افتتاحية النداء 258/ اليسار: مشروع الفقراء من أجل التحرير والتغيير / د. خالد حدادة
من الطبيعي، ملاحظة الكثافة التي يجري فيها النقاش حول “اليسار” في المرحلة الحالية. فالأزمة المستمرة لليسار اللبناني والعربي والتي بدأت منذ ما قبل انهيار المعسكر الاشتراكي، ترافقت مع هزيمة حركة التحرر العربية حينها، وهزيمة الحركة الوطنية ببرنامجها الذي استبدل باتفاق عمّق النظام الطائفي في لبنان، هذه أدت إلى غياب اليسار بأحزابه الأساسية في لبنان والعالم العربي لفترة طويلة، عن الصراع الدائر في المنطقة.
باختصار، قد يبدو قاسياً ولكنه ضروري. “انفخت دف” المدرسة السوفياتية فتفرق العشاق. وما يهمنا هنا هو العشاق اللبنانيون، الذين ما تفرقوا إلاّ مع “نغمات الدف” الذي كنا جميعاً نرقص على إيقاعه، مع بعض “النشاز” الذي كان يبرز أحياناً خصوصاً عند الحزب الشيوعي اللبناني. قبل هذا الحدث، وقبل تبلور الأزمة وقبل انهيار حركة التحرر العربية، كانت قوى اليسار دائماً، المبادرة إلى الإشارة إلى مكامن الهزيمة في العالم العربي وبالتالي رافضة لنتائجها وداعية ومبادرة لمقاومتها.
إن أكثر ما ميز اليسار والشيوعيين في مقاومتهم لنتائج الهزائم الكبرى، هو شمولية مشروعهم المقاوم، وبشكل خاص إصرارهم على البعد الاجتماعي والطبقي لهذه المقاومة. فكان تركيزهم في نقد قيادة حركة التحرر العربي، على انحيازها في المرحلة التي تلت وفاة عبد الناصر وهزيمة الـ 67 لمصلحة الفئات البرجوازية وضربها لأسس الاقتصاد الوطني وبالتالي انزلاقها المتسارع باتجاه التبعية للمشروع الامبريالي.
وكذلك في لبنان، ومع إطلاق “جمول”، رفض الشيوعيون مع فئات واسعة من شعبنا، نتائج هزيمة الـ82 وبالتالي رفعوا شعاراً للمقاومة، ينطلق من تحليلهم لأسباب الهزيمة ومسؤولية النظام البرجوازي- الطائفي عنها ومن هذا التحليل انبثق شعار “الأرض لمن يحررها” والمقصود هنا كان ان الأرض للفقراء الذين يدفعون الدم لتحرير الجنوب. وكذلك تركيزهم على كلية مشروع المقاومة، الذي يرتبط فيه ركناه، التحرير والتغيير الديمقراطي.
ببساطة، النظام الطائفي هو بطبيعته، نظام تابع للخارج، كل الخارج، وهو ممثل لمصالح البرجوازية اللبنانية التابعة، وبهذا الفهم للتبعية الاقتصادية فهو بطبيعته نظام يتأقلم مع التغييرات الخارجية بما في ذلك، مستعد للتعايش مع الإحتلال والوصايات، حتى لو كان هذا الإحتلال إسرائيلياً أوليس ذلك ما عبر عنه قبول مجلس النواب (ما عدا فدائيين) لإتفاقية 17 أيار.
إن الذي قبل هذا الإتفاق، ليس النواب بأشخاصهم وأسمائهم (وقسم أساسي منهم لا زال ممثلاً بالأبناء) بل هو النظام بذاته.
جاء اتفاق الطائف، ليعلن في ظل موازين القوى العربية المستجدة والمعززة لدور الخليج والمملكة السعودية، وفي ظل انهيار المنظومة الإشتراكية، جاء هذا الإتفاق ليعلن عن هزيمة المشروع الوطني الديمقراطي الذي حمله الشهيد كمال جنبلاط واليسار اللبناني، والهزيمة لا تعني خطأ الشعارات والمشروع بل تعني ان موازين القوى هزمت المشروع الديمقراطي لصالح مشروع جديد للبرجوازية اللبنانية المتحالفة مع زعامات الطوائف والقوى الإقليمية والدولية الفاعلة (التقاطع الأميركي ـ السعودي والسوري).
مع هزيمة المشروع الوطني، تم ضرب أفق المقاومة الوطنية، كحركة تحرير مرتبطة بالتغيير الديمقراطي وبالتمثيل الاجتماعي لمصلحة الفقراء، ما أفسح المجال أمام مشروع آخر “للمقاومة” قادر على التأقلم مع النظام الطائفي العائد بعمقه المذهبي، والقادر على التأقلم مع أجواء الصراعات الإقليمية ومحاورها.
* * *
نعم “انفخت الدف وتفرق العشاق”، جذبتهم وهذا منطق الأمور وأشارات العلم، المشاريع الأخرى البديلة بصراعها. وهذا طبيعي عندما يفقد مشروع ما ثقله وبرنامجه “ومشروعيته”، وقدرته على الإستقطاب.
فذهب البعض باتجاه التعامل مع الموازين المستجدة وحتى ان قسماً من المفكرين اللبنانيين واليساريين، ذهب بعيداً في التغطية والتعامل الواقعي مع المشروع الإمبريالي من العراق الى سوريا، الى لبنان وفلسطين…
وقسم أيضاً ذهب إلى حد توصيف التقاطع مع مشروع المقاومة الآخر، وكأنه استمرار لمشروع المقاومة الوطنية، مقللاً من أهمية العوامل المتشابكة سياسياً واجتماعياً التي ميزت مشروع المقاومة الوطنية.
ما الذي استجد؟
حكماً الموضوع لا علاقة له بالخيارات الذاتية. فعندما انهارت المنظومة الإشتراكية، انهار معها الأفق والحلم بالتغيير في كل أصقاع الأرض. وراح البعض يفتش عن الحلم والأفق في أماكن أخرى.
أما اليوم ومع تطورات أميركا اللاتينية والتقدم الذي يحققه اليسار في أوروبا ومع بدايات الفرز والحراك الذي حققته الانتفاضات العربية، الذي أدى إلى فرز للقوى والدول كما إلى فرز داخل الانتفاضات نفسها. كان طبيعياً العودة الى النقاش والبحث. صحيح ان المشاريع الأقوى والأبرز هي إما المشروع الأمبريالي والصهيوني، والمشاريع الإسلامية على إختلاف مواقعها من هذا المشروع، ولكن ما جرى ويجري يفترض وجود الأفق الآخر والحلم الآخر، الذي يفترض أن يحمله اليسار العربي واللبناني بخاصة، وهذا ما يفترض الفعل لا الإنتظار، المشروع المستقل وليس الإلحاق.
* * *
كل يرقص على أنغام “سيريزا” وكأنها تمثله. ببساطة شديدة “سيريزا” هي استمرار وتطوير لنضال اليسار اليوناني بما فيه الشيوعيون اليونانيون، لتضحياتهم في وجه الإستعمار والفاشية.
إن أهم ما يميز مشروع اليسار المتقدم في أوروبا، هو بعده الطبقي والاجتماعي وهذا ما مثل الحركات اليسارية في أميركا اللاتينية. وكجزء من هذا التمثيل الطبقي للفئات الاجتماعية المتضررة من السياسات الاقتصادية التابعة، أخذت هذه الحركات وجهها الوطني أيضاً، فرفض “سيريزا” الإملاءات الأوروبية التي تمس سيادة اليونان، وانتفضت أميركا اللاتينية على سيطرة الولايات المتحدة.
قاعدة انطلاق أولى، هي الطابع الطبقي الاجتماعي، فلا يسار خارج التمثيل السياسي للفئات الاجتماعية الفقيرة والمتضررة من السياسات النيوليبرالية للأنظمة المسيطرة. فاليسار ليس فانتازيا سياسية بل هو مشروع نضالي يعبر عن مصالح الفقراء.
نعم اليسار بحاجة إلى تجديد ولكن التجديد لا يطال الجوهر الذي يعطي اليسار طابعه، عند ذلك يصبح انقلاباً وتشويهاً وليس تجديداً. نعم أصبح ضرورياً توسيع القاعدة الاجتماعية لليسار بما يتجاوز التحديد التقليدي للطبقة العاملة والفلاحين، ويطال كل الفئات الاجتماعية المتضررة من السياسات الرأسمالية ولكن هذا لا يلغ كونه تمثيل سياسي للفئات الشعبية التي اتسعت نتيجة تمركز الثروة في يد قلة.
وبهذا المعنى أيضاً، لا يمكن ليسار عربي ان يتكون خارج اعتبار”فلسطين” المركز القومي لنضاله. فالإمبريالية حامية المشروع الصهيوني. ومن المنطلق الطبقي ـ الاجتماعي فإن تحرير فلسطين يبقى نقطة ارتكاز أساسية لأي مشروع يدعي “اليسارية”.
وهذا ما ينعكس أيضاً على الموقف من مبدأ المقاومة وضرورتها في لبنان والعالم العربي. فمواجهة الإحتلال هي بالدرجة الأولى قضية اليسار بما يمثله. إلى ذلك وكاستنتاج بديهي، لا قيمة ليسار لا يسعى لتغيير النظام الطائفي فهذا النظام، يرتبط بمصالح البرجوازية اللبنانية ويتعدل بما يتناسب مع هذه المصالح.
إنها أولويات متفاعلة أيها السادة. وليست تراكماً لشعارات منفصلة يتقدم إحداها بمرحلة ما، ولكنها لا تنفصل عن الأولويات الأخرى وإلاّ يفقد المشروع اليساري استقلاليته بما يمثل طبقياً واجتماعياً.