المعرفة والفعل الثوري (تكامل التفسير الثوري للواقع مع الثورات السياسية والاجتماعية)!
جمال الطاهات
المقاربة الوظيفية للمعرفة: تشكيل خيارات الإنسان أفراداً وشعوباً
“لماذا المعرفة؟” عنوان لواحدة من أوائل المقالات التي أرسلتها إلى مجلة منتدى الفكر العربي في عام 1987، ونُشر بعنوان اخر. كان هدفي من المقال توضيح الفروقات الجوهرية بين وظائف المعرفة كما ظهرت في فكر الإمام الغزالي، الذي رآها طريقًا للخلاص من الضلال الروحي والفكري، وبين التحولات التي طرأت على تصور وظيفة المعرفة في القرن السابع عشر، حيث تحولت بشكل حاسم، لتصبح أداةً للسيطرة وبناء الهيمنة، سواء على الطبيعة أو على المجتمعات. ولكنها في ذات الوقت فتحت الطريق لتوظيف المعرفة كأداة تحرر، ومتكأ لتعظيم ممكنات الإنسان، ووسيلة لتحرره فرداً وجماعة من الهيمنة.
فإن كان بالإمكان فكرياً وفلسفياً، افتراض وجود وظيفة مركزية واحدة للمعرفة، إلا أن تحديد (هذه الوظيفة) وتعريفها اختلف بين عصر وآخر، وبين المدارس الفكرية واختياراتها. فالسيطرة تبدو وظيفة جزئية، كما هو الخلاص من الضلال، ولكن بقي الفارق الواضح بين الوظيفة الفعلية للمعرفة في حياة الإنسان، وبين الوظيفة المحدودة التي تفترضها وتتبناها المدارس الفكرية المختلفة. اعتماد وظيفة المعرفة كمركب من مراكب الخلاص الفردي، لا يلغي حقيقة كونها مركب للتيه والضياع والضلال. واكتشاف إمكانية توظيف المعرفة أداة سيطرة، لم يمنع حقيقة تاريخية أخرى وهي فاعليتها كرافعة من روافع التحرر والتغيير الثوري. فمن المفارقات الملفتة للنظر، أن اعتماد وظيفة المعرفة كأداة سيطرة تضمن تاريخياً تثوير البنية التي سبقتها (وظيفة المعرفة كمنقذ من الضلال)، ولكنه أيضاً أسس لتوظيفها لتحرر المجتمعات والشعوب. فوعي وظيفة المعرفة كأداة سيطرة لم يمنع الوعي بوظيفتها المضادة كأداة تغيير ثوري.
وبسبب ارتباط الثورات المعرفية بتحولات أدوات الإنتاج، وبالتالي تحولات كبرى في علاقات الإنتاج، فإنه من الملاحظ أن كل ثورة معرفية تضمنت تقديم خيارات جديدة للشعوب. فهي في آن معاً وسيلة سيطرة وهيمنة، وأيضاً رافعة لتعزيز الحرية الإنسانية.
وبالرغم من الدور الواضح للمعرفة في الحركات الثورية، فإن التصورات المنهجية لعلاقة المعرفة بالثورات السياسية والاجتماعية بقي غامضاً لفترة طويلة، وغاب عنه التوصيف الإجرائي، حتى ظهر دور” التفسير الثوري للواقع” كأساس يكشف الدور التحرري للثورات المعرفية. واستوى بذلك وجود وصفات لتوظيف المعرفة في الثورات، كما هو حال وصفات توظيفها كأداة سيطرة.
التطور التكنولوجي وعجز المستبدين عن فهم حركة التاريخ
كشفت الجهود الفكرية للقرن التاسع عشر أثر التطور التكنولوجي على المنظومات السياسية والقانونية السائدة، وأصبحت فكرة التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المرافقة للتحولات التقنية، موضع إجماع بين طيف واسع من المفكرين بدءاً من كارل ماركس حتى ملتون فريدمان، وبمستوى من الوضوح لم يعد بالإمكان تجاهلها.
وبقيت الثورات السياسية تتبع بفارق زمني ملموس التحولات التقنية والحركات الفكرية التي تعبر عنها. وبقي هذا الفارق الزمني (بين التحولات الموضوعية الناتجة عن التطور التقني وإنجاز التغيير السياسي للتكيف معه) مصدر للكثير من الآلام العبثية، التي ارتبطت بقصور وعي المستبدين لحتمية التغيير السياسي وعجزهم عن فهم حركة التاريخ. وأصبحت الحركات الفكرية التي تستشرف التحولات الموضوعية وتتزامن مع الحركات الثورية، هي الوسيلة المركزية لكنس الاستبداد، وتقصير الزمن الضروري للمجتمعات للتكيف سياسياً وثقافياً مع التحولات التقنية والاقتصادية.
فالتحولات التقنية تجعل من أنماط الاستبداد القديمة (الوسائل القديمة للسيطرة والهيمنة) عاجزة عن السيطرة على الممكنات التي تتيحها التحولات التقنية لتحرر الإنسان وارتقائه. فالثورات المعرفية والتكنولوجية تقدم للحركات الثورية ممكنات غير محدودة لتفكيك بنية المستبد الفاسد، وتمكين الشعوب من حقوقها.
تجربة القرن العشرين كرست العلاقة بين المعرفة والفعل الثوري وساعدت على توضيحها، كما قدمت وسائل لتقصير الفجوة الزمنية بينهما. كما أن تحول مقولة ماركس “وظيفة الفلسفة تغيير العالم وليس وصفه” إلى فكرة مشتركة بين الحركات الثورية (بغض النظر عن مضمونها الاجتماعي، وبغض النظر عن التحولات المعرفية والتكنولوجية التي أدت إليها) زاد من أهمية البحث عن الوسيلة النظرية التي تمكن المعرفة من تغيير العالم، وتحرير الإنسان من قهره وفقره.
التفسير الثوري للواقع هو الجسر الذي يربط بين الثورة المعرفية والثورة السياسية
القرن الحالي تميز بانتشار الوعي بالمضمون الثوري للمعرفة، وكشف الوسيلة النظرية لتنجز المعرفة مهمة تغيير العالم. وتتمثل هذه الوسيلة بتقديم تفسير ثوري جديد للواقع. فالمعرفة تنجز مهمتها (تغيير الواقع) عبر تقديم تفسير ثوري له. وهذا هو مفتاح التزامن والتكامل بين المنجز المعرفي والفكري مع الفعل الثوري السياسي المباشر. وجود تفسير ثوري جديد للواقع، هو مصدر الطاقة للمنجز المعرفي لتعزيز قدرته على تقديم حلول لمعضلات الإنسان وتخليص الشعوب من الاستبداد والفساد.
إذ تتجلى الثورة المعرفية بوجود تفسيرات ثورية للواقع، تتيح تغييره، وتجعل من الممكن تحديد العقبات التي تعترض طريق المستقبل الأفضل، وتقديم الخيارات العملية للتخلص من هذه العقبات، ثم توصيف المستقبل ورسم ملامحه التي تخلو من آلام الواقع ومساوئه.
لقد فتحت المقاربة الوظيفية للمعرفة، معززة باكتشاف فاعلية التفسير الثوري للواقع، الأبواب على مصراعيها لاشتقاق الخيارات الثورية، وتطوير أنماط الفعل الثوري، من حيث هو اشتباك متعدد الجبهات مع الاستبداد والفساد. ونقطة الانطلاق هي تقديم تفسير جديد وإبداعي وثوري للواقع بديلاً للتفسير الذي يقدمه المستبدون. فلا يمكن تغيير الواقع دون تفسير ثوري له.
من هنا تم الكشف عن الوسيلة النظرية التي تمكن من تفعيل الوظيفة الثالثة للمعرفة (فهي إضافة لكونها وسيلة للخلاص الفردي من الضلال، ووسيلة سيطرة) أصبح لها وظيفة جديدة موصوفة وقابلة للتنفيذ وهي تغيير الواقع عبر تقديم تفسير ثوري له، يجعل من تغييره أمراً حتمياً، وفعلاً عقلانياً ضرورياً وممكناً.
مع التأكيد على أن مهمة انفاذ وظيفة تغيير الواقع تسير على مسارين: الأول تفكيك تفسير المستبد الفاسد للواقع كضرورة لكشف عدم شرعية سيطرته على المجتمع. والمسار الثاني تقديم التفسير الثوري البديل. فلا جدوى من تفكيك تفسيرات المستبد الفاسد للواقع، دون تقديم التفسيرات الثورية البديلة، التي تمثل الإطار المرجعي لاشتقاق الخيارات الثورية سياسياً واجتماعياً، وبناء البديل المستقبلي. كما أن التفسير البديل يكتسب حيويته وفاعليته بالاشتباك مع التفسير الاستبدادي للواقع. يختنق التفسير الثوري ويأكله الغبار إذا لم يشتبك مع التفسير الاستبدادي للواقع.
كلمة أخيرة
إصرار المستبد الفاسد وعائلته في الأردن على احتكار عمليات انتاج وتوزيع المعرفة لمنع تشكل التفسير الثوري للواقع، واستعمالهم منظومات قانونية ورقابية لتكميم الأفواه، دليل على أزمتهم وعجزهم عن التكيف مع الثورة التقنية والمعرفية، ودليل على صحة الموقف الثوري الساعي للتخلص منهم. فالمستبد الذي يعتقد بقدرته على منع عجلة التطور سوف يتم سحقه بين مسنناتها قريباً.
وعليه فإن الخطوة الحاسمة لإنجاز التغيير في الأردن، وتمكين الشعب الأردني من اسقاط المستبد الفاسد وعائلته واسترداد السلطة والموارد، وبناء الدولة الحقيقية التي تعبر عن وجدان الشعب وتخدم مصالحه، هي تقديم تفسير ثوري لواقع قهر الشعب الأردني وفقره. وملخص التفسير الثوري لحالة قهر الشعب الأردني وفقره هو وجود عائلة تعتمد على الدعم الأجنبي لقهر الشعب الأردني ونهب موارده. مما يحتم أن يتزامن ويكتسب التفسير الثوري لواقع الأردن فاعليته التاريخية، من تكامله مع الفعل الثوري السياسي والمعرفي، واشتباكه لتفكيك تفسيرات المستبد الفاسد وادواته.
2025-01-06
