المنعطف الأخير في حرب المال العالمية!
اضحوي جفال محمد*
الهزة التي بدت مفاجئة في اسعار الذهب والفضة والعملات الرقمية أحدثتها اليابان، ليس بقصد وانما كنتيجة جانبية لسلوك اقتصادي اضطراري. ولكي نجعل الصورة اوضح نشرحها باختصار:
منذ ثلاثة عقود، وبسبب المخاوف من انكماش الاقتصاد، قررت اليابان خفض الفائدة لدفع الاموال المكنوزة في البنوك على الخروج إلى السوق والاستثمار. وظلت تخفض الفائدة حتى أوصلتها الصفر. فأصبح الراغبون قادرين على اقتراض أي مبلغ دون ان تترتب عليهم فوائد.. حالة غريبة، أليس كذلك؟. ولكي لا يتصور أحد أن العملية شكل من الانفلات واغتراف الاموال بلا رقيب لا بد من التذكر بأن المقترض يرهن أصولاً يضمن بها المقرض ان امواله ستعود اليه في الموعد المقرر. هنا يحق لك ان تسأل عن السبب الذي جعل المؤسسات المالية اليابانية تُقرض اموالها دونما فائدة!. ونجيب على السؤال بسؤال آخر وهو: ماذا تستفيد تلك المؤسسات من بقاء الاموال في خزائنها؟. فإذا كان الإقراض لا يعود عليها بفائدة، والاحتفاظ بالمال لا يعود عليها بفائدة يكون الخيار الأفضل هو الإقراض لأنه يحرك السوق وينشط الفعاليات الاقتصادية. لا سيما وان الحكومة تشجع على الإقراض عديم (الفائدة) البنكية.
طبعاً أدى ذلك إلى ارتفاع التضخم وتهاوي قيمة الين بسبب الكم الهائل المعروض منه. وأدى إلى نتيجة اخرى لم تكن بين الحسابات الحكومية، وهي أن كثيراً من المقترضين لم يوجّهوا تلك الأموال إلى الاستثمار داخل بلادهم بل توجهوا صوب الباب المضمون للربح، وهو تحويل نقودهم إلى دولارات ليشتروا بها سندات خزينة أمريكية عالية الفائدة. هكذا ارتفعت القروض المقدمة من المؤسسات اليابانية إلى سبعة تريليونات دولار.. نصيب الخزانة الأمريكية منها تريليون ومئتا مليار دولار، فتكون اليابان اكبر المستثمرين الاجانب في سندات الخزينة الأمريكية.
الان، ولغرض الحد من التضخم المستشري، قررت الحكومة اليابانية الجديدة وضع فائدة على القروض، ورفعها بشكل متدرج. وطبعاً يؤدي هذا القرار إلى انسحاب بعض الاموال من السوق واتجاهها إلى البنوك طمعاً بالفائدة الأكثر مضمونية من الاستثمار في الولايات المتحدة بعد بلطجة ترامب. وبطبيعة الحال يتحسن سعر صرف الين لتقلص المعروض منه في السوق.
ارتفاع سعر الين يجعل المقترض بفائدة صفرية لا يعيد المبلغ كما هو إلى المقرض لأن فارقاً في الصرف طرأ، فعليه ان يضيف اموالاً اخرى ليستطيع تسديد القرض حسب الاسعار الجديدة. والى جانب ذلك لم تعد الأصول المرهونة عن القرض لدى المؤسسات المالية تكفي لتغطية القرض وفقاً لسعر العملة الجديد. فسارع الدائنون بمطالبة مدينيهم كي يزيدوا الرهن ليصبح كافياً، وإلا فإن تلك الأصول ستباع بـ (كسران) كما يقال عندنا. هنا وضمن المُهل القانونية لا يكون امام المقترض سوى ان يبيع ما يمكن بيعه من ممتلكاته لتجنب بيع الرهن. ولأن الذهب والفضة والعملات الرقمية والأسهم هي الأكثر جهوزية للبيع السريع قاموا ببيع الكثير منها خلال ايام مما اطاح،مؤقتاً، بأسعار الذهب وأصول اخرى.
على الجانب الامريكي من القضية، ولنفس السبب علاوةً على المخاوف من بلطجة ترامب، قاد المستثمرون اليابانيون عملية بيع واسعة لسندات الخزينة أطاح بسعر الدولار وبسندات شركات الذكاء الصناعي واوراق مالية اخرى. وبدل ان يهدّىء ترامب من قلق أسواق المال فعل العكس وهدّد بمعاقبة كل من يبيع سندات الخزانة الأمريكية، فكأنما ألقى على النار حطباً. والأزمة لا تزال في البداية.
( اضحوي _ 2339 )
2026-02-07