الهيمنة الامريكية!
زينب مهدي*
الجزء السابع :
الصين و أمريكا “فخ التناقض الجيوسياسي والتكنولوجي”
وقع رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني اتفاقيات تجارية جديدة بقيمة 5-7 مليار دولار مع شركات أمريكية في قطاعات الصحة والطاقة والتكنولوجيا و الأمن ، إلا أن اتجهت هذه الاتفاقيات إلى مرحلة حرجة من الصدام الصامت بين واشنطن وبكين.
اليك مقارنة مختصرة بين المشاريع الصينية و الأمريكية في العراق :
1- قطاع الأمن السيبراني والاتصالات (حرب التجسس الرقمي) : وقّع العراق مذكرات تفاهم مع شركات أمريكية لتحديث البنية التحتية الرقمية لوزارة الاتصالات والوزارات الأمنية السيادية لمنع الاختراقات اما الآن تسيطر شركة هواوي الصينية بشكل شبه كامل على البنية التحتية لشبكات الهاتف المحمول والإنترنت في العراق (مثل شركات زين وآسيا سيل وكورك)، وتدير مراكز البيانات الحكومية الفرعية.
لن تسمح واشنطن ابداً بربط أي تكنولوجيا أمنية أو استخباراتية أمريكية مع شبكات عراقية تديرها معدات هواوي الصينية .
2- مستقبل صيانة الطيران والدفاع العسكري : حاول العراق عبر الحوار الأمني الأخير إبقاء شركات مثل لوكهيد مارتن وجنرال دايناميكس ملتزمة بتقديم الدعم الفني لطائرات F-16 ودبابات أبرامز .
لكن مع الإنسحابات الأمريكية وتأخر تزويد العراق بقطع الغيار، اتجهت بغداد للاستثمار في الطائرات المسيرة الصينية (مثل CH-4 وCH-5) ومنظومات الدفاع الجوي والتشويش الصينية .
القوانين الفيدرالية الأمريكية تمنع مهندسي الدفاع الأمريكيين من العمل في قواعد عسكرية عراقية توجد فيها تكنولوجيا دفاعية صينية نشطة. فسيعني حتماً تجميداً أمريكياً لعقود صيانة الأسلحة الاستراتيجية العراقية.
3- قطاع التحول الرقمي المصرفي والمالي (الخناق الأمريكي): تركز الاتفاقيات الأمريكية على “الامتثال الآلي” للبنوك العراقية وربطها بنظام “سويفت” الدولي .
نظراً للقيود الأمريكية الصارمة على الدولار، بدأت بغداد وبكين بتفعيل التبادل التجاري المباشر باليوان الصيني وتأسيس قنوات مالية موازية بعيدة عن المراقبة الفيدرالية الأمريكية لتسهيل معاملات الشركات الصينية العاملة في العراق.
تدرك واشنطن أن اليوان يهدد هيمنة الدولار في الشرق الأوسط. لذلك،قد تدفع الفيدرالي الأمريكي برفض تفعيل المنصات التكنولوجية المصرفية الحديثة و فرض”عقوبات ماليّة” تعزل البنوك العراقية كلياً عن النظام الغربي، مما يجعل الاتفاقيات التكنولوجية المالية حبراً على ورق.
4- قطاع الطاقة الذكية وأتمتة المصافي : وقّعت شركة هانيويل وبیکر هيوز عقوداً لتوفير برمجيات الأتمتة والتحكم الرقمي الذكي لمصفى كربلاء ومشاريع استخلاص الغاز.
اما الشركات الصينية هي من تقوم بـ “البناء الإنشائي والميكانيكي” الفعلي لهذه المصافي والحقول على الأرض.
ترفض الشركات الأمريكية منح الشفرات البرمجية وأنظمة التحكم التكنولوجي لمهندسين أو إدارات عراقية تعمل مع مقاولين صينيين داخل الموقع. هذا التضارب يؤدي إلى العرقلة في تشغيل المنشآت.
٥- قطاع التعليم والأبنية المدرسية : أنفقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ملايين الدولارات عبر مقاولين ثانويين لتأهيل وترميم المدارس. النتيجة كانت فواتير متضخمة اقتصرت على طلاء جدران مدارس متهالكة .
لكن ضمن اتفاقية “النفط مقابل الإعمار”، انجزت شركتا (PowerChina) و (Sinotech) الصينية بناء 1000 مدرسة نموذجية حديثة و بمختبرات كاملة موزعة على كافة المحافظات العراقية. وجاري العمل للوصول إلى 3000 مدرسة.
٦- قطاع النفط والغاز : انسحبت شركة إكسون موبيل بالكامل من حقل غرب القرنة/1 و شركة شل من مشروع النبراس للبتروكيماويات و شيفرون من كردستان .
و بعد ذلك حلّت شركة بتروتشاينا الصينية الحكومية رسمياً كبديل لإكسون موبيل. واليوم، تدير الشركات الصينية (مثل سینوپك CNOOC، وPetroChina) أضخم حقول العراق: (حقل الأحدب، حقل الحلفاية، حقل الرميلة، وحقل مجنون)، وتستثمر الغاز المصاحب بنجاح، مما جعل الصين المستورد الأول للنفط العراقي (تشتري قرابة 30% إلى 40% من نفط البصرة يومياً).
٧- قطاع النقل والبنية التحتية الاستراتيجية : مشروع خط أنابيب الفتحة (شركة KBR) الذي غرق تحت نهر دجلة بكلفة 30 مليون دولار دون نقل برميل واحد، وفشل صيانة المطارات والموانئ بسبب إصرار الشركات الأمريكية على الحماية العسكرية الخاصة والابتزاز.
تقود الشركات الصينية الآن مشروع إعادة بناء مطار الناصرية الدولي بالإضافة إلى تشييد محطة توليد كهرباء صلاح الدين الحرارية ومشاريع الطرق والجسور الكبرى في العراق
٨- قطاع التطوير العقاري والمدن الجديدة:
إلغاء مشروع معسكر الرشيد السكني لعدة مرات بعد عجز الشركات الأمريكية عن التعامل مع القوانين المحلية
اما الشركات الصينية حصلت على عقود بناء مدينة الجواهري السكنية الجديدة(أطراف بغداد) ومدينة ضفاف كربلاء، وبدأت فعلياً بأعمال الحفر والبناء التحتاني دون الالتفات للمخاطر التي أطاحت بالأمريكيين سابقاً.
تتلخص عبقرية التغلغل الصيني وفشل الأمريكي في 3 نقاط جوهرية :
١- المرونة الأمنية : الشركات الأمريكية كانت تصرف 40% من ميزانية المشروع على شركات الأمن الخاصة (مثل بلاك ووتر) وتتحرك بسيارات مصفحة تثير حفيظة السكان المحليين، وتنسحب عند أول قذيفة هاون. أما الشركات الصينية، فتقوم بتوظيف اليد العاملة المحلية وأبناء العشائر لحماية مواقعها،مما خلق حاضنة شعبية تحمي المشاريع الصينية وتمنع ابتزازها.
٢- فلسفة “عدم التدخل السياسي”: الشركات الأمريكية تدخل العراق وهي محملة بشروط سياسية، وقوانين الحماية ، والامتثال البنكي المعقد، وتتدخل في سياسات الدولة. في المقابل، ترفع الصين شعار “العمل التجاري البحت”؛ دون التدخل في الشؤون السياسية مما يجعلها المفضلة لدى العراق
٣- عقود الخدمة مقابل عقود المشاركة: الشركات الأمريكية (الرأسمالية) تبحث عن أرباح سريعة ومضمونة ومشاركة في ملكية الآبار؛ وعندما تجد أن القوانين العراقية تمنح فقط “عقود خدمة” بفوائد منخفضة، تفر نحو أمريكا اللاتينية أو أفريقيا . أما الشركات الصينية فلا يهمها الربح السريع، بل يهمها الاستحواذ الجيوسياسي وتأمين تدفق النفط بعيد المدى لبكين لمدة 30 أو 50 سنة قادمة، وهو ما ينسجم تماماً مع عقلية الدولة العراقية
2026-08-20