الولايات المتحدة: الحرب وسيلة لتجاوز أزمة رأس المال!
الطاهر المعز
أصبح الكونغرس الأمريكي يتصرف كأداة لتنفيذ إرادة السلطة التنفيذية، ويختزل الإجراءات القانونية ويُلغي جلسات الإستماع ويختصر إجراءات المراقبة، ويوافق على مشاريع القوانين بسرعة استثنائية، لِيُدْرِجَ قانون ميزانية سنة 2026 ( وكذلك مشروع قانون الميزانية لسنة 2027) زيادة العجز وإثراء الأثرياء وإفْقَر الفُقَراء، وإعادة تفعيل التخفيضات الضريبية لصالح الأثرياء التي أقَرّتْها ميزانية سنة 2017 والتي كان من المُقرّر أن تنتهي صلاحيتها سنة 2025، وتحويلها إلى تخفيضات دائمة، وبالمقابل تم تخفيض ميزانية دعم الرعاية الصحية ( برنامج Medicaid ) وبرنامج دعم الغذاء من خلال قسائم الطعام (SNAP)، وبرامج اجتماعية أخرى، وتم تحويل المبالغ التي كانت مخصصة لهذه البرامج الإجتماعية إلى إدارة الهجرة والجمارك (ICE) لإرهاب وترحيل المهاجرين وقمع المواطنين المتضامنين مع المهاجرين، كما أقرّت الميزانية مزايا عديدة للشركات، ومن ضمنها شركات التنقيب عن النفط والغاز التي تم إعفاؤها من ضرائب الشركات، وإعفاء الطائرات الخاصة من الضرائب بالكامل سنة شرائها، وتمديد إعفاء ضريبي سخي لشركات الصيد البحري في ألاسكا وإلغاء ضريبة الأسلحة إِرْضَاءً للرابطة الوطنية للبنادق، وإقرار مزايا للتعليم الخاص لإرضاء مجموعات الضغط اليمينية المتطرفة الرامية إلى تقويض التعليم العام…
بالمقابل تم إقرار رسوم بقيمة مائة دولار عن كل ملف يُقدّمه طالبو اللُّجوء ورسوم جديدة قدرها خمسة آلاف دولار على المهاجرين الذين يُقبض عليهم بعد دخولهم البلاد، وإلغاءالإعفاء الضريبي للموظفين الذين يُعوَّضون عن نفقات ركوب الدراجات إلى العمل، وخفض سقف قروض الطلاب رغم ارتفاع تكاليف الدراسات العليا والمهنية.
في إطار عسكرة الإقتصاد والحياة اليومية سوف تتضاعف ميزانية إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) ثلاث مرات لتصل إلى 27 مليار دولار سنويًا حتى سنة 2029، أو قرابة الإنفاق العسكري الكندي الحالي، وأكثر بقليل من الإنفاق الإسباني، اللذين يحتلان المرتبتين السادسة عشرة والسابعة عشرة في الإنفاق العسكري العالمي، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وتنفق إدارة الهجرة والجمارك جزءًا من هذه الميزانية للتعاقد مع شركات السجون الخاصة العملاقة التي يمتلكها مُمَوِّلُو الحملات الإنتخابية للحزب الجمهوري وجماعات المصالح اليمينية.
تُقدّر مدفوعات فوائد الدين الحكومي بأكثر من تريليون دولار سنويًا وسوف ترتفع إلى 1,8 تريليون دولارا سنة 2035، وأن يرتفغع الدّيْن من حوالي 100% من الناتج المحلي الإجمالي حاليًا إلى 120% سنة 2035، إلى ما يقارب 130% خلال عشر سنوات بفضل مشروع قانون الميزانية والميزانية المبسطة الذي سوف يزيد من عدم المساواة وقد تَخْسَرُ نسبة 20% من السكان الأشدّ فقرًا نحو 2,4% من قيمة دخلها الحالي وفق دراسة نشرها “مُخْتَبَرُ الميزانية” بجامعة ييل، وتُشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس إلى أن ستة عشر مليون شخص إضافي سيصبحون بلا تأمين صحي سنة 2034، بسبب تخفيضات ميزانية برنامج ميديكيد وانتهاء العمل بالإعفاءات الضريبية بموجب قانون أوباما للرعاية الصحية
أعدّ مُستشارو وخُبَراء شركات الأدوية الكبرى وشركات النفط العملاقة وول ستريت مشروع قانون ترامب الضريبي الذي يُخفّض الضرائب على الأثرياء ويُقلّص الرعاية الصحية وحرمان ستة عشر مليون أمريكي إضافي من الرّعاية الصّحّيّة ويُخفض الدّعم الغذائي للفقراء ويرفَع أسعار المواد الغذائية ويُضيف عشرات الملايين من المواطنين إلى صفوف الفُقراء
تُعدّ شبكة العمل الأمريكية إحدى أبرز مجموعات الضّغط وأنفقت أربعة ملايين دولارا لإعداد مشروع قانون الضرائب وتخصيص مبلغ للدعاية بأن القانون سيُفيد المواطنين الأمريكيين العاديين، وكافأتها شركات الأدوية الكبرى، من خلال “جمعية أبحاث وتصنيع الأدوية في أمريكا” التي حوّلت إلى شبكة العمل الأمريكية 17,5 مليون دولارا بين سنتَي 2020 و 2024 كما نشطت منظمة “أمريكيون من أجل الرخاء” التي أسّسها الملياردير اليميني المتطرف تشارلز كوتش والتي نظّمت حملة إعلامية بقيمة أربعة ملايين دولارا لتمرير إجراء التخفيضات الضريبية للأثرياء، وتلقّت هذه المنظمة 72 مليون دولارا من شركات النفط والغاز بين سنتَيْ 2020 و2024، وأنفقت مجموعات الأسهم الخاصة ما لا يقل عن سبعة ملايين دولارا للحفاظ على بند في مشروع قانون المصالحة يسمح للمديرين التنفيذيين في وول ستريت بدفع ضرائب أقل من متوسط ما يدفعه رجال الإطفاء والمعلمين وأصحاب الأعمال الصغيرة.
مُلخص القول إن الشركات الكُبرى تُصمّم القوانين وتُنظم الحملات الدّعائية لتمريرها…
من جهة أخرى يحتاج النظام الأمريكي ( خصوصًا خلال رئاسة دونالد ترامب ) إلى الحرب لصرف الأنظار عن إخفاقاته الداخلية المتمثلة في عدم قُدْرة عشرات الملايين من الأمريكيين على تَحَمُّلِ تكاليف المعيشة، ولذلك قصف الديش الأمريكي فنزويلا واختطف رئيسها، وهدّد كوبا وكولومبيا وغرينلاند والمكسيك وفنزويلا ونصف الكرة الأرضية الغربي بأكمله، فضلا عن تهديد إيران باستخدام القوة العسكرية ضدها، متذرّعًا بمشكل داخلي إيراني بين النظام والشعب، وتزامنت هذه التّهديدات مع اقتراح زيادة الميزانية العسكرية المُعْلَنَة من تريليون دولارا سنة 2026 على 1,5 تريليون دولارا سنة 2027، لتطْغَى التهديدات العسكرية والحروب العدوانية على الدّبلوماسية في الخارج ويطغى القمع ونَشْر الحرس القومي وشرطة مكتب الهجرة والجمارك في الدّاهل، للتغطية على التحقيق في قضية “جيفري إبستين” وتورّط دونالد ترامب في المتاجرة بالقاصرين والقاصرات، وعلى ارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان “الأمن الإقتصادي” والغذائي والصّحِّي الذي وَعَد دونالد ترامب بتوفيره خلال حملته الإنتخابية، وقَدَّرَ التقرير السنوي لوزارة الزراعة الأمريكية إن 48 مليون أمريكي يعيشون في أُسَرٍ تعاني من انعدام الأمن الغذائي ( بنهاية سنة 2024)، أي ما يعادل 14,4% من السكان، بزيادة قدرها 32,1% عن عام 2019، وهو أعلى مستوى لانعدام الأمن الغذائي منذ أكثر من عقد، ورفضت إدارة دونالد ترامب نَشْرَ هذا التّقرير وجميع التقارير اللاحقة، بذريعة “إنها لا تفعل شيئًا سوى بثّ الذعر”، ومن المتوقع أن يتفاقم الوضع بعد التخفيضات الكبيرة في مجال الرعاية الاجتماعية مثل برنامج المساعدة الغذائية التكميلية ( SNAP (المعروف سابقًا باسم “قسائم الطعام” وحرمان ما لا يقل عن عشرين مليون أمريكي من الرعاية الصحية بعد إلغاء برنامج المساعدة على التأمين الصحي وفق موقع “أكسيوس” 07 كانون الثاني/يناير 2026
2026-01-20