المنهج العربي في اتخاذ القرار السياسي!
ابو زيزوم الغري.
أضع أمامكم _ كنموذج _ ثلاثة قرارات عربية خطيرة إتخذها سياسيون مختلفون في بلدان عربية مختلفة ، لتروا مدى التماثل بينها في المنهج . وطبعاً لا علاقة لبحثنا هذا بالمضامين القومية او الاخلاقية في تلك القرارات ، فذاك شأن آخر .
قرار السادات زيارة القدس المحتلة ، وقرار صدام حسين غزو الكويت ، وقرار ابن سلمان مهاجمة اليمن . في جميع تلك القرارات ألقى السياسي كل أوراقه دفعة واحدة ولم يعد في اليوم التالي قادرًا على فعل شيء إضافي سوى التشبث بالوضع الصعب الذي أصبح فيه . الشيء الوحيد الذي بات قادراً على فعله هو التراجع . وهو تراجع مهين في كل الأحوال . وأحيانا لا يكون التراجع ممكنا كما في زيارة السادات للقدس . فالزيارة تحققت ودخلت الجيب الاسرائيلي كإعتراف واقعي ( De Facto) ولن يتغير شيء حتى لو أعلن السادات ندمه عليها .
القرارات التي تسقط معها جميع أوراق القائد ويفقد بعدها قدرته على المناورة هي في الحقيقة نوع من المغامرة . فالتراجع ، عندما يكون الخيار الوحيد المتاح ، لا يعتبر عملاً سياسياً وانما هو تحصيل حاصل لذلك لا يقبله الخصوم ، أقصد انهم لا يدفعون له ثمناً .
إختياري لهذه النماذج الثلاثة لا يعني انها حالات معزولة . فالقرارات العربية المشابهة في آلية تصنيعها كثيرة . وهي تعكس مع الأسف شخصية تكونت عبر التاريخ بشكل غير سوي ويستوجب التصحيح . والذي دعاني لهذا الموضوع هو الشخصية الإيرانية ( الفارسية ) التي سلطنا عليها الضوء في المنشور السابق . ولا شك انها متقدمة علينا بمراحل . فهل ترون هذا الاعتراف معيباً ؟. أقول لكي نلحق بالمتقدمين علينا لا بد ان نعترف بأنهم متقدمون علينا ، وإلا سنبقى نراوح في مكاننا .
الشخصية الفارسية كما الشخصية العربية غير مرتبطة بشخص محدد او نظام معين . فمنهجية العمل التي ينتهجها حكام ايران الحاليون هي ذاتها التي كان ينتهجها نظام الشاه . عندما ألغى من جانب واحد عام 1969 اتفاقية الحدود مع العراق لم يكن قرار الإلغاء كل ما عنده وانما كان يمسك في الاحتياط بورقة دعم التمرد الكردي . واستعملها بمهارة في الوقت المناسب ثم ساوم عليها وحقق الهدف . وعندما طالب بالبحرين في نفس الفترة كان يضع نصب عينيه الخيار البديل وهو الحصول على اجزاء من الإمارات اذا تعذر حصوله على البحرين . وهو ما تحقق بالفعل .
عام 1970 وفي ذروة التوتر بين السلطة الاردنية ومنظمة التحرير الفلسطينية إتصل الملك حسين بإسرائيل عن طريق الامريكان طالباً بعض التنازلات كدعم له في حال نشوب القتال بين جيشه والمنظمة . كان الاسرائيليون في تلك المرحلة مستعدين لتقديم تنازلات كبرى لمن يخلصهم من العمل الفدائي . غير انهم رفضوا تقديم اي شيء للملك حسين . حتى مطلب عدم الرد على العمليات الفدائية ، وهو مطلب يعتبر تافها وشكلياً امام حجم الأزمة المتفاقمة ، حتى ذلك المطلب رفض الاسرائيليون التجاوب معه !. أتعلمون لماذا ؟ لأن قرار القضاء على الفدائيين كان قد إتخذ من قبل الملك حسين ، والاسرائيليون يعلمون انه اتخذ وان الصدام قادم لا محالة وبصرف النظر عن جوابهم . أي ان تقديمهم اي تنازل مهما كان ضئيلا يعتبر من الناحية السياسية عملاً مجانياً ، فامتنعوا عن تقديمه . اما لو كان الملك حسين قد ساومهم قبل اتخاذ قرار الحرب على الفدائيين لحصل منهم على الكثير .
وفي عام 1972 قرر السادات طرد الخبراء السوڤييت من مصر وعددهم يناهز العشرين ألفاً . الغاية من الخطوة كانت مغازلة الامريكان . فالعمل في تلك الحقبة من الحرب الباردة بين الغرب والشرق يعتبر شأنا بالغ الخطورة وتترتب عليه نتائج كبرى . لكن شيئا ذا بال لم يترتب عليه لأن السادات لم يفاوض على الخطوة قبل الإقدام عليها . فلما أقدم عليها لم يعد الامريكان محتاجين تقديم ثمن لها وقد أتتهم بالمجان . وهي الفكرة ذاتها التي كررها السادات بعد خمس سنوات بالضبط عندما زار القدس .
الحالة الإيرانية الراهنة المتعلقة بالاتفاق النووي ونحن نراقب الديناميكية في ادارتها ، لو انها حصلت مع حاكم عربي . لو ان الاتفاق الذي انسحب منه ترامب كان مع بلد عربي ماذا كان سيحصل ؟. يحصل أحد أمرين : إما ان الحاكم العربي يعلن الخروج من الاتفاق بعد ساعة من خروج امريكا ، ويمنع المفتشين ويعاود التخصيب فيجد نفسه كما العراق بعد عام 90 واهناً ومحاصرا ويقدم التنازلات تباعاً ودون مقابل . او يقبل بعد ساعة من خروج امريكا بكل الإضافات التي تريد فرضها فيصبح الاتفاق كعدمه .
هذا ما أراه وللقارئ ان يرى غيره .
( ابو زيزوم _ 711 )
2019-09-26