الورقة السابعة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل الجزء الثالث!
بقلم أعلية العلاني*
تناولت الأدبيات الجهادية خاصة في الأربع سنوات الأخيرة مسألة الخلافة الإسلامية، وكان هناك حديث عن نوعين من الخلافة: خلافة ترابية وخلافة افتراضية أو رقمية. وقد تأثّر معتقلو تيار التطرف العنيف المطلوب تأهيلُهم بهذين النوعين وخاصة الخلافة الافتراضية التي أصبحت هي السائدة بعد سقوط دولة داعش. فما هي خاصيات هذه الخلافة وما هي المقاربة البديلة في تأهيل معتقلي تيارات التشدد الديني؟
1) القاعدة ترفض الخلافة الترابية
يرى الباحث الفرنسي آلان بويار الأستاذ المتخصص في علم الإجرام في حوار له مع قناة مونتي كارلو في 29/10/2020 (عقب حادثة الرسوم الكاريكاتورية) أن تنظيم القاعدة لا يتبنّى فكرة إقامة خلافة ترابية. ويذكر أنّ بن لادن يقول بأنه إذا أَنشأَ خلافة ترابية فإنه يسهل رصْدُه وقتْلُه والقضاء على أفكاره، وبالتالي يكتفي زعيم القاعدة بنشاط ميداني متنقل تحيط به السرية وتـُسْتعمل فيه بعض التطبيقات الإعلامية المُحَيّنة باستمرار. وهنا تُطرح عدة تساؤلات عن إصرار داعش على إقامة خلافة ترابية، هل يهدف ذلك إلى تجميع هؤلاء المقاتلين ثم القضاء على معظمهم لحساب بعض الأطراف كما يقول بعض المحللين، أم لتحقيق أهداف أخرى؟
2) داعش تؤيد الخلافتين الترابية والافتراضية
منذ إعلان أبو بكر البغدادي عن قيام دولة الخلافة الترابية في جوان/ يونيو 2014 توجّه إليها عشرات الآلاف من المقاتلين من حوالي مائة دولة. أما الذين لم يستطيعوا الالتحاق بدولة الخلافة الترابية فقد طَمْأنهُم الناطق باسم تنظيم داعش أبو محمد العدناني بجواز الانضمام شرعا إلى الخلافة الافتراضية وممارسة نشاطهم وعملياتهم من أي نقطة في العالم باسم التنظيم. وبدأت تتكاثر التنظيرات داخل داعش بأهمية الخلافة الافتراضية أو الرقمية (انظر تقرير مؤسسة كويليام المتخصصة في تيار الإسلام الراديكالي بعنوان: الخلافة الافتراضية ، فَهْمُ استراتيجية الدعاية لدى داعش الصادر في 2017) في مرحلة بدأت داعش تخسر أجزاء من مساحاتها الترابية، ولعل هذا ما يفسر صدور وثيقة عن داعش سنة 2017 نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تقول أن “رسالة الخلافة هي أن هناك دولة إسلامية مادام هناك إرادة… ولا يعني انتهاء الخلافة العسكرية نهاية فكرة وعقيدة الدولة الإسلامية” ( انظر مقال: استدارة داعش من الخلافة الحقيقية إلى الخلافة الافتراضية، صحيفة الوقت الالكترونية، بتاريخ 21/01/2018). ويمكن القول أن الخلافة الافتراضية، حسب قيادييها، هي الحل الوحيد لبقاء تنظيم داعش فهي توفّر “مُواطَنَة خالية من القيود والتي يمكن الوصول إليها من أي مكان في العالم، ويمكن للأفراد الساخطين البحث عن مجتمع آخر مواز لتطلعاتهم، أن يجدوا مجتمعا مناسبا لأحلامهم في العالم الافتراضي الذي تُنشئه تلك الجماعات” (انظر مقال: الخلافة الافتراضية للجماعات الراديكالية، صحيفة المرجع 19/7/2018) وهذا ما يشكّل قوتهم كتنظيم استطاع تسيير العمل الإرهابي عن بُعد، وظهر ذلك في العمليات الإرهابية التي لم تتوقف في فترة كوفيد 19 في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. إنّ الحد من خطر الخلافة الافتراضية لن يتمّ دون تعاون دولي وإرادة دولية بَدْءا بتجفيف منابع التمويل وانتهاء بتشديد الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنشاء تطبيقات إعلامية أكثر تطورا قادرة على تفكيك أفضل لشفرة “الواب المظلم” وغيرها من التطبيقات الحديثة، بالإضافة إلى بذل مجهود استثنائي في إصلاح التعليم والخطاب الديني والوضع الاجتماعي.
3) الخطاب البديل للخلافة الافتراضية
نشير في البداية إلى أن عدد المعتقلين بتهمة التطرف العنيف والذين لم يلتحقوا ببُؤَر التوتر في ازدياد. وعلى الهيئة المكلفة بتأهيل هؤلاء المعتقلين أن يأخذوا ذلك بعين الاعتبار. وبالنسبة إلى الخطاب البديل فيمكن أن يقوم على مستويات ثلاث:
– المستوى الأول: التأكيد على أن الخلافة الافتراضية لا أثر لها في الفقه الإسلامي القديم والحديث. وبمنطق العقل السُّنّي تُسمّى بدعة، والبدعة مرفوضة لدى التيار السلفي عموما.
– المستوى الثاني: التأكيد على أن الخلافة الافتراضية هي فكرة سياسية أكثر منها دينية، لأن هدفها تفكيك الدول عَبْر خلق الفوضى الشاملة الناجمة عن العمليات الإرهابية في أي مكان في العالم، وبأنه لم توجد عبر التاريخ خلافة بهذه المواصفات.
– المستوى الثالث: التأكيد على أن الخلافة الافتراضية لا تلبي حاجيات أنصارها المادية والروحية، وإذا عرفنا أن معظم أنصارها من الشباب المهمش فإن مدى استفادتهم من خدماتها محدود جدا. وإقناعهم بأن الغالبية العظمى من أنصار التنظيم وقيادييه الكبار قُتلوا في ظروف أقل ما يقال فيها أنها مُهينة.
البطاقة القادمة: الورقة الثامنة في تأهيل مساجين التطرف العنيف. الخطاب البديل الجزء الرابع
* أكاديمي ومحلل سياسي- جامعة منوبة – تونس
2020-11-07