ليست حكراً عليهم وحدهم؛ فالكيان الصّهيونيّ، هو أيضاً، يخرج مِنَ الحرب ليجد نفسَه أمام الكثير مِنْ مشاهد الآلام، والتّصدُّعات، والخسائر الكبيرة المختلفة، والدَّمار، وانعدام الشُّعور بالأمن، واهتزاز الثِّقة بالمستقبل..
وليجد نفسه، بوجهٍ خاصّ، أمام الدَّمار الكبير الَّذي أصاب سمعته الزَّائفة، ويرى أنَّ قدرته على توظيف الهلوكوست لصالحه – كما كان يفعل دائماً في السَّابق – قد تلاشت تماماً؛ بل أصبحت موضع سُخرية؛ وأنَّ ثمَّة هلوكوست آخر أشدّ فظاعة قد أصبح يلطِّخ وجهه.. هو الهولوكوست الفلسطينيّ الَّذي جرى تنفيذه أمام أنظار العالم كُلِّه، ساعة بساعة ويوماً بيوم، على مدار سنتين..
وهذا يُعَدُّ أحد جوانب الخسارة الاستراتيجيَّة، الَّتي لحقت بالعدوّ في خضمّ عدوانه الغاشم على غزَّة..
بالخلاصة، وبخلاف العديدين، أرى أنَّ 7 تشرين الأوَّل 2023، سيُسَجَّل في التَّاريخ بوصفه (حتَّى الآن، على الأقلّ) أهمّ واقعة مِنْ وقائع المقاومة في تاريخ القضيَّة الفلسطينيَّة..
وهذا مع عدم التَّقليل مِنْ شأن المقاومين الآخرين والمقاومات الأخرى.
2025-10-10