الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الثالث)!
غانية ملحيس
من نزع السياسة إلى نيكروسياسة (سياسة الإماتة)
في الجزأين السابقين ناقشنا، كيف تُصبح الإبادة الحديثة ممكنة من الناحية البنيوية، وكيف يؤدي نزع السياسة إلى تحويل الحياة إلى مادة إدارة. في الجزء الثالث، ننتقل من الهيكل السياسي إلى لغة السلطة والإنسانية، ونرى كيف تُستكمل عملية التفريغ السياسي عبر الخطاب.
أولا: الإبادة واللغة: نزع السياسة كلغة
لا تُمارَس الإبادة في العالم الحديث بوصفها فعل قتل مباشر فحسب، بل بوصفها نظاما لغويا – سياسيا يعيد تعريف ما يُرى، وما يُقال، وما يُحسب جديرا بالحياة أو قابلا للمحو⁹¹. فالإبادة، في صيغتها المعاصرة، لا تبدأ بالرصاص ولا تنتهي به، بل تبدأ حين تُفصل الحياة عن اللغة التي تمنحها معنى سياسيا وأخلاقيا، وحين تُعاد صياغة الإنسان بوصفه كائنا بيولوجيا محضا، قابلا للإدارة، لا ذاتا سياسية تمتلك حق الظهور والمطالبة⁹².
من هذا المنظور، لا يمكن فهم الإبادة الحديثة خارج المسار الطويل الذي حلّله كل من فرانتز فانون⁹³، وجورجيو أغامبين⁹⁴، وأشيل مبمبي⁹⁵، كلٌّ من موقعه، حول نزع السياسة عن الحياة وتحويلها إلى مادة حكم. فالإبادة ليست انحرافا عن العقلانية الحديثة، بل إحدى ذراها القصوى حين تبلغ قدرتها على الفصل بين الفعل واللغة، بين القتل والمسؤولية، وبين العنف والمعنى⁹⁶.
ثانيا: اللغة ليست مرآة الواقع، بل شرط ظهوره
تنطلق الحداثة السياسية الغربية من افتراض مضمر مفاده أن اللغة أداة توصيف محايدة، وأن العنف يظهر أولا في الواقع ثم يُسمّى لاحقا 97. غير أن التجربة الاستعمارية، كما كشف فانون مبكرا ⁹⁸، تقلب هذا الترتيب رأسا على عقب: اللغة تسبق العنف، وتُعدّه، وتُعيد إنتاجه بوصفه ضرورة. فالاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل نظام التسمية ذاته، يحدّد من هو الإنسان، ومن هم «السكّان»، من هو «المدني»، ومن هو «التهديد»⁹⁹.
في هذا الإطار، تصبح اللغة شرطا لإمكان الإبادة لا مجرد وصف لها. فحين يُنزَع عن جماعة بشرية وصفها السياسي، ويُعاد تعريفها عبر معجم إنساني – تقني (أزمة، وضع إنساني، احتياجات، مخاطر)، فإنها تُنقل من مجال الصراع السياسي إلى مجال الإدارة. هنا بالضبط يبدأ التحول من القتل كجريمة إلى القتل كإجراء¹⁰⁰.
ما أجادل به هنا ليس فقط أن اللغة تُمهّد للإبادة أو تبررها، كما بين فانون وأغامبين ومبمبي كلٌ من زاويته، بل أن نزع السياسة عن اللغة ذاتها هو الآلية المركزية التي تجعل الإبادة ممكنة دون أن تُرى بوصفها جريمة. حين تُفرغ اللغة من مفردات الفعل والمسؤولية والحق، لا يعود القتل بحاجة إلى تبرير، بل يصبح نتيجة إدارية طبيعية لمسار تقني “محايد”. في هذا المعنى، لا تكون الإبادة حدثا استثنائيا، بل وظيفة لغوية – سياسية تعمل بهدوء داخل الخطاب الإنساني ذاته.
ثالثا: أغامبين والحياة العارية: السياسة المعلقة كشرط للإبادة
يقدّم أغامبين¹⁰¹. مفهوم الحياة العارية (Bare Life) ليس بوصفه حالة استثنائية نادرة، بل بوصفه البنية الخفية التي يقوم عليها النظام السياسي الحديث. فحين تُعلّق السياسة باسم القانون، وحين يُستدعى الاستثناء بوصفه ضرورة أمنية أو إنسانية، تتحول الحياة إلى مادة سيادية خاضعة للتقدير، لا إلى حق غير قابل للمساس102
غير أن أهمية أغامبين في سياق الإبادة لا تكمن فقط في تشخيصه لمعسكر الاعتقال بوصفه النموذج السياسي الخفي للحداثة، بل في كشفه أن تعليق السياسة لا يحتاج دائما إلى طغيان صريح، يكفي تعليق اللغة السياسية ذاتها 103، حين تُلغى مفردات الحق، والمسؤولية، والفاعل، وتُستبدل بمفردات التقنية والضرورة، يصبح القتل ممكنا دون أن يُسمّى قتلا 104.
رابعا: مبمبي وسياسة الإماتة (نيكروسياسة)
إذا كان أغامبين قد كشف آلية نزع السياسة، فإن أشيل مبمبي 105 يذهب خطوة أبعد حين يبيّن أن الحداثة المتأخرة لا تكتفي بإدارة الحياة، بل تُنظّم الموت ذاته. سياسة الإماتة (النيكروسياسة) ليست فقط سلطة القتل، بل سلطة توزيع القابلية للموت، وتحديد من يُترك ليموت، ومن يُنقَذ، ومن يُحاط بخطاب الأسف دون أن يُحمى 106.
في هذا السياق، تصبح الإبادة عملية تدريجية، موزّعة زمنيا ولغويا، تُنفَّذ عبر الحصار، التجويع، تدمير البنى، وإغراق الفضاء العام بخطاب «الأسف الإنساني» الذي لا يترجم إلى مساءلة أو وقف فعلي للعنف 107 لا يُلغى الإنسان جسديا فقط، بل يُلغى بوصفه مخاطبا سياسيا.
خامسا: فانون: الاستعمار كلغة قبل السلاح
ما يجعل فانون حاضرًا بقوة في هذا الجزء هو إدراكه المبكر أن الاستعمار لا يعمل فقط عبر القهر المادي، بل عبر تشويه بنية الإدراك ذاتها. فاللغة الاستعمارية لا تصف المستعمَر، بل تعيد تكوينه في وعيه ووعي العالم به 108 من هنا، لا تكون الإبادة حدثا مفاجئا، بل ذروة مسار طويل من نزع الاعتراف.
في فلسطين، يتجلّى هذا المنطق بوضوح فادح: الفلسطيني لا يُقتل لأنه عدو فحسب، بل لأنه مُفرغ لغويا من صفته السياسية. يُعاد تعريفه كـ «سكان»، «حالة إنسانية»، «مشكلة أمنية»، بينما تُحذف كلمة استعمار، وتُعلّق كلمة احتلال، ويُعاد تدوير العنف بوصفه دفاعا عن النفس، أو إدارة صراع109.
للمزيد ..أضغط على الرابط الموجود
https://alantologia.com/blogs/91245
2026-02-05